دون إبداء أسباب.. تجدد أزمة "عدم مشاركة" دور النشر في معرض القاهرة للكتاب

تصوير: أرشيفية - معرض الكتاب

كتب/ت مريم أشرف
2025-01-22 10:00:06

أيام تفصلنا عن الافتتاح الرسمي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي تنطلق دورته الـ56 في 24 يناير المقبل، وسط مشاركة 934 دار نشر، ويفتح أبوابه للزوار حتى 5 فبراير في مركز مصر للمعارض الدولية داخل حي التجمع الخامس في محافظة القاهرة.

وتأتي أجواء احتفاء دور النشر والجمهور انتظارًا لافتتاح المعرض هذا العام في مشهد يتكرر فيه في السنوات الأخيرة شكاوى من عدد من دور النشر عن إبلاغها من إدارة المعرض منعها من المشاركة.

وبينما لا تكشف إدارة المعرض في أية بيانات رسمية لها عن أسباب الاستبعاد؛ تثير دور النشر المستبعدة التساؤلات حول معايير اختيار أو منع أيًا منها من المشاركة، فضلًا عما يترتب على ذلك من خسائر مباشرة تطولها عن الحدث الثقافي الأبرز في مصر أو تطول التنوع الثقافي بشكل عام.

أزمة لائحة الشروط

يرى فريد زهران، رئيس اتحاد الناشرين العرب (منظمة مستقلة تمثل الناشرين العرب)، أن الأزمة تكمن في لائحة شروط الهيئة العامة للكتاب التي تعطيها حق عدم قبول مشاركة دور نشر في المعرض دون إبداء أسباب، كما لا يحق لدور النشر الممنوعة تقديم شكاوى أو الطعن في المنع.

ويوضح لـ"صوت السلام" أن العام الماضي شهد منع 120 دار نشر من المشاركة في الدورة الـ55، ولكن اتحاد الناشرين تواصل مع الهيئة هذا العام وسمحت لـ100 دار منهم المشاركة، بينما لا تزال 20 دار أخرى لم تتمكن من المشاركة في الدورة الحالية، إضافة إلى الممنوعين الجدد.

يعلق زهران أن مساعي الاتحاد تستهدف "خلق مناخ ثقافي صحي بين دور النشر والهيئة لاستمرار مشاركة الجميع دون منع أحد".

وفقًا للأرقام الرسمية؛ زادت عدد الدور المشاركة في المعرض هذا العام وهي 934 دار نشر مقارنة بـدورة العام الماضي التي شارك فيها 916 دار. 

خسائر مادية وثقافية

في دورات المعرض خلال السنوات الماضية، كانت دار مرايا أحد الدور المشاركة، إلا أنها في ديسمبر الماضي، أصدرت بيانًا تعلن فيها أن حسابها على موقع المعرض تم إغلاقه وأن "الهيئة العامة للكتاب لم تُصدر للدار إذن الدفع الخاص بسداد إيجار جناحها في المعرض، كما حدث مع باقي دور النشر".

يقول يحيى فكري، مدير دار نشر مرايا، لـ "صوت السلام" بعد غلق حسابنا على الموقع، تواصلت الدار مع موظفين في الهيئة العامة للكتاب، وكان ردهم أن المشكلة تقنية وستُحل في غضون أيام، وبعد مرور عدة أيام، وصل رد من الهيئة يفيد بأن الدار ممنوعة من المشاركة في المعرض هذا العام دون توضيح الأسباب".

في بيانها، قالت الدار إنها "ممنوعة" من المشاركة، ودعت قرائها لزيارة مقر الدار للاطلاع على الإصدارات الجديدة، حيث سيظل المقر مفتوحًا في نفس مواعيد المعرض اليومية طوال فترة إقامته".

يشير فكري إلى أن معرض القاهرة السنوي للكتاب يعتبر موسمًا سنويًا مهمًا لحصاد أعمال الناشرين ونافذة مهمة تعتمد عليها دور النشر في بيع الكتب، مما يعني أن عدم المشاركة فيه يضر الدار إلى حد أنها قد تخسر نحو نصف إيراداتها السنوية من بيع الكتب. 

وإلى جانب الخسارة المادية الواضحة، تتقلص فرص دور النشر غير المشاركة -وفقًا لفكري- من التوزيع والتواصل مع جمهور أوسع: "يؤثر غيابنا عن المعرض في المشاركة العربية والدولية للدار وعلى سوق التوزيع الخارجي".

منع 7 دور نشر

وفي ورقة بحثية نشرتها مؤسسة حرية الفكر والتعبير في 2024، بعنوان: "إقصاء بدون إبداء أسباب"، رصد باحثو المؤسسة، شهادات 7 من دور النشر الخاصة التي أبلغتها إدارة النسخة 55 من معرض القاهرة الدولي للكتاب، العام الماضي، عن عدم المشاركة.

