غزاويون يروون رحلة العودة إلى مدينة بلا حياة

تصوير: صور من المصدر - العائدون إلى غزة

كتب/ت مريم أشرف
2025-02-18 13:46:01

وسط آثار دمار افترش طريق صلاح الدين في قطاع غزة، ظل حامد مهدي، 38 عامًا، برفقة زوجته وأبنائه الثلاثة، سائرًا في رحلة العودة إلى منزله في شمال القطاع، ببطء يتلمس خطواته بين أنقاض طريق اختفت ملامحه تحت وطأة قصف مستمر، وصار أطلالًا من حجارة و شظايا وبقايا جسور كانت تحمل سيارات وركاب وتعج بالحياة.

ومنذ تفعيل اتفاقية الهدنة بين حركة حماس والاحتلال الاسرائيلي في 27 يناير الماضي، تمسك مهدي بالعودة مع أسرته إلى منطقته التي هٌجِر منها، مثل عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين اضطروا على مدار 15 شهور إلى النزوح من منازلهم إلى الجنوب، 

وعبر صلاح الدين، الذي يربط بين المحافظات الوسطى والجنوبية في قطاع غزة بالجهة الشمالية منها، اتخذ المشاة طريق العودة إلى منازل لا يتوقع كثير منهم ما إذا كانت لا زالت موجودة في موقعها أم تهدمت تحت القصف. 

مهدي: "اشتاق إلى منزلي"

خرج مهدي من منزله الذي يقع على أطراف بلدة "زوايدة" في شمال قطاع غزة إلى خان يونس عقب أن تلقى وأسرته تهديدًا من قوات الاحتلال الإسرائيلي بالإخلاء قبل قصف المنزل، ومتنقلًا بين عدة أماكن ظلت الأسرة تتنقل في كل مرة يقترب القصف من موقع نزوحهم، إلى أن استقروا في مدينة رفح الفلسطينية جنوب قطاع غزة.

على مدار الأشهر ورغم كل ما يحدث، استمر مهدي وأسرته في تمسكهم بحق العودة، إلى أن استقروا مؤخرًا في وسط بلدة زوايدة، وبمجرد تلقي خبر الهدنة، ووقف إطلاق النار في طريق صلاح الدين وفتحه للعائدين، هرع مهدي إلى لملمة حاجاته متجهًا إلى أنقاض منزله. يقول: "كنا نخشى طوال الرحلة ألا يلتزم الاحتلال بوعده في العودة الآمنة ويقصفنا مثلما فعل في اليوم الأول من الهدنة".

تلقى حامد خبر الهدنة عبر تلفاز أصلحه الأهالي وكان مصدرهم لتلقي الأخبار: "علت الزغاريد والتكبيرات، ظللت أبكي وأنا غير مصدق، ومر ما حدث كأنه شريط ذكريات لعائلتي منزلي وأسرتي حين كانت هادئة، و استلامنا أمر الإخلاء ومن ثم نزوحنا الذي لم يكن آمنًا في كل مرة انتقلنا فيها، وانتهاءً بالعيش في الخيام داخل رفح".

يشير مهدي في حديثه لـ"صوت السلام" إلى أنه نجا وأسرته من موت حاصر كل الغزاويين على مدار 15 شهرًا تعمد الاحتلال خلالها إبادتهم، ولم يترك لهم أي مكانًا آمنًا من القصف أو الاستهداف. 

تسنيم: "نريد العودة رغم صعوبة الرحلة"

لم يكن مهدي وحده الذي عاد إلى منزله حتى وإن كان يدرك أنه سيكون مجرد أنقاضًا، تقول تسنيم أبو سيف، 27 عامًا، نفس الأمر، وهي تكرر الحديث عن التمسك بالأرض، وحق العودة. 

نزحت تسنيم إجباريًا منذ أولى أيام الحرب عقب استهداف المنطقة التي تسكن فيها في أقصى شمال غزة، وظلت في مخيم البريج، الواقع في منطقة حدودية تتقاطع مع مستوطنات الاحتلال. ومع تعرض المخيم للقصف عدة مرات، نزحت تسنيم حتى وصلت إلى مدينة رفح جنوب القطاع.  

                                       منزل تسنيم قبل وبعد الحرب_ صور حصرية من المصدر

 

تقول لـ"صوت السلام" إنها لم تترد في فكرة العودة، بمجرد تفعيل الهدنة، حتى وإن كان عليها أن تعود كل هذه المسافة -23 كيلومتر تقريبًا - سيرًا على الأقدام، أي قرابة 5 ساعات، تعلق قائلة: "لكن ذلك أقل قسوة من المكوث في الخيم أو عدم وجود مكان تأوي فيه أسرتي مثلما حدث في أيام الحرب الأولى".

المدينة مدمرة بالكامل، تصف تسنيم أقسى شعور مرت به حين رأت منزلها مهدومًا وبلا معالم: "لا توجد حياة في القطاع ولكن هذا لا يعني ألّا نعود إلى أنقاض منازلنا، نفتقد رائحة المنازل وتفاصيلها، حتى الحوائط كنا نشتاق لها نحن وأطفالنا".

