ينتهي راتب خالد عبدالله، أربعيني، يوم 10 من كل شهر، مما يدفعه للبحث عن حلول لسد احتياجات أسرته، منها الاستدانة أو الاستغناء عن بعض الأساسيات التي أصبحت بالنسبة للأسرة رفاهية، مثل شراء الفاكهة أو إضافة طبق سلطة على مائدة الطعام، وفي بعض الأحيان، يضطر للذهاب إلى عمله سيرًا على الأقدام لتوفير مصاريف المواصلات، محاولًا التكيف مع الظروف الصعبة التي يمر بها.
لم يعطِ عبدالله، الذي يقطن في منطقة دار السلام بمحافظة القاهرة، أهمية لقرار الحكومة برفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص إلى 7 آلاف جنيه، لأنه بالفعل يعمل في مصنع ملابس ويتقاضى هذا المبلغ، ورغم أنه وصل إليه منذ عامين، إلا أنه لا يكفي لتلبية احتياجاته؛ في ظل الصدمات التضخمية التي أصبحت سمة أساسية منذ تحرير سعر الصرف العام 2016.
زيادة الحد الأدنى للأجور
لم يعد الحد الأدنى للأجور، حتى بعد رفعه إلى 7 آلاف جنيه، كافيًا لـ"عبدالله" وغيره من الأسر المصرية، فأصبحت زيادات الأجور بطيئة وبلا تأثير حقيقي، نتيجة عدم مواكبتها للارتفاع السريع في الأسعار، وسط قدرة محدودة للأسر على المناورة في أوقات الضغوط التضخمية، مما يجعل زيادات الأجور تبدو كأنها سيارة ملاكي تحاول اللحاق بقطار سريع لا تستطيع مواكبته.
منذ يومين، قرر المجلس القومي للأجور زيادة الحد الأدنى للأجور ليصبح 7000 جنيه بدلًا من 6000 جنيه في القطاع الخاص، وهي الزيادة السادسة خلال أربع سنوات، حيث رُفعت الأجور من 2400 جنيه في عام 2022 إلى 7000 جنيه في عام 2024 بشكل تدريجي.
ولكن هذه الزيادات تأثرت بشكل كبير بسعر صرف الدولار. في عام 2022، كان سعر صرف الدولار 15 جنيهًا، مما جعل الحد الأدنى للأجور حينها يعادل 160 دولارًا، بينما في عام 2024، وبعد رفع الحد الأدنى إلى 7000 جنيه، أصبح يعادل 138.28 دولارًا، مما يعكس بشكل واضح أن الزيادة في الأجور لم تواكب التضخم وارتفاع أسعار الصرف، ويدل على عدم وجود أثر حقيقي للزيادات في الأجور، حيث أن قيمتها الفعلية بالدولار انخفضت بشكل ملحوظ.
الحد الأدنى للأجور أداة معترف بها عالميًا لحماية أجور العمال ذوي الدخل المنخفض، ويدخل ضمن الحزم الاجتماعية لحماية العمال من الأزمات الاقتصادية.
التضخم يبتلع أحلام عبدالله
كان يحلم عبدالله بأن يملك مصنع للملابس، بسبب احترافه لتلك المهنة منذ صغره، إلا أن السباق مع قطار الغلاء دهس ذلك الحلم. يقول: "فضلت أحوش سنين كتيرة قبل ما الغلاء يوصل للمرحلة دي عشان أفتح المصنع، لكن الفلوس كلها راحت على الاحتياجات وارتفاع الأسعار".
يبتلع التضخم في مصر أحلام عبدالله أولًا بأول، فوفق مؤشر هانكي للتضخم تسارع معدل التضخم خلال آخر أربع سنوات (أي منذ بدء رفع الحد الأدنى للأجور) بنسبة 60%، مما جعله يضع مصر في المرتبة الـ16 ضمن الدول الأكثر بؤسًا للعام 2023، استنادًا على ما وصفه بالارتفاع المتسارع لمعدلات التضخم.
يفكر عبدالله الآن، كي يلحق بقطار الأسعار في عمل إضافي: "هشتغل حتى لو ترزي بـ50 جنيه في اليوم، هسد بيهم مصاريف العيال في المدرسة أو أخليهم يأكلوا لحمة مرتين في الشهر بدل مرة، ورغم أن مش هيبقى فيه وقت للراحة لكن لو فضلت مستني الأجور تزيد بنفس زيادة الأسعار مش هيحصل".
