رغم أن ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تزد عن ثلاثة أسابيع حتى الآن، إلا أن الضجيج الذي أحدثه يفوق تلك المدة، لكون أغلب أحاديثه دارت وما تزال حول مشروع تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، منذ إقرار الهدنة أواخر يناير الماضي، إلا أن مخطط التهجير القسري قوبل بالرفض العربي.
ولوح ترامب خلال الفترة الماضية بأكثر من "كارت" لتنفيذ مخطط التهجير، أشرك فيهم مصر والأردن والسعودية، إلى أن عرض شراء دولته لقطاع غزة وتحويله إلى منطقة استثمارية.
مصر والأردن
قبل أسبوع من الآن، طرح الرئيس الأمريكي خلال استقباله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في البيت الأبيض، تولي الولايات المتحدة الأمريكية إعادة إعمار غزة وتطويرها اقتصاديًا، ولكن بشرط أن يُرحل سكان القطاع إلى مصر والأردن كنوع من التهجير المؤقت حتى تعيد دولته إعمار غزة.
لكن القاهرة، أعربت عن رفضها القاطع لأي مساس بحقوق الشعب الفلسطيني، سواء كان ذلك عبر الاستيطان أو ضم الأراضي أو إخلائها من أصحابها.
وقالت وزارة الخارجية المصرية في بيان لها: "نشدد على رفض مصر لأي مساس بتلك الحقوق غير القابلة للتصرف، سواء من خلال الاستيطان أو ضم الأرض، أو عن طريق إخلاء تلك الأرض من أصحابها من خلال التهجير أو تشجيع نقل أو اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، سواء كان بشكل مؤقت أو طويل الأجل".
كروت الضغط
على الفور استخدم الرئيس الأمريكي كروت الضغط أولها تجميد مساعدات بلاده الخارجية لحين تقييمها لمدة 90 يومًا، والتي تعرف بـ"المعونة الأمريكية" شملت قطاعي التعليم والصحة، إذ تبلغ نسبة المساعدات الأمريكية المقدمة للتعليم الجامعي 32%، في حين أن التعليم الأساسي يحصل على نسبة من 11.5% من إجمالي المساعدات.
وتعمل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في مصر منذ أكثر من 40 عامًا، وقدمت مساعدات تجاوز إجماليها 30 مليار دولار، وفقًا للموقع الرسمي للوكالة.
وفي مجال التعليم، توفر الوكالة منحًا دراسية مجانية للطلاب المصريين للدراسة في 13 جامعة حكومية وغير حكومية في مصر، وفي العام الماضي، قدمت الوكالة نحو 145 منحة دراسية من خلال برنامج المنح الجامعية، بالإضافة إلى 227 منحة دراسية ضمن برنامج "رواد وعلماء مصر".
وقال وقتها ترامب في قرار وقف المعونة: "أمريكا لن توزع مالها بشكل أعمى"، إذ تقدم الخارجية الأمريكية لمصر دعم سنوي بقيمة مليون و457 ألف دولار أمريكي مساعدات اقتصادية واجتماعية، وتعد مصر خامس أكبر دولة في العالم من حيث تلقي المساعدات تسبقها الأردن، التي أعربت عن رفضها خطة تهجير الفلسطينيين.
وكان آخر رد مصري على مقترح ترامب بالتهجير، أمس الأحد، حيث أعلنت وزارة الخارجية المصرية في بيان، أن القاهرة ستستضيف قمة عربية طارئة في 27 فبراير، لمناقشة "التطورات الخطيرة للقضية الفلسطينية".
وأضاف البيان أن مصر تسعى من خلال هذه القمة إلى حشد دعم إقليمي رافض لمقترح ترامب الخاص بتهجير الفلسطينيين من غزة وفرض سيطرة الولايات المتحدة على القطاع.
التهجير للسعودية
الكارت الثاني، الذي لوح به ترامب لتنفيذ خطة التهجير القسري، خرجت من رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي طرح تهجير الفلسطينيين إلى السعودية و"بناء دولة فلسطينية بالأراضي السعودية" برعاية أمريكية.
وأعلن وقتها مستشار الأمن القومي الأمريكي "مايك والتز"، أنه: "على الدول المجاورة التي ترفض فكرة تهجير الفلسطينيين تقديم بدائل عملية"، في إشارة إلى تحميل عبء الحل إلى الأطراف العربية وليس إسرائيل.
