أحبت إكرام سيد، الطالبة بمدرسة العوضلاب الإعدادية بمركز إدفو، القراءة في عمرٍ مبكر، وجدت في الكتب ملاذًا خاصًا ومفتاحًا لعالم واسع من الخيال، تغذّي شغفها بالقراءة من أجواء منزلها؛ حيث كانت والدتها تحمل تقديرًا عميقًا للعلم والمعرفة، وكان والدها ينسج لها الحكايات في الليالي، حتى تسأل في دهشة: "من أين تعرف كل هذه القصص؟"، ليجيب بابتسامة: "من القراءة".
تقول إكرام عن بدايات علاقتها بالقراءة: "لم تكن مجرد هواية، بل إرثًا إذ كنت أرى في عينَي أمي حبّ القراءة والمعرفة، وكانت تريد أن تنقل هذا الحب لي".

هذا الحب للقراءة تُوّج بإنجاز كبير خلال يونيو الماضي، حين حصلت إكرام على المركز الرابع على مستوى الجمهورية، في مسابقة "تحدي القراءة العربي" وتستعد قريبًا لتمثيل مصر في دولة الإمارات العربية المتحدة، ضمن فعاليات التحدي الذي يجمع آلاف القرّاء من مختلف أنحاء الوطن العربي.
بداية حب القراءة
تنتمي إكرام إلى أسرة تعتز بالعلم واللغة، حيث نشأت بين أم تعمل معلمة للغة العربية، وأب يعمل أمينًا للمكتبة، فكان من الطبيعي أن تنمو في بيئة تحتفي بالقراءة وتقدّر أثرها، توضح: "نشأت في بيت محبّ للعلم، وكان والداي يبثان الطاقة الإيجابية دائمًا كلما أخفقت، ذكّروني أن اسم المسابقة هو تحدي ويجب أن أتحدى نفسي وقلقي وخوفي لأصل".
تدين إكرام بالكثير لمدرستها ومعلميها، الذين شكّلوا حجر الأساس في رحلتها مع القراءة، وساهموا في صقل موهبتها وتنمية مهاراتها: "مدرستي الابتدائية كان لها فضل كبير عليّ؛ ساعدتني في تقوية لغتي وتنمية مهاراتي، وكان التشجيع والتحفيز من كل المعلمين له أثر كبير في نفسي".
لكنّها لا تنسى شخصًا بعينه، تعتبره محطّة فارقة في مسيرتها: "أخصّ بالذكر شخصًا في رحلتي مع القراءة عمومًا ومع التحدي خصوصًا، هو الأستاذ ياسر الصمطي، موجّه المكتبات بإدارة إدفو التعليمية، لأنه اكتشفني وأول من عرض عليّ فكرة الاشتراك في المسابقة، وكان دائمًا يساندني بكلماته المشجعة، خصوصًا في لحظات الإخفاق".

