شهدت الليلة الثانية من دخول الهدنة في غزة حيز التنفيذ، أحداثًا هامة، على رأسها تبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل، وهو الهدف الأول من الهدنة التي تمت بوساطة دولية، وسعت إلى تخفيف حدة الصراع، وفتح المجال أمام الجهود الإنسانية العاجلة.
يوم الخميس الماضي، أُعلن عن اتفاق هدنة ووقف إطلاق النار في غزة، عقب حرب إبادة شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي على المدنيين في غزة لمدة 15 شهرًا، ولكنه لم يدخل حيز التنفيذ سوى بعد موافقة رئيس مجلس الوزراء بنيامين نتنياهو، بعد انقسامات عديدة شهدتها حكومة الاحتلال؛ نتيجة معارضة 8 وزارات لوقف إطلاق النار في القطاع.
تبادل الأسرى
تضمنت المرحلة الأولى من اتفاق الهدنة بين الجانبين صفقة تبادل الأسرى، كخطوة هامة في مسار تخفيف التوترات وتحقيق الهدوء المؤقت.
وتمتد هذه المرحلة لمدة 42 يومًا، وتتضمن تسليم 33 أسيرًا إسرائيليًا مقابل إطلاق سراح 1904 فلسطينيين من سجون الاحتلال، وذلك من أصل 18,700 معتقل فلسطيني في السجون الإسرائيلية، وتمثل الصفقة خطوة نحو حل قضية الأسرى والحد من المعاناة الإنسانية بالقطاع.
واتساقًا مع ذلك، بدأت عملية تبادل الأسرى، مساء أمس، حيث تبادل الطرفين ثلاث أسيرات إسرائيليّات مقابل 33 معتقلًا فلسطينيًا من الأطفال والنساء، ونشرت وزارة العدل الإسرائيلية قائمة تضم 735 فلسطينيًا سيُفرج عنهم في المرحلة الأولى من التبادل، بينهم 70 امرأة و25 رجلًا، بالإضافة إلى عدد من القاصرين والقاصرات.
لكن عملية التبادل لم تخلُ من التحديات، حيث أشار البعض إلى أن حركة حماس تأخرت في تسليم الأسرى، نتيجة للعمليات العسكرية والقصف الذي استهدفت الفلسطينيين أثناء الاحتفالات بوقف إطلاق النار يوم الأربعاء؛ ما أسفر عن استشهاد 30 فلسطينيًا. هذه الأحداث ألقت بظلالها على سير عملية التبادل، وعكست التعقيدات المرافقة للهدنة.
وظهرت الأسيرات الثلاثة بعد عملية التبادل حامِلاتٍ شهادات تقدير وهدايا تذكارية من كتائب القسام التي قدمت لهم شهادات بالعربية والعبرية، تتضمن معلومات عن الأسيرات وظروف اعتقالهن، بما يمثل تكريم رمزي للأسيرات، وتأكيد على حسن معاملة القسام لهن.
كما تضمنت حقائب الهدايا خريطة لغزة وصورًا للأسيرات خلال فترة وجودهن في المعتقلات، بالإضافة إلى مذكراتهن الشخصية التي سردن فيها معاناتهن وتجاربهن داخل السجون، وانطلقت أيضًا حافلات الأسرى الفلسطينيين المفرج عنهم من سجن عوفر الإسرائيلي العسكري.
وشهدت شوارع الضفة الغربية احتفالات حاشدة بالألعاب النارية بعد الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، وعمت مشاعر الفرحة في الأجواء، ونشرت وسائل الإعلام الفلسطينية صورًا للأسيرات الفلسطينيات بعد تحريرهن، وظهرن وسط أجواء من الفرح والترحيب من عائلاتهن وأبناء المجتمع.
وصباح اليوم الثلاثاء، أعلنت حركة حماس، في بيان، موعد الدفعة الثانية من صفقة تبادل الأسرى يوم السبت القادم 25 يناير.
دخول المساعدات
وفي إطار المرحلة الثانية من الهدنة، التي تركزت على تمرير المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، بدأ دخول المساعدات عبر معبري أبو سالم والعوجة، إذ وصلت 330 شاحنة محملة بالمساعدات من مصر، بالإضافة إلى 20 شاحنة، وصباح الأحد، دخلت 552 شحنة إضافية، منها 242 شحنة موجهة إلى شمال القطاع.
وأوضحت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أن لديها 4 آلاف شاحنة تحتوي على مواد غذائية ودقيق، على وشك دخول القطاع في الأيام المقبلة.
ووفقًا للمرحلة الأولى من الاتفاق، من المقرر دخول 700 شاحنة مساعدة يوميًا من المعابر، إذ ينص على فتح معبر رفح ودخول المساعدات من خلاله بعد مرور 7 أيام من تنفيذ الاتفاق، أي في يوم الأحد المقبل 26 يناير، مما يتيح زيادة كبيرة في تدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع لتلبية احتياجات السكان المحاصرين.
عودة السكان
وعلى صعيد عودة السكان، ففي مدينة رفح جنوب قطاع غزة، انسحبت قوات الاحتلال من وسط المدينة، وبدأ السكان في العودة إلى بعض المناطق مثل خربة العدس، وتبة زارع، وحي الجنينة، ولم يجدوا منازلهم، إذ دُمرت بالكامل جراء القصف العنيف.
وفي بيت لاهيا، وجباليا، وبيت حانون محافظات شمال القطاع التي دُمرت بالكامل نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية بها، عاد إليها السكان لكنهم وجدوا منازلهم سويت بالأرض.
تحركات دولية
وعلى الصعيد الدولي، شهدت تحركات دبلوماسية واسعة بعد الإعلان عن الاتفاق، ففي صباح السبت، زار وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبدالغفار، ووزيرة التضامن الاجتماعي الدكتورة منال عوض، معبر رفح، حيث تفقدا الحجر الصحي والمستلزمات الطبية اللازمة للتعامل مع الأوضاع الصحية في المنطقة، كما تفقدا عملية إصدار كارت الصحة العامة، لاستكمال المراقبة والمتابعة الصحية للوافدين من غزة.
وفي صباح الاثنين، زار وزير التعليم العالي الدكتور أيمن عاشور، معبر رفح بحضور محافظ سيناء لمتابعة استعداد المستشفيات الجامعية لاستقبال المصابين من غزة، وضمان جاهزيتها لاستيعاب الحالات الطارئة.
وعلى المستوى السياسي، رحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدخول الاتفاق حيز التنفيذ، معربًا عن دعمه للخطوات التي اتخذت.
عبر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عن ترحيبه بالاتفاق، مشيدًا بجهود الأطراف المعنية في التوصل إليه، بينما ثمنت وزارتي الخارجية السعودية والأردنية جهود كل من مصر وقطر والولايات المتحدة في العمل على اتمام الاتفاق ودخوله حيز التنفيذ.