وسط ألوان مبهجة بين الأزرق والوردي، وأصوات ضحك ولعب الأطفال، يتجول خالد محمود، ثلاثيني، هو وأطفاله الثلاثة، الذين اندمجوا سريعًا في المساحة الحرة داخل جناح الطفل بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، لكونها تضم أنشطة عدة.
في الدورة الـ56 للمعرض، خُصصت قاعة كاملة للأطفال، تضم العديد من الفعاليات التي تشد انتباههم، مثل التلوين والرسم على الألواح والورق وورش للأعمال اليدوية البسيطة، بهدف تطوير مهاراتهم الفنية والتعبير عن أنفسهم، فضلًا عن حكي قصص تفاعلية تشجع الأطفال على القراءة والخيال، مما يجعلها تجربة ثرية تجمع بين التعليم واللعب تحت إشراف متخصصين.
ماذا يضم جناح الطفل؟
يشرح مصطفى غنائم، كاتب ومنسق فعاليات نشاط الطفل بالمعرض، ما يضمه الجناح: "جناح الطفل هو مساحة مخصصة للطفل والعائلة معًا، لأن الأسرة تقضي يومًا كاملًا في متابعة أطفالها وهم يتفاعلون مع الأنشطة المختلفة، مما يعزز الروابط الأسرية ويمنحهم تجربة تعليمية ممتعةً".
يُسمي غنائم جناح الطفل بقاعة الأسرة، لاحتوائها على أنشطة تتفق مع رؤية الهيئة التي تهدف إلى الجمع بين المتعة والمعرفة، مبينًا: "يوجد ركن مخصص للفنون القولية، يتعلم فيه الأطفال الحكي والشعر، بالإضافة إلى قصص عن انتصارات أكتوبر، وهناك أيضًا ركن للورش التفاعلية، تقدم فيه تجارب عملية بسيطة وممتعة تحت مسمى شارع العلوم".
يحرص خالد محمود، على زيارة صالة 5 في معرض الكتاب كل عام في نفس الموعد، إذ أصبحت هذه الزيارة جزءًا من تقاليد عائلته السنوية، يحمل معه حقيبة مليئة بالطعام الكافي لهم طوال اليوم، ويحتضن طفلته التي لم تتجاوز عامها الثاني، بينما تقوم زوجته وابنته الكبرى بحمل المياه والعصائر استعدادًا ليوم حافل بالأنشطة.
بمجرد وصولهم إلى القاعة، تبدأ زوجته في التنقل بين أرفف الكتب لشراء مستلزمات العام، حيث تختار قصصًا مصورة تناسب الطفلة الصغيرة، بالإضافة إلى كتب لتمارين الذكاء والتلوين التي يحبها ابنها الآخر.
يقول محمود: "تبدأ زوجتي في اختيار الكتب التي تحفز ابنتنا الكبرى على القراءة، بالإضافة إلى الأدوات المكتبية والكتب الدراسية لأنها مخفضة، وتكون مهمتي داخل جناح الطفل متابعة بناتي وهم يتنقلون بين الأنشطة المختلفة، من التلوين والرسم إلى العروض المسرحية وورش العمل التعليمية، وأراهم يستمتعون بكل لحظة".
المسرح والحكي
يعلق على ذلك مسؤول الجناح مصطفى غنائم: "الركن الثالث يشمل فعاليات تجمع بين المسرح والندوات والحكي التفاعلي من قبل هيئات عدة تهتم بتوعية الأطفال".
يشجع خالد محمود ابنته الكبرى على المشاركة في ورش الحكي، إذ يراها فرصة رائعة لكي تصبح أكثر جرأة وثقة بنفسها، يقول: "أريدها قوية وجريئة، وهذا جزء من تربيتي لها".
يرى في ابنته حكاءة صغيرة، لما تحمله من حب كبير للقراءة وما تملكه من مخزون ثقافي منذ الطفولة، وفي نفس الوقت، يترك لابنه المجال لتجربة جميع الأنشطة الفنية، حتى يكتشف ما يحب ويجد شغفه الخاص.
يتشارك في أنشطة جناح الطفل مؤسسات حكومية عدة منها المجلس القومي للأمومة والطفولة، الذي يقدم إرشادات للأطفال حول كيفية استخدام خط نجدة الطفل 16000، بالإضافة إلى عروض مسرحية باستخدام العرائس لتوعية الأطفال بقضايا مثل التنمر والتحرش وتمكين الفتيات.
كما تقدم وزارة الأوقاف توعية دينية للأطفال، وتهتم وزارة الري بتعريفهم بأهمية الري والحفاظ على الأشجار، أما وزارة البيئة تعقد ندوات عن التغير المناخي بطريقة مبسطة وسهلة للأطفال.
ركن الورش الفنية
يقول غنايم عن الركن الأخير في جناح الطفل: "لدينا ركن مخصص للورش الفنية، يشهد نسبة الإقبال الأكبر من الأطفال؛ لأن الطفل بطبيعته يحب اللعب والتلوين، الركن يحتوي على العديد من الأنشطة مثل الرسم والتلوين، وطي الورق، وإعادة تدوير المخلفات لصناعة لوحات فنية والكروشية".
