ما وراء الوجوه

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت نورهان عبد الرحمن
2026-10-17 11:00:00

عدم القدرة على التعبير عن المشاعر لا تعني بالضرورة غيابها أو جفافها؛ فقد تسكن أعمق المشاعر في نفوس أولئك الذين يلتزمون الصمت، إنها حالة يمتلئ فيها القلب بالعواطف، بينما تعجز الكلمات عن تجاوز الشفاه، فيبدو صاحبها جامدًا أو متحفظًا، رغم ما يعتمل بداخله من أحاسيس يصعب البوح بها.

ويتجلى هذا التباين الإنساني بوضوح في المواقف المشتركة بين الأفراد، حتى بين الإخوة الذين نشأوا في البيئة نفسها، ففي إحدى الأمسيات الصيفية الهادئة، وخلال تجمع عائلي، استعدنا ذكريات حفل زفاف ابنة خالتنا، الذي أُقيم قبل فترة قصيرة، ودار بيننا حديث عفوي عن الطريقة التي يستقبل بها كل منا مشاعره ويعبّر عنها في مثل هذه المناسبات.

ورغم أننا كنا نتحدث عن الحدث نفسه، اختلفت استجاباتنا العاطفية، كنت أشعر بفيض من المشاعر، وتتلألأ عيناي بدموع الفرح الصادق، لكنني اخترت الوقوف في زاوية هادئة من المكان. لم يكن ذلك نابعًا من فتور مشاعري، بل على العكس، كانت العواطف تتدفق بداخلي، إلا أنني عجزت عن النطق بكلمة أو التعبير بأبسط عبارات التهنئة، وكأن حاجزًا من الصمت يفصل بين ما أشعر به وما أستطيع قوله.

أما أختي الصغرى، فكانت تميل في مثل هذه المناسبات إلى الاكتفاء بأداء الواجب الاجتماعي، كتهنئة العروس ومباركتها، دون إظهار مشاعرها بصورة واضحة. في المقابل، كانت أختي الوسطى أكثر قدرة على التعبير عما تشعر به، سواء في الفرح أو الحزن، مع حرصها على انتقاء كلماتها بعناية واحترام المساحات الشخصية للآخرين، وإن كانت تفضّل أحيانًا تأجيل التعبير عن مشاعرها في وجود الغرباء أو وسط التجمعات المزدحمة.

وقد ترتبط صعوبة التعبير عن المشاعر أحيانًا بما يُعرف في علم النفس بمفهوم "الألكسيثيميا" (Alexithymia)، وهو مصطلح يُستخدم لوصف صعوبة تحديد المشاعر وفهمها والتعبير عنها لفظيًا. ومع ذلك، لا تعني كل صعوبة في الإفصاح عن المشاعر بالضرورة وجود هذه الحالة؛ فقد تتأثر قدرة الإنسان على التعبير بطبيعته الشخصية أو تجاربه السابقة أو الظروف المحيطة به.

إن العجز عن التعبير اللفظي أو الجسدي عن المشاعر، حتى في أبسط المواقف، كإلقاء التحية أو إظهار المحبة، لا يعني بالضرورة قسوة القلب أو بلادة الإحساس. فهناك من يحملون في داخلهم مشاعر عميقة، ويتأثرون بما يدور حولهم بدرجة كبيرة، لكنهم يجدون صعوبة في نقل ما يشعرون به إلى الآخرين. وبين ما تخفيه الوجوه وما تعجز عنه الكلمات، تبقى حقيقة واحدة: ليس كل صامت خاليًا من المشاعر، وليس كل من يجيد التعبير أكثر إحساسًا من غيره.