"بالحصة" معلمون بين الحد الأدنى للأجور وحلم التعيين

تصوير: جنة الله أشرف - معلمو الحصة داخل المدرسة

كتب/ت جنة الله أشرف عطية
2025-12-01 12:22:01

بين جدران الفصول يقف آلاف الخريجين يوميًا، يدرّسون النشء دون أن يحملوا لقب "معلم مُثبّت"، إنهم مدرّسو الحصة، الذين أصبحوا جزءًا من المشهد التعليمي في مصر مؤخرًا، وضعٌ وُلد من رحم العجز في أعداد المعلمين، عجز وصل لمئات الآلاف، لكنه يثير أسئلة كثيرة حول أوضاع وحقوق أولئك الذين لم تمنحهم الدولة بعدُ صفة "التعيين"، وتأثير نظام العمل هذا على العملية التعليمية.

مجرد اضطرار

محمد منصور، 24 عامًا، مدرس اللغة الإنجليزية بنظام الحصة في مدرسة الشريفات بقرية إدفا بمحافظة سوهاج، يقول لــ "أهل سوهاج": "نظام الحصة مجرد اضطرار للوصول لفرصة التعيين الحكومي... خطوة اضطرينا لها علشان نكمل الطريق".

ويضيف عن الصعوبات التي يواجهها في العملية التعليمية: "نظام التقييمات الذي تفرضه الوزارة مفيد للطلاب من ناحية التدريب على نمط الأسئلة، لكنه مرهق لنا، كتب التقييم لما اتأخرت اضطرينا نكتب الأسئلة على السبورة بإيدينا وده استهلك وقت الحصة، وأحيانًا بنضطر نقلل من الشرح علشان نلحق".

مدارس نائية

أما أحمد طلعت معلم اللغة العربية الشاب في المدرسة نفسها، فيحكي عن معاناة الوصول إلى المدرسة بسبب بُعد المسافة "بامشي نص ساعة أو أكتر علشان أوصل المدرسة... الطريق ترابي والمواصلات قليلة، أغلب القرى اللي فيها عجز مفيهاش وسيلة نقل ثابتة".

ورغم التعب، يحاول طلعت أن يكون قريبا من طلابه فيقول "أنا قريب منهم في السن، وبتعامل معاهم كإخوات، بنحكي، بننصح، بنحل مشاكل... بس عمري ما استخدمت العقاب".

أما زميله منصور فيختلف معه قليلًا في طريقة التعامل مع الطلاب، إذ يرى أن الجدية هي المفتاح: "لازم الطالب يعرف إن فيه حدود، إن العلاقة تعليمية في الأساس، علشان ميبقاش فيه مشاكل".

"لسد العجز"

من وجهة نظر إدارية، يرى رجب أحمد مدير مدرسة الشريفات، أن نظام الحصة أدى غرضه في سد العجز، لكنه لا يخلو من المشاكل "طبيعي تلاقي حد بيشتغل بضمير وحد لأ، دي طبيعة بشرية، لكن فعليًا النظام ساعدنا نكمل الدراسة من غير توقف".

ويضيف: "بُعد المسافة ومشاكل الطريق بيخلّوا الالتزام صعب أحيانًا، فيه معلمين بيجوا من أماكن بعيدة جدًا، وده مؤثّر على انتظامهم".

ووصل العجز في أعداد المعلمين إلى  469 ألف حسب تصريحات وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، التي أشار فيها إلى أن الوزارة استطاعت حل هذه الأزمة "والآن لا توجد مادة أساسية داخل الفصول بلا معلم، كما تم مد العام الدراسي من 23 إلى 31 أسبوعًا، وتخفيض النصاب الأسبوعي لكل مادة لمواجهة العجز، ما أدى إلى زيادة قوة التدريس بنسبة 135%". إلى جانب الاستعانة بمعلمي الحصة، "وتغيير المسمى الوظيفي لبعض العاملين في الوزارة من حاملي المؤهلات التربوية لسد العجز"، كما قال.

وفي أغسطس الماضي، أعلن وزير المالية أحمد كجوك أن الحكومة أنفقت 4 مليارات جنيه للاستعانة بـ 160 ألف معلم جديد بنظام الحصة خلال العام المالي 2024- 2025 المنتهي في يونيو الماضي، وذلك لسد عجز المعلمين، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، لتحسين الخدمة التعليمية لنحو 26 مليون طالب وطالبة في المدارس المصرية. 