لكن السعودية ردت في بيان لها أكدت فيه دعمها الثابت لقيام دولة فلسطينية، مضيفة: "موقفنا راسخ وثابت ولا يتزعزع، ولا يمكن أن يكون موضوعًا للتفاوض أو المزايدة، السلام الدائم والعادل لا يمكن تحقيقه دون حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة وفقًا لقرارات الشرعية الدولية التي تحقق له سيادة على أرضه".
تلاه بيان من الخارجية المصرية أدانت فيه بأشد العبارات، التصريحات التي وصفتها بـ"غير المسؤولة" و"المرفوضة جملة وتفصيلًا"، والتي صدرت عن الجانب الإسرائيلي، وتحرض ضد السعودية، كما اعتبرت هذه التصريحات دعوة "غير مقبولة" لـ"بناء دولة فلسطينية على الأراضي السعودية".
المحكمة الجنائية الدولية
الكارت الثالث لتنفيذ خطة التهجير كن ضد المحكمة الجنائية الدولية، بسبب موقفها من حرب إسرائيل على غزة، والاتهامات التي وجهها موظفيها إلى الاحتلال، وكان آخرها في نوفمبر الماضي حين أصدرت ملاحقات قضائية عالمية بتهمة «الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب» ضد إسرائيل.
وفرض ترامب عقوبات مالية على المحكمة الجنائية الدولية، من خلال أمر تنفيذي بفرض عقوبات على موظفي المحكمة، ومنعهم من السفر.
ونددت المحكمة بتلك العقوبات، مؤكدة تعهدها بـ"مواصلة إحقاق العدالة في العالم"، حسبما جاء في بيانها، بينما أشادت إسرائيل بقرار ترامب بفرض العقوبات على المحكمة.
شراء غزة
ووصل الأمر في قضية التهجير، إلى إعلان الرئيس الأمريكي التزامه بشراء قطاع غزة وتملكه وتحويله إلى "ريفييرا الشرق الأوسط" بعد نقل الفلسطينيين إلى دول أخرى في الشرق الأوسط.
وقال ترامب: "أنا ملتزم بشراء وتملك قطاع غزة، وفيما يتعلق بإعادة إعمار القطاع، قد نتيح لدول أخرى في الشرق الأوسط المشاركة في إعادة الإعمار، وقد يتولى أشخاص آخرون ذلك تحت رعايتنا، ولكننا ملتزمون بتملكه والاستيلاء عليه وضمان عدم عودة حماس".
الضغط الإنساني
يبقى الكارت الأخير، وهو الضغط الإنساني على سكان القطاع في الوقت الحالي، إذ أكدت الأمم المتحدة في بيان لها، أن عشرات الآلاف من الفلسطينيين عادوا إلى الشمال بعد إقرار الهدنة، لكنهم يواجهون وضعًا إنسانيًا وضغوطًا صعبة، وحرمان من الاحتياجات الأساسية مثل المياه والغذاء وتأخر وصول المساعدات الإنسانية؛ لدفعهم نحو الهجرة الطوعية.
تاريخ خطة التهجير
مخطط التهجير القسري للفلسطينين من قطاع غزة ليس أمرًا جديدًا، بل هو مخطط قديم بدأ مع تهجيرهم في نكبة 1948، عندما احتلت إسرائيل أماكن متفرقة في فلسطين، بما في ذلك قطاع غزة.
وانتقلت السيطرة على القطاع إلى الاحتلال الإسرائيلي خلال العدوان الثلاثي على مصر في 1956، مع تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في القطاع، بدأ الاحتلال في ممارسة ضغوط اقتصادية وأمنية على الفلسطينيين لدفعهم إلى التهجير نحو سيناء.
وبعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، سعت إسرائيل إلى إيجاد حلول للتخلص من السكان الفلسطينيين في المناطق المحتلة، وقدم وزير العمل الإسرائيلي آنذاك، "ييجال آلون"، خطة لتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع تشجيع الفلسطينيين على الهجرة الطوعية عبر التضييق الاقتصادي والمعيشي عليهم.
وبعد استعادة سيناء بالكامل بموجب اتفاقية السلام عام 1979، شددت القاهرة على أن سيناء هي أرض مصرية ولا يمكن أن تكون بديلاً عن فلسطين.