بين الروحانية والتكنولوجيا.. أين رمضان؟

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت حبيبة حجازي
2026-03-10 12:29:56

اتسم شهر رمضان الكريم قديمًا بالعديد من العادات الراسخة التي تحمل بين طياتها روح المحبة والتآلف، فكان الشهر يأتي محمّلًا بالدفء الاجتماعي قبل أن يكون مناسبة دينية. كانت التهنئة تُقال وجهًا لوجه، وتُعلّق الزينة بمشاركة الجيران، ويُدمس الفول في البيوت، وتُنظَّف المنازل استعدادًا لأيام مباركة ينتظرها الجميع بشوق. 

كان تبادل الأطباق عادة أصيلة تعكس روح المشاركة، لكن مع مرور الوقت اندثر كثير من هذه المظاهر، وبرزت التكنولوجيا التي ما زالت تؤثر في سلوك مستخدميها وتتحكم في إيقاع حياتهم.

عادات الأمس

عقب رؤية الهلال وثبوت شهر رمضان، كان الشباب يتسابقون إلى تعليق الزينة في الشوارع، ويتشاركون الفرحة ببساطة ودون تكلف، والجيران يتبادلون التهاني، ويخرج الصغار والكبار لصلاة التراويح في مشهد يجسد روح الجماعة والتلاحم.

أما الأطفال يهتفون في الشوارع: "أهلًا رمضان" و"رمضان جانا"، حاملين فوانيس الشمع القديمة، بينما تتساقط قطرات الشمع على أيديهم الصغيرة وهم في قمة السعادة.

وموائد الإفطار تجمع الأهل والجيران، ويتبادل الجميع أطباق الطعام والحلوى وأكياس الفول، ويبدأ الإفطار بالتمر واللبن، ويشترك الجميع في إعداد الطعام وتجهيزه، وتتكاتف الأيدي قبل أن تجتمع القلوب.

وفي المساء، كانت الأسرة تلتف حول التلفاز لمتابعة المسلسلات والبرامج الرمضانية القديمة مثل ليالي الحلمية وساكن قصادي، وتنتظر فوازير نيللي وشريهان، وتضحك مع فطوطة. وكانت قراءة القرآن وختمه عادة أصيلة، وتُحكى قصص الأجداد بعد الإفطار. 

وفي بعض القرى كان يُعلن موعد الإفطار بقرع الطبول والأبواق التقليدية وصوت المدفع، مع مشاركة جماعية في إخراج الزكاة والتبرعات، بروح يشعر فيها الجميع بمسؤوليتهم تجاه بعضهم البعض.

عادات اليوم

مع تطور التكنولوجيا تبدّل الكثير من العادات؛ أصبحت التهنئة تُرسل عبر رسائل إلكترونية، إن تذكّر الناس تبادلها، وأصبح كل فرد يزيّن منزله بمفرده، وتراجعت مشاركة الجيران.

تحول الإفطار الجماعي أحيانًا إلى لقاء عبر شاشات الهواتف، يجلس كل فرد ممسكًا بجهازه يتابع مسلسله المفضل بمعزل عمّن حوله، وتعددت الشاشات في المنازل، وقلّ الالتفاف حول شاشة واحدة.

وتراجعت عادة تبادل أطباق الطعام واقتصرت على نطاق محدود، واختفت في بعض الأماكن بفعل ارتفاع الأسعار، وأصبح الفانوس، رمز رمضان، عبئًا ماديًا لدى بعض الأسر، حتى إن غناء الأطفال وهتافهم في الشوارع لم يعد يُقابل دائمًا بالترحيب، وقلّت العزائم وموائد الإفطار الجماعية.

وإن أردنا أن يعود رمضان بدفئه، فعلينا أن نعيد نحن دفء القلوب وروح التراحم، لا يمكن إنكار دور التكنولوجيا في تقريب المسافات بين المسافرين، فالمشكلة ليست في الوسيلة ذاتها، بل في طريقة استخدامها؛ علينا أن نجعل من التكنولوجيا وسيلة للتقارب لا سببًا للتباعد.