الذبح العشوائي في الأحياء الشعبية.. أزمات صحية وقانونية تواجه الأضحية

تصوير: مريم أشرف - محلات الجزارة في دار السلام

كتب/ت مريم أشرف
2025-06-04 13:08:00

يقف بركات محمود، ثلاثيني، وسط بركة من الدماء التي غطت شارع الفتح في حي دار السلام بالقاهرة، بعدما ذبح لتوه عجل ثمين كأضحية للعيد الكبير. قسم الجزار اللحم وفق الشريعة وأعطى ما تبقى لأسرة بركات التي عادت للمنزل تاركة خلفها دماء الأضحية ومخلفات ملأت الشارع هو وأضاحي جيرانه أيضًا.

يقول بركات: "السنة اللي فاتت لما جيت أضحى قلت هدبح في المجزر، لكن لاقيت أن دار السلام مفيهاش مجزر وأقرب واحد في البساتين ودي منطقة بعيدة علينا، وتكلفة المواصلات مرتفعة، عشان كدة دبحت أنا والجزار في الشارع، وكل أهالي دار السلام بيدبحوا في الشارع عشان مفيش مجرز".

ويخالف الذبح خارج المجازر الرسمية قانون الزراعة رقم 53 لسنة 1966 المعدل سنة 2022، حيث تنص المادة 136 منه على: "لا يجوز في المدن والقرى التي يوجد بها أماكن مخصصة رسميًا للذبح أو مجازر عامة، ذبح أو سلخ الحيوانات المخصصة لحومها للاستهلاك العام، خارج تلك الأماكن أو المجازر، ويعاقب المخالف بالحبس سنة وغرامة 10 آلاف جنيه".

نقل مجزر البساتين

ويبعد مجزر البساتين حوالي 8 كيلومترات عن سكان حي دار السلام، إلا أن الطريق إليه صعب وغير ممهد، ما يدفع العديد من سكان الحي إلى الذبح العشوائي للأضاحي خارج المجازر الحكومية الرسمية، ويؤدي إلى تراكم الدماء ومخلفات الأضاحي في الشوارع، مما يسبب أضرارًا صحية وبيئية كبيرة في ظل غياب رقابة وزارة التنمية المحلية. 

ومع ذلك، قرر إبراهيم صابر محافظ القاهرة في أبريل الماضي، نقل أعمال مجزر البساتين إلى مدينة 15 مايو التي تبعد مسافة ساعتين عن دار السلام، ضمن مشروع تطوير المنطقة، الذي يشمل منطقتي الخليفة والسيدة عائشة والمنطقة المحيطة بالمجزر. 

توضح الدكتورة حنان القرني، استشارية الرقابة الصحية على الأغذية بالهيئة العامة للخدمات البيطرية بالقاهرة، أن نقل مجزر البساتين من موقعه الحالي سيؤدي إلى تفاقم أزمة الذبح الشوارع بدلًا من حلها، نظرًا لبُعد موقع المجزر البديل عن الكتل السكنية.

وتقول لـ"صوت السلام" إن النقل سيتسبب في أعباء مالية كبيرة على جزارين مناطق جنوب القاهرة، إذ سيتضاعف تقريبًا ما يتحملونه من تكلفة النقل مقارنة بالوضع الراهن، ويتحمل تلك التكلفة صاحب الأضحية مما يجعله يستسهل ويذبح أضحيته في الشارع.

ويتفق معها الدكتور حمدي عرفة، خبير الإدارة المحلية، أن العديد من أحياء القاهرة تعاني من نقص حاد في عدد المجازر، إذ تعتمد مجموعة من الأحياء المزدحمة على مجزر واحد فقط، غالبًا ما يكون بعيدًا عن الكتلة السكنية، مما يضطر الأهالي إلى اللجوء للذبح غير المنظم في الشوارع، ويعرضهم لمخاطر صحية وبيئية جسيمة.

وتضم محافظة القاهرة 6 مجازر رسمية فقط وهي: "البساتين، جيركو، السلام، الممتاز، طره، حلوان"، تخدم قرابة 10 مليون نسمة، إذ تأتي العاصمة في المركز الأول من حيث عدد السكان، وفي العام 2023 شهدت القاهرة ذبح 50 ألف رأس ماشية 36 ألف منهم في مجزر البساتين وحده؛ مما يجعل تلك المجازر غير كافية للأعداد، ويدفع الجزارين إلى اللجوء للذبح العشوائي في العيد.

نقص المجازر

من بينهم محمد.خ، جزار من دار السلام، أعتاد على الذبح في الشارع ويبرر ذلك أن المجزر الرسمي بعيد وأن مساحة جزارته صغيرة، لا تتعدى 4 متر، يقول "لو يوجد مجزر داخل الحي، كنت هعتمد عليه في الذبح، لأنه هيوفر عليّ مجهود التنظيف وينظم الشغل، لكن المجزر الآلي بعيد عن منطقتنا، وبياخد مصاريف نقل وغيره، واللحمة وصلت لـ400 جنيه للكيلو، مين هيقدر يتحمل كمان مصاريف إضافية للنقل؟".

ويضيف: "الشغل مش بالكمية الكبيرة، أنا بدبح حوالي 4 عجول لتوفير لحوم للزباين، وفي العيد بدبح أضحية واحدة أو اتنين بالكتير، ومن وجهة نظري، الحل المنطقي هو وجود مجزر أو نقطة ذبح قريبة داخل الحي، تسهّل علينا وتمنع الذبح في الشوارع لأن الدم بيكون في كل حتة".

ويحذر الدكتور وحيد محمود، أستاذ البيئة والعلوم البيولوجية، من ذبح الحيوانات في الشوارع لكونه يخلّف بقايا عضوية مثل الدم والمحتوى الداخلي لأمعاء الحيوان، والتي تحتوي على بكتيريا ممرضة خطيرة، لذا فإن للمجازر دور بيئي قوي.

ويضيف لـ"صوت السلام": "هذه البكتيريا تتفاعل مع البيئة المحيطة، خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة، ما يزيد من احتمالية انتقالها إلى الإنسان، ويؤدي إلى الإصابة بأمراض معوية خطيرة، فضلًا عن انبعاث الغازات الناتجة عن تحلل هذه المخلفات، والتي يمكن أن تسبب مشكلات في الجهاز التنفسي، لا سيما في المناطق السكنية ذات الكثافة المرتفعة".

جانب آخر للأزمة، يكشفه الدكتور عرفة، خبير التنمية المحلية، وهو أن غياب مجزر داخل كل حي لا يؤثر فقط على ضبط عمليات الذبح، بل يؤدي إلى فصل الطب البيطري عن دوره الرقابي على جودة اللحوم، ويحول دون استفادة الدولة من جلود الأضاحي في الصناعات الجلدية، التي تعد مصدرًا مهمًا للعملة الصعبة: "تنظيم ذبح الأضاحي لا ينبغي النظر إليه فقط باعتباره مسألة بيئية، بل هو قضية محلية وصناعية ذات أبعاد اقتصادية وتنموية مهمة".

هذا الغياب في التخطيط المحلي، لا يبقى حبيسًا في أروقة التصريحات، بل ينعكس بوضوح على الجزارين أنفسهم، إذ يحكي ياسر (اسم مستعار)، أحد الجزارين القدامى، أنه توقف عن الذبح منذ ثلاث سنوات، وتحويل نشاطه إلى بيع اللحوم المجمدة، هربًا من أزمة الذبح خارج المجازر التي ظلت بلا حل طوال أكثر من 30 عامًا من عمله في الجزارة. 

أضرار بيئية وصحية

ويوضح أن المجزر بالفعل يوفر مكانًا قانونيًا للذبح وثلاجات حفظ اللحوم، لكن تظل تكلفة النقل عبئًا كبيرًا، حيث تبدأ من 1000 جنيه، إلى جانب صعوبة العثور على سيارة مناسبة لنقل الكميات المطلوبة: "محدش هينقل 5 عجوم وخرفان على عربيات للمجزر عشان يلتزم لكن الحي لازم يعملنا مجزر في المنطقة".

بينما محمد.م، جزار آخر في دار السلام، يؤكد أن الجزارين ليس بأيديهم حل سوى الذبح خارج المجازر الرسمية: "المجزر بعيد ولما يتنقل كمان 15 مايو، اللحمة هتغلى أكتر بسبب مصاريف النقل، الوضع صعب، وإحنا محتاجين مجزر في الحي".

وهنا تقترح الدكتور حنان قرني، استشاري الطب البيطري، إنشاء مجزر جديد أو توفير بديل قريب من الأحياء السكنية ومطابق للاشتراطات البيطرية والفنية، ورغم أنه يتطلب تكلفة مالية ضخمة قد لا تستطيع المحليات تحملها بسهولة، لذا على وزارة التنمية المحلية التدخل لاستيعاب الأعداد.

بينما يرى حمدي عرفة، خبير التنمية المحلية: "لا توجد حتى الآن حلول جادة لمعالجة أزمة نقص المجازر في تلك الأحياء، على الرغم من تأثيرها الواضح على صحة السكان والمظهر الحضاري للمنطقة". 

يؤكد حديثه الدكتور وحيد محمود، أستاذ البيئة: "نُصنّف دم الحيوانات الناتج عن الذبح خارج المجازر كمصدر تلوّث بيئي وبيولوجي، إذ تنمو بداخله بكتيريا وحشرات ضارة لا تتناسب إطلاقًا مع بيئة سكنية أو أسواق تجارية، والمجازر الرسمية تمتلك القدرة على التعامل الآمن مع الدماء ومخلفات الذبح والتخلف الآمن منها، لذا لا بد من وجود أكثر من مجزر في الحي الواحد".

حاولت "صوت السلام" التواصل مع وزيرة التنمية المحلية، الدكتورة منال عوض، عبر المكالمات الهاتفية ورسائل تطبيق "واتساب"، للاستفسار عن جهود الوزارة في الحد من ظاهرة الذبح العشوائي، إلا أننا لم نتلقَّ أي رد حتى الآن. كما باءت محاولاتنا للتواصل مع الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، لتوضيح أسباب نقل مجزر البساتين رغم بعده عن سكان حي دار السلام، دون ردٍ أيضًا.

لا يزال مشهد تناثر الدماء في أحياء القاهرة الشعبية خلال عيