بلا تأمين أو عقود.. عمال النظافة يواجهون مخاطر المهنة

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت مريم أشرف
2026-08-11 11:53:07

تحك رجاء محمود، 60 عامًا، عاملة نظافة في حي دار السلام، جلدها بأظافرها في محاولة لتخفيف الحكة التي تشتد كلما تعرضت لأشعة الشمس أو لامست القمامة في أثناء العمل، لا تتوقف معاناتها عند ذلك، إذ تلاحقها نوبات سعال حادة توقظها من النوم، وتضطرها إلى التغيب عن العمل ليوم واحد، لكن هذا الغياب يكلفها خصم أجر ثلاثة أيام، من راتب لا يصل إلى الحد الأدنى للأجور، ولا يكفي لتغطية تكاليف علاجها.

شُخِّصت رجاء بالتهابات جلدية حادة وحساسية من أشعة الشمس، بعد نحو عامين من عملها كعاملة نظافة تابعة للهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة، دون أن تحصل على وسائل وقاية تحميها من التعرض المباشر للشمس، أو من الأتربة والمخلفات التي تتعامل معها يوميًا.

يعاني عمال نظافة من بيئة عمل غير آمنة، في ظل غياب وسائل الحماية من الأتربة والمخلفات وأشعة الشمس، وعدم تمتعهم بعقود عمل رسمية أو تأمين صحي واجتماعي أو إجازات أسبوعية، ما يزيد من تعرضهم للأمراض الجلدية والتنفسية وغيرها من المخاطر الصحية، إلى جانب عملهم لساعات طويلة دون الوصول إلى الحد الأدنى للأجور.

وتأتي هذه الأوضاع رغم أن المادة 13 من الدستور المصري تُلزم الدولة بحماية حقوق العمال، وتوفير شروط الأمن والسلامة والصحة المهنية، وضمان حمايتهم من مخاطر بيئة العمل.

خارج مظلة التأمين الصحي

لم تتمكن رجاء من تحمل تكاليف العلاج الذي أوصى به الطبيب، لعدم حصولها على تأمين صحي، واكتفت بشراء قفازات وقبعة تحميها من الشمس على نفقتها الخاصة: "إحنا أسرة من تلات أفراد وعندي ابن من ذوي الإعاقة وزوجي متوفي والمرتب مش هيكفي الكشف والعلاج والغياب للراحة".

تحصل رجاء على راتب شهري يبلغ 2200 جنيه، ورغم إعلان رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، في أبريل الماضي، رفع الحد الأدنى لأجور العاملين بالجهاز الإداري للدولة إلى 8 آلاف جنيه، اعتبارًا من يوليو، فإن عمال النظافة محل التقرير يؤكدون أن أجورهم لا تزال بعيدة عن هذا الحد.

تهالك الزي الرسمي الخاص بعامل النظافة سعيد عبدالعال، 62 عامًا، بعدما لم توفر له الهيئة زيًا جديدًا أو قبعة واقية من أشعة الشمس منذ ثلاث سنوات، رغم مطالباته المتكررة بذلك، خاصة مع معاناته من ارتفاع ضغط الدم.

وخلال الصيف يبدأ سعيد ورديته في الخامسة صباحًا، وكان من المقرر أن تنتهي في الثانية عشرة ظهرًا، إلا أن مشرفه طلب منه الاستمرار حتى الثالثة عصرًا لتعويض غياب أحد زملائه. وبعد نحو عشر ساعات من العمل المتواصل تحت أشعة الشمس، فقد وعيه لعدة دقائق إثر ارتفاع ضغط الدم، ورغم علم المشرف بالواقعة، لم يُنقل إلى المستشفى.

ورصدت "صوت السلام" في أغسطس الماضي استمرار عمل عمال النظافة بدار السلام خلال ساعات ذروة ارتفاع درجات الحرارة، رغم قرار وزارة التنمية المحلية بحظر العمل في تلك الفترات. 

ويبلغ عدد عمال النظافة في محافظة القاهرة نحو 6902 عامل، رغم أنها تنتج أكبر كمية من المخلفات على مستوى الجمهورية، بواقع 6.1 مليون طن سنويًا من إجمالي 21.1 مليون طن.

أجور متدنية

منذ الفجر وحتى الظهر، يقضي عوف علي، 59 عامًا، عامل نظافة تابع للهيئة، نحو 12 ساعة يوميًا في العمل بحي دار السلام، مقابل راتب شهري يبلغ 2200 جنيه، يصفه بأنه "إهانة"، لأنه لا يكفي لتوفير احتياجات أسرته الأساسية، ويقول إن ضيق الدخل اضطره إلى شراء احتياجات منزله بالتقسيط، والتوقف عن شراء أدوية الضغط والسكري التي يتناولها بانتظام، وتبلغ تكلفتها نحو 900 جنيه شهريًا.

حاول عوف تحسين دخله بالبحث عن عمل إضافي، وتمكن من الحصول على فرصة كعامل نظافة في أحد المحال مقابل 5 آلاف جنيه شهريًا، لكنه لم يستطع الاستمرار فيها بسبب ساعات عمله الطويلة بالهيئة وما تسببه من إرهاق، خاصة مع العمل لساعات تحت أشعة الشمس في شارع الفيوم بحي دار السلام.