يتواجد في هذا الركن فنانون متخصصون في كل نشاط، مما يضفي طابعًا احترافيًا على الفعاليات، ويزوره مئات الأطفال يوميًا، وتتضاعف الأعداد في يومي الجمعة والسبت، لأنهما يشكلان إجازة للأسر.
على منضدة تلامسها كفوف صغيرة، تقوم حبيبة حسين، مديرة الإدارة الفنية في الهيئة العامة للكتاب، بتعليم الأطفال فن طي الورق لصناعة ديكورات رائعة من قطع ورق صغيرة.
تنتظر حبيبة كل عام معرض الكتاب لتشارك في هذا المجال الذي تحبه، إذ درست الرسوم المتحركة في كلية الفنون الجميلة، ومن خلال هذا التخصص عملت لسنوات طويلة مع الأطفال.
تقول حبيبة لـ"صوت السلام": "الأهم في هذه الورشة هو أن الطفل يتعلم كيف ينسق الألوان ويصنع برواز بسيط من الورق الصغير، ويأخذ هذه المهارة ويطبقها خلال أوقات فراغه في المنزل، فهي أنشطة مسلية تفتح له أبواب الإبداع".
ركن الفن التشكيلي
إلى جانب ورش الإبداع والفن، يقدم جناح الطفل أنشطة تشكيلية، يشاركها مع الأطفال هشام السعيد، فنان تشكيلي، وصاحب مرسم خاص بأنشطة الأطفال الفنية، حيث يساعد الأطفال في صناعة منتجات فنية من الورق.
وأثناء زيارة "صوت السلام" للجناح، كان السعيد يصنع فانوس رمضان باستخدام ورق "فويل"، يقول: "أشارك في هذا الجناح منذ أربع سنوات بناءً على طلب من الهيئة العامة للكتاب، واعتبر المشاركة جزءًا من مسيرتي المهنية التي تركز بشكل أساسي على العمل الفني مع الأطفال".
يضيف: "أنا أحب العمل مع الأطفال لأنهم يتعلمون بسرعة ولديهم قدرة على التعبير النقي، وأهتم بأن يتعلموا من الأنشطة كيفية العمل ضمن فريق ومساعدة زملائهم، بينما الأطفال الانطوائيين يتعلمون كيفية التفاعل مع الآخرين، لا سيما أن المدرسة عادة لا توفر الأنشطة الفنية التي تشمل البعد الفني والنفسي، والطفل لا يتاح له فرصة المشاركة في مثل هذه الأنشطة طوال السنة".
ويكمل السعيد: "حضور الأطفال لمعرض الكتاب يشجعهم على حب القراءة والتفاعل مع الأنشطة الثقافية، هذا الحدث لا يخلق حاجزًا بين الأطفال والفعاليات الثقافية باعتبارها مخصصة للكبار فقط، بل في أذهانهم يرتبط المعرض بالألعاب الممتعة، وليس الأنشطة الجافة التي تشبه حصص المدرسة".
تترك تلك الأنشطة في جناح الطفل أثر جيد في نفوس الأطفال المشاركين، إذ يقول صالح عبدالهادي، 55 عامًا، تشارك ابنته في الجناح بالمعرض: "اعتبرها رحلة لقضاء وقت مميز، يظل ذكرى طوال العام، حتى تكتشف عوالم جديدة، وأعجبت بحرفة الطرق على النحاس في الجناح".
الطرق على النحاس
يشرح عزت عرفة، مدرب حرفة الطرق على النحاس بالجناح: "ليست مجرد حرفة ولكنها كانت مهنة مهددة بالانقراض، ورغم أن هذا هو أول عام لي في المعرض، إلا أنني أشعر بالسعادة بمجرد أن أرى طفلًا يصنع وردة على النحاس، ثم يذهب إلى والديه سعيدًا بما أنجزه، هذا المشهد يجعلني أستيقظ كل يوم وأنا متحمس، وأترك عملي كمدرب لأحمل معداتي وأذهب إلى المعرض".
ويكمل عرفة: "أنا هنا في ركن الطفل لأعلمهم حرفة تراثية استخدمها أجدادنا الفراعنة لتوثيق تاريخنا على جدران المعابد، وهي جزء من تراثنا الفني في القاهرة القديمة على المساجد والكنائس".
ومع المعدات الثقيلة التي قد تبدو صعبة على الأطفال، يأمل عرفة أن تتحول هذه المعدات بعد سنوات إلى جزء من أيديهم عندما يصبحون شبابًا محترفين في المجال.
يغلق جناح الطفل أبوابه في الساعة 8 مساءً، ويأخذ خالد محمود وصالح عبدالهادي أبناءهم، متجهين إلى منازلهم حاملين معهم منتجات الأنشطة التي شاركوا فيها، وبعض الكتب التي اختاروها، ولديهم مهارة تذكّرهم بلحظات الفرح والإبداع التي قضوها داخل جناح الطفل.