إيمان: "الجدران تحمل الذكريات"

يعرف أطفال إيمان إسماعيل، من رفح، رحلات العودة عن ظهر قلب رغم صغر سنهم، فليست المرة الأولى التي يضطرون فيها للرحيل. كانت كفوفهم الصغيرة تلعب بحبات الرمل من آثار الركام، خلال أيام الحرب وأصبحوا يجمعون تلك الحبات من كل مكان رُحِلوا إليه.

لم تكن المشقة بدنية فقط على إيمان أثناء رحلة العودة، فهي لم تعرف كيف تخبر أطفالها أن منزلهم الذي نشأوا فيه تهدم، وأنه لم يعد هناك مكان يعرفونه. كانت تلك اللحظات أشبه بكابوس مؤلم، فكل زاوية وكل جدار كانت تحمل ذكريات أيامهم الجميلة، فكيف تشرح لهم أن غرفهم وألعابهم اختفت في لحظات؟.

تقول إيمان لـ"صوت السلام": "الأمور ضبابية والأوضاع غير واضحة، لكن كابوس التهجير القسري كان يراودني طيلة فترة الحرب، خوفًا من تكرار سيناريو النكبة عام 1948، وكان أكبر مخاوفي ألا تكبر ابنتي في غزة، وتواجه مرارة التهجير الدائمة".

لينا: "أشعر بالاكتئاب بسبب الدمار"

نفس التخوفات جعلت لينا خالد، اسم مستعار، فلسطينية، تدخل في اكتئاب شديد، بسبب الدمار الذي حلّ بمنزلها في منطقة تل السلطان شمال غرب مدينة رفح جنوب قطاع غزة، إذ اضطرت إلى النزوح منه مع أسرتها في 29 مايو 2024، إلى خانيونس.

هذا المنزل شكّل جزءًا من طفولتها وذكرياتها، حيث نشأت بين جدرانه وفي شوارعه، كانت تشعر فيه بالأمان رغم الحصار والانتهاكات المستمرة التي يعاني منها سكان غزة، ومع كل خطوة نحو العودة، كان قلب لينا -كما تصفه في حديثها مع صوت السلام - "ينزف"؛ فهي لا تستطيع نسيان منزلها الذي كان يمثل لها كل شيء.

 

تقول لـ"صوت السلام": "علمت من الجيران وأنا أحزم أمتعتي للعودة، أن المنازل مهدمة وسنعيش لفترات طويلة في خيام مرة أخرى، تُذكرنا تلك الأقمشة بالحرب والقصف وعدم الشعور بالأمان، وكأننا في أي وقت يمكن أن يقصفنا الاحتلال مرة أخرى".

غزاويون في القاهرة

 

ولا تقتصر محاولات العودة على الفلسطينيين داخل قطاع غزة فقط، بل أيضًا من اضطروا إلى الخروج من القطاع على مدار شهور الحرب، ففي القاهرة أيضًا بدأت تراود عزيز المصري، 38 عامًا، الأسئلة حول مدى إمكانية أن يعود هو الآخر إلى القطاع الذي خرج منه في مارس الماضي إلى مصر، عقب سلسلة من عمليات النزوح من منزله في حي الشيخ رضوان في منتصف مدينة غزة وسط القطاع إلى خان يونس ومن ثم إلى مدينة رفح جنوب القطاع.

لم تكن النجاة هي الهدف من قرار المصري بالخروج من القطاع والانتقال إلى القاهرة بل كان الأهم هو الحصول على المال لإعالة أسرته، فوفقًا له قد أعتاد على أصوات القصف واستشهد العديد من أسرته. 

يحكي لـ"صوت السلام": "كنت حاسس حالي ضايع" تعبيرًا عن شعوره بالألم من فكرة الرحيل طوال تلك المدة، بينما الآن يرغب في العودة بشدة والسير قدمًا تجاه منزله حتى لو محطم لكن مسؤولياته المادية تجاه ذويه في غزة تجبره على المكوث في مصر.

يتشارك أمجد الرقيب، فلسطيني، نفس الشعور مع عزيز، إذ أنه خرج من غزة في مايو الماضي برفقة زوجته، تاركًا خلفه باقي أفراد أسرته ووالدته، لكنه لم ينس لحظات الوداع التي جمعته مع أهله، لذلك يفكر في العودة إلى غزة بعد أن تستقر حالة زوجته الصحية، ويستقر مع أهله في غزة في منزله القديم حتى وإن كان مجرد أنقاض.

يتمسك مهدي وعزيز وتسنيم وغيرهم من سكان غزة بمنازلهم في الشمال، حتى وإن تحولت إلى أنقاض، ويُصرون على حقهم في الأرض. ورغم ما عانوه من آلام، فإنهم استمروا في الصمود على درب العودة.