تعود إكرام بذاكرتها إلى اللحظة التي أشعلت في داخلها شرارة التحدي: "كنت في الصف الثالث الابتدائي، لما حضرت ورشة تعريفية عن مسابقة تحدي القراءة العربي في مكتبة المدرسة، وكان اللي بيقدمها الموجه ياسر الصمطي، ووقتها جاوبت على شوية أسئلة، وده شد انتباهه ليّ".
رحلة إكرام مع "تحدي القراءة" لم تكن سهلة، بل كانت مليئة بالعقبات والانكسارات قبل أن تُتوّج بالنجاح، بعد مشاركات سابقة لم تصل فيها إلى التصفيات النهائية، خالجها شعور بالإحباط واليأس، كاد أن يمنعها من الاستمرار، إلا أن الدعم الأسري، وخاصًة من والدتها، كان له الدور الأهم في عودتها للمشاركة من جديد.
تحديات ومخاوف
تقول إكرام عن تلك المرحلة: "شاركتُ في التحدي أربع مرات من قبل، ولم أتمكن من الوصول إلى تصفيات الجمهورية أو حتى المديرية، وكنت يائسة وقررت ألا أكرر المحاولة، لكن والدتي دعمتني كثيرًا هذا العام، وشجعتني على أن أخوض التجربة مرة أخرى".
ورغم أن القراءة كانت ملاذًا لها ومصدرًا لقوة شخصيتها، لم تكن إكرام بمنأى عن الانتقادات أو التنمر بسبب شغفها، تذكر حادثة تركت أثرًا في ذاكرتها: "أحضرتُ كتاب جلسات نفسية إلى المدرسة منذ عامين، فقالت لي بعض الزميلات إنني مريضة نفسيًا لم أفهم كيف ربطن بين حب علم النفس والمرض، لكن هذا لم يثنِني عن القراءة".
إكرام التي بدأت طفولتها بانطوائية وهدوء، تغيّرت مع الوقت، وأصبحت أكثر وعيًا بذاتها وبالعالم من حولها بسبب القراءة، حيث تعلمت أن ترى الأشياء من زوايا مختلفة، وأن تصنع من الكتاب رفيقًا ومُلهِمًا في كل مراحلها.
أول كتاب
تعتبر إكرام أن أول كتاب أثّر فيها هو "شجرة الكتب" للدكتور عبدالتواب يوسف، تقول عنه: "الكتاب ده خلاني أحب القراءة، لأنه ورّاني إزاي ممكن نستغل وقتنا في حاجة مفيدة، بدل ما يضيع مننا، ومن وقتها بدأت علاقتي الحقيقية بالكتب".
تضيف: "قرأت 75 كتابًا ضمن المسابقة، لكن في المجمل أنا قرأت أكتر من 150 كتاب، كنت في الأول بحب الكتب الدينية وقصص الأنبياء، لكن مع الوقت وسّعت اهتماماتي وبدأت أقرأ في علم النفس والتاريخ كمان".

أما ثاني تلك الكتب، فكان كتاب "جلسات نفسية" للدكتور أحمد إبراهيم، حيث جذبها بأسلوبه البسيط، وموازنته بين الجانب الديني والعلمي، ومن الكتب الأخرى التي تركت أثرًا واضحًا فيها، تشير إلى كتاب "لأنك الله" للدكتور علي جابر الفيفي، وكتاب "عُقدك النفسية سجنك الأبدي" للدكتور يوسف الحسيني، وتصف الأخير بأنه الأصعب، لكونه يتطلب تحليلًا عميقًا.
ورغم كثافة ما قرأته، تؤكد إكرام أن التوفيق بين الدراسة والمسابقة لم يكن مرهقًا: "أنا بطبعي بحب القراءة، ومعظم الكتب كنت قرأتها قبل كده، كنت بركز أكتر على مراجعتها وتحضير العرض بالفصحى، وباقي الوقت للمذاكرة، كنت بشتغل على نقاط ضعفي في التحدث، وده فرق معايا".
مسابقة تحدي القراءة
أحبت إكرام المسابقة والتحدي الذي عاشته، وتتذكر لحظة الفوز: "قبل إعلان النتيجة، كنت بدعي ربنا أكون من ضمن الخمسة الأوائل، وكان عندي إحساس قوي إني هطلع الرابعة كنت شايفة الرقم ده في خيالي طول الوقت".
تضيف "أنا دايمًا كنت بخطط إني أوصل، وكل سنة كنت براجع أخطائي وأحاول أشتغل عليها، شاركت في ورش وتدريبات نظمها أمين المكتبة بالمدرسة، وكمان التوجيه في الإدارة التعليمية ساعدوني كتير، والتدريبات دي فرقت معايا ووقت إعلان النتيجة كنت بقفز من الفرحة".
وتختتم حديثها بأمنيات تتجاوز حدود المسابقة، تقول: "أحلم بمشروع يجعل القراءة عادة يومية في كل بيت ومدرسة بمصر"، وتستعد إكرام، في الوقت الحالي، نفسيًا لـ "تحدي القراءة".
تحدي القراءة العربي، هو أكبر مشروع لتشجيع القراءة، أطلقه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عام 2015، ويُلزم كل طالب بقراءة 50 كتابًا سنويًا وتلخيصها في ما يُعرف بـ "جواز التحدي"، بهدف ترسيخ عادة القراءة، وتنمية المهارات التحليلية واللغوية لدى الطلبة، وبناء أجيال واعية ومثقفة.