وطالبت الورقة البحثية تعديل المادة 12 من لائحة المعرض التي تنص على: "يحق لإدارة المعرض قبول أو رفض اشتراك أي دار نشر دون إبداء أسباب، وذلك بعد العرض على رئيس المعرض قائمة دور النشر المشاركة على مستوى الجمهورية". 

توضح سارة رمضان، باحثة في مؤسسة حرية الفكر والتعبير، إن عدم المشاركة يحرم الدار -الخاصة تحديدًا- من فرصة الانتشار بين جمهور أوسع والاحتكاك بجمهور أكبر من القراء.

وتوضح لـ"صوت السلام"، أن المنع يقلل من مبيعات دور النشر وانتشارها، خاصة إذا كانت دور النشر تستهدف الكتاب المبتدئين أو إذا كانت دارًا صغيرة وغير هادفة للربح.

ويبلغ عدد دور النشر في مصر 1403 دار نشر حتى العام 2021، بحسب تقرير صدر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في نفس العام.

مشاركة بعد "المنع"

وواجهت دار تنمية للنشر عام 2022 نفس موقف دار مرايا الحالي تقريبًا، حينما لم تسمح لها إدارة المعرض من المشاركة، واستمر منع مشاركة الدار لمدة ثلاثة سنوات. وقتها أعلنت الدار إقامة فعاليات في المقر بعنوان: "مهرجان تنمية الثقافي"، لعرض الإصدارات الخاصة بدار النشر خلال تلك الأعوام.

ويوضح خالد لطفي، مدير الدار، لـ"صوت السلام": "لم تبلغنا إدارة المعرض بأية أسباب، وعلى مدار عامين توصلنا مع الهيئة من أجل المشاركة لكن لم تفض المحاولات لشيء، وجددنا المحاولة التي نجحت العام الحالي، حيث فوجئنا بقبول طلب التقديم رغم أن آليات التقديم الخاصة بالدار لم تتغير".

يتسق ذلك مع ورقة "حرية الفكر والتعبير"، التي وثقت عبر شهادات دور النشر عدم استلام أي أسباب رسمية لرفض طلباتهم للمشاركة في المعرض، منهم دار خان، ودار تنوير اللواتي أخطرتهم الهيئة بذلك قبل يوم واحد من افتتاح المعرض عام 2024.

تعديل اللائحة

يصف الكاتب والروائي إبراهيم عبدالمجيد، منع بعض دور النشر من المشاركة في معرض الكتاب "تقليل من قيمته الثقافية ويحد من تنوع الأعمال الأدبية والفكرية المعروضة فيه"، ويشير إلى أنه مع مرور الوقت يفقد القارئ الثقة في المعرض بسبب استبعاد بعض الإصدارات.

ويضيف عبدالمجيد في تصريحاته لـ"صوت السلام" أن دور النشر الممنوعة تثير فضول القراء الذين يرغبون في معرفة أسباب هذا الاستبعاد، مما يؤدي إلى زيادة مبيعات هذه الإصدارات، وفي النهاية، يظل المعرض هو الخاسر الوحيد، إذ يفقد عنصر التنوع الثقافي الذي يميز مثل هذه الفعاليات، بسبب قرارات المنع التي لم تستند لأسباب واضحة.

وبالعودة إلى الأسباب المذكورة في اللائحة التي تحدد الحالات التي يجوز فيها إلغاء اشتراك دور النشر في المعرض: "عرض كتب محل نزاع قضائي، أو عرض كتب مزوّرة أو منسوخة أو مقلّدة، أو عرض كتب تتعارض مع حرية الفكر والإبداع، أو تنتهك المبادئ التي يفرضها القانون المصري والآداب العامة، أو المساس بالأديان، أو مخالفة شروط التوكيلات المقررة لدور النشر داخل المعرض، أو تنظيم ندوات داخل مقرات البيع، أو مخالفة الشروط التصميمية داخل الأجنحة"، بيد أن دور النشر التي منعت في السابق لم ترتكب أي من تلك الانتهاكات، وفق حديثنا معهم.

لذلك، تطالب رمضان، بتعديل تلك اللائحة، مؤكدة أن المنع دون إبداء أسباب يعد مخالفة قانونية للمادة 67 من الدستور المصري التي تؤكد حق الأفراد في التعبير: "القانون بشكل عام يمنح الحق في إبداء الأسباب عند أي منع، وذلك لضمان عدم تأثير الأهواء الشخصية على قرارات المنع دون أسس موضوعية، ولإعطاء الحق للأفراد في الطعن على هذا الرفض".