ويقول عمر عيد، المحامي بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إن قانون النظافة العامة رقم 38 لسنة 1967 لم ينظم أوضاع العاملين بهيئات النظافة، بينما ألزم قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 أصحاب العمل بتطبيق الحد الأدنى للأجور، إلا أن عمال هيئة النظافة لا يزالون، بحسب قوله، خارج نطاق التطبيق الفعلي لهذه الضمانات.

ويضيف أن قرار وزير القوى العاملة رقم 211 لسنة 2003 حدد الحدود المسموح بها للتعرض الحراري في أماكن العمل، وألزم أصحاب العمل بمنح فترات راحة تتراوح بين 25% و75% من ساعات العمل وفقًا لدرجات الحرارة، إلا أن القرار لم يُحدَّث رغم الارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة خلال السنوات الأخيرة. 

كما أوصت منظمة العمل الدولية بتبني سياسات وطنية لحماية العمال من الإجهاد الحراري، تشمل تحسين بيئة العمل، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتوفير البنية التحتية المناسبة وفقًا لـ"عيد".

وتنص المادة 4 من قانون العمل على حظر تشغيل العامل سخرة أو جبرًا، أو تعريضه لأي شكل من أشكال العنف أو التنمر أو التحرش، مع إلزام المنشآت بوضع لوائح تنظم بيئة العمل والجزاءات التأديبية.

ويطالب عيد بتطبيق الضمانات القانونية على عمال هيئة النظافة، وفي مقدمتها صرف الحد الأدنى للأجور، وضمهم إلى منظومة التأمين الصحي، إلى جانب تعديل مواعيد العمل خلال فصل الصيف لتجنب ساعات الذروة، وتوفير متابعة طبية دورية، ومراعاة الحالة الصحية وكبار السن عند توزيع العمال على مواقع العمل.

وسائل أمان مفقودة

على النقيض، تبدو أوضاع عمال النظافة في بعض الشركات الخاصة مختلفة. يقول عصام أحمد، 55 عامًا، ويعمل منذ سبع سنوات عامل نظافة بأحد المراكز التجارية في القاهرة الجديدة، إنه يتقاضى راتبًا شهريًا يبلغ 7 آلاف جنيه، ويعمل في وردية مدتها ثماني ساعات، مع حصوله على مقابل مادي عن ساعات العمل الإضافية. 

كما توفر له الشركة معدات تنظيف حديثة تقلل الجهد البدني، إلى جانب استبدال الزي الرسمي ووسائل الوقاية كلما احتاج إليها.

ويرى مجدي صليب، خبير السلامة المهنية، أن توفير الزي الواقي، والقبعة، والكمامة، يمثل الحد الأدنى لحماية عمال النظافة، وأن عدم توفيرها يعني الإخلال باشتراطات السلامة المهنية، مشيرًا إلى أن طبيعة عملهم تعرضهم للإصابة بأمراض جلدية وتنفسية ومناعية، واضطرابات في ضغط الدم وأمراض الدم.

وتتفق شهادات 10 عمال نظافة التقتهم "صوت السلام" خلال جولة ميدانية في شوارع دار السلام مع هذا التقييم، إذ أكدوا أنهم يعملون ما بين 10 و12 ساعة يوميًا، دون مقابل عن ساعات العمل الإضافية، في مهام تشمل كنس الشوارع وجمع القمامة من المنازل وفرزها داخل فرع الهيئة، بينما لا يحصل كل عامل سوى على مكنسة يدوية لأداء عمله.

ويضيف صليب لـ"صوت السلام" أن غياب التأمين الصحي يمثل أحد أبرز أوجه القصور في منظومة السلامة المهنية، مطالبًا بضم عمال النظافة إلى مظلة التأمين الصحي، وإجراء فحوصات دورية لهم، وتوفير وسائل حماية تتناسب مع طبيعة عمل كل عامل وحالته الصحية.

وتتوافق هذه الشهادات مع ما خلصت إليه "الدراسة التشخيصية حول الاقتصاد غير المنظم في مصر"، التي نشرتها منظمة العمل الدولية عام 2024، إذ أشارت إلى أن غياب العقود الرسمية والتأمين الصحي والاجتماعي، إلى جانب ضعف الحماية القانونية وتأثر الأجور بالتضخم، من أبرز التحديات التي تواجه العمالة غير المنتظمة، ومن بينها عمال النظافة.

وحاولت معدة التقرير الحصول على رد من مسؤولي الهيئة والجهات المعنية. إذ رفض حسين محمد، مدير فرع هيئة النظافة بدار السلام، التعليق.

كذلك تواصلنا مع الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، والدكتور عمرو قنديل، رئيس قطاع الطب الوقائي بوزارة الصحة والسكان، وأيمن إمام نائب رئيس القطاع، عبر الهاتف وتطبيق "واتساب"، إلا أن "صوت السلام" لم تتلقَّ ردًا حتى موعد نشر التقرير.

وبينما لا ترد الجهات الرسمية على الأوضاع غير الآمنة لعمال النظافة، تواصل رجاء عملها رغم الحساسية الجلدية التي تلازمها، ويحاول سعيد تجنب أشعة الشمس حتى لا يتعرض للإغماء، فيما ينهي عوف يوم عمل يمتد إلى 12 ساعة مقابل أجر لا يتجاوز 73 جنيهًا؛ بالكاد يكفي لتوفير وجبة عشاء لأسرته.

جميع أسماء عمال القمامة في هذا التقرير مستعارة بناءً على طلبهم وحفاظًا على هويتهم