آراء المعلمين المعيّنين

تقول مريان إيليا معلمة العلوم في مدرسة نجع الدير بإدفا: "الطلبة بيشتكوا إن مدرسين الحصة مش عارفين يتعاملوا مع نظام التقييم الجديد، بيكتبوا أسئلة غلط أو بيزوّدوا عن المقرر، فيه منهم بيعتذر إنهم مش مسؤولين أصلًا، باعتبار إنهم مؤقتين"، وترى أن هذا الأمر يمكن أن يؤثر سلبًا على تحصيل الطلاب: "إزاي أدّي منهج كامل لمدرس مش مستقر؟ مش هيكون مطمئن، لا هو ولا الطالب".

و يرى محمود الخشاب، معلم لغة إنجليزية بإحدى مدارس بمركز ساقلتة، أن هذا النظام من أسوأ الأنظمة التعليمية قائلًا: "النظام ده بيخليك تحت رحمة الإدارة، في أي لحظة ممكن تتفصل لأنك مش ثابت في مدرسة واحدة، وده بيؤثر على إحساسك بالأمان الوظيفي."

تقول منى محمد، معلمة لغة إنجليزية بمدرسة الشريفات بإدفا: "شايفه إنهم بس محتاجين وقت علشان يكتسبوا خبرة وده شئ طبيعي كلنا مرينا بيه في أول فترة تعيين لينا ". 

صوت الطلاب

تروي ريتاج محمدين، طالبة بالمرحلة الإعدادية في مدرسة الغوانم بنات بقرية إدفا، تجربتها قائلة: "كنت واخدة بالي إن المدرس بياخذ انطباع عننا من أول الحصة... اللي جاوب صح بيفضل الشاطر طول السنة، واللي غلط مرة بيُحكم عليه إنه ضعيف، حسّيت إن مفيش فرصة تانية."

أما زميلتها جنى رأفت بنفس المدرسة، فتقول: "فيه مدرسين بالحصة بيشرحوا نص المنهج ويسيبوا الباقي، وفي اللي بيستغلّوا أعمال السنة علشان الطلبة ياخدوا عندهم دروس خصوصية، السنة اللي فاتت اتظلمت في الدرجات... أنا ذنبي إيه إني مش باخد عنده درس؟!".

لكن الصورة ليست قاتمة تمامًا، فبسام صابر، طالب بالصف الثاني الثانوي بمدرسة سوهاج الثانوية العسكرية، يرى العكس:"المدرس اللي عندنا ممتاز، بيشرح كويس وفاهم النظام الجديد، يمكن علشان كان متعيّن قبل كده وطلع على المعاش، فعارف الشغل كويس".

ولا يقتصر المتقدمون للعمل وفق نظام الحصة على حديثي التخرج، بل يشمل فئات عمرية مختلفة بما في ذلك المعلمين الذي خرجوا على المعاش، كما يُوزّع هؤلاء المعلمون أحيانا لتدريس مواد مختلفة عن تخصصهم الجامعي.

مقابل مادي ضئيل وغير منتظم

التعاقد مع معلمي الحصة يكون عبر الإدارات التعليمية وبموافقة أمنية، مع الالتزام بعدد من  الشروط، كعدم وجود صلة قرابة بأي من موظفى المدرسة نفسها، كما لا يحق لهم المشاركة في أعمال الامتحانات، ومن ثم لا يحصلون على مكافأتها، ويحصل المتعاقد على أجر 50 جنيهًا عن الحصة، بحد أقصى 20 حصة أسبوعيًا، أي أن إجمالي الحد الأقصى يبلغ 4 آلاف جنيه.

لكن عمليّا، وكما توضح المعلمة المُعيّنة منى محمد: "ما بياخدوش شهري، لحد دلوقتي مثلا ما قبضوش أي فلوس، آدي شهر 9 و10 و11 لسه ماخدوش أي فلوس، والحصة ما بتوصلش 50 جنيه بيبقى فيه خصم بتوصل 38 جنيه فقط، ولو عشرين حصة يوصل في الشهر لـ 4 آلاف جنيه لكن مش كل الناس بتاخد العشرين حصة، فيه ناس واخدة 14 حصة وفيه ناس عندنا شغالة 8 حصص بس".

ويعلّق محمود عبد الرؤوف، معلم لغة عربية معيّن بمدرسة الشريفات، أن المقابل المادي الذي يتقاضاه مدرّسو الحصة حاليًا غير مُجزٍ ولا يكفي أساسًا لتغطية مصاريفهم اليومية، مضيفًا "كثير من المدرسين يأتون من مسافات بعيدة، وبالتالي نصف مرتبهم ينفقونه فقط على المواصلات، وهذا يضاعف الضغط عليهم ويؤثر على أدائهم داخل الفصل".

وهكذا يظل نظام "مدرسي الحصة" علامة استفهام في المشهد التعليمي المصري: هل هو حل مؤقت وناجح لسد العجز؟ أم انعكاس لمشكلة أعمق تحتاج إلى إصلاح جذري؟