العمل الإضافي
نفس الحل لجأ إليه كمال محمد، أربعيني، يقطن في دار السلام، أصبح لا يرى أبناءه سوى في الإجازة الأسبوعية، بسبب ساعات عمله التي وصلت إلى 20 ساعة يوميًا. يعمل كمال موظفًا في شركة براتب 6 آلاف جنيه في الصباح، وحين ينتهي في الثالثة عصرًا يذهب إلى محل يعمل به عامل نظافة براتب 3 آلاف جنيه.
يصل راتب كمال في النهاية إلى 9 آلاف جنيه، أي أنه في مجموعهم، يتجاوز الحد الأدنى، ولكن ذلك يأتي على حساب ساعات ثمينة من الوقت الذي كان يقضيه مع أبنائه، كما أنه يضطر لبذل جهد بدني مضاعف بعمله الثاني، ورغم هذا، لا يزال راتبه غير كافٍ لتلبية احتياجات أسرته.
يقول لـ"صوت السلام": "فيه 4 آلاف جنيه بيروحوا في إيجار الشقة لأني مقدرش على تكاليف التمليك، والباقي بيروح على الدراسة والأكل اللي بقى أغلبه خضروات واللحمة والفراخ مرة كل كام شهر، والكهرباء والفواتير، لكن مفيش رفاهيات ولما حد يتعب بتكون كارثة طول الشهر بسبب مصاريف العلاج".
يدخل كمال وعبدالله ضمن فئة متوسطي الدخل، وفقًا لتصنيف البنك المركزي، الذي اعتبر في بيان له خلال 2022 أن رب الأسرة المتزوج الذي يتراوح دخله من 6 إلى 14 ألف جنيه يقع ضمن هذه الفئة، ولكن الواقع الذي يعيشه كمال وعبدالله يختلف تمامًا، حيث أن دخلهما لا يكفي لتغطية احتياجات أسرتهما الأساسية، مما يجعلهما في الواقع من محدودي الدخل.
يناور الاثنان يوميًا حتى لا يقعا تحت خط الفقر، الذي بلغ في مصر 29.7% وفقًا لآخر نسخة منشورة من بحث الدخل والإنفاق 2019/2020، الذي كشف أن الفقر في مصر في صعود مستمر منذ عام 2000.
التقشف في الطعام
بينما قاسم معتز، 27 عامًا، يقطن في دار السلام، ويعمل بإحدى الشركات الخاصة، يعيش واقعًا غير مستقر ماليًا. ففي بعض الأشهر يتراوح دخله بين 4000 و6000 جنيه، مما يعكس تقلبًا كبيرًا في راتبه الذي لم يصل بعد إلى الحد الأدنى للأجور.
يؤدي هذا الوضع إلى اضطراب ميزانيته الشهرية بشكل ملحوظ، مما يجعله هو وشقيقته الصغرى، التي يعولها بعد وفاة والديهما، يعانون من صعوبة في توفير احتياجاتهم الأساسية، ومنذ بداية عام 2024، أصبح الفقر يسيطر على مائدتهم، حيث لم تزور اللحوم منزلهم إلا في حالات نادرة.
يقول معتز: "رغم إني بشتغل في وظيفة تانية وهي محل بيع الهواتف عشان أقدر أكفي المصاريف، وأحيانًا بنجيب لحوم مجمدة، لكن الاعتماد الأكبر على الكشري والعدس، لكن البروتين عمومًا بيكون في مرات نادرة".
يذهب أكثر من ثلث نفقات الأسر المصرية على الطعام والشراب، وهو بند كان من الصعب التقشف فيه، إلا أن الأسر تستغنى الآن عن البروتين مثل معتز وغيره، كنوع من المناورة تجاه التضخم، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2022.
وتعكس هذه التحديات الاقتصادية الفجوة الكبيرة في توزيع الدخل بين الطبقات الاجتماعية، وفقًا لقاعدة بيانات "WID" (الثروة والدخل العالمي) في عام 2023. تلتهم الطبقة العليا في مصر 49.3% من الأجور، بينما لا تحصل الطبقة الدنيا سوى على 15.6%، مما يوضح مدى التفاوت الكبير في الأجور بين الطبقتين، رغم تحديد الحد الأدنى للأجور الذي يهدف إلى تنظيم الأجور في البلاد.
لا يستطيع عبدالله وكمال ومعتز الادخار من دخولهم الشهرية التي بالكاد تكفي لتلبية احتياجاتهم الأساسية مثل الطعام والدراسة، إذ يقف الثلاثة على حافة الفقر. في واقعهم، لا يتاح لأي فرد من الأسرة الحصول على العلاج أو الرعاية الصحية، بينما تظل رفاهيات أخرى مثل شراء الملابس أو التنزه بعيدة عن مخيلتهم، يواجهون واقعًا صعبًا حيث قطار الأجور يتباطأ بشكل مستمر، مما يزيد من صعوبة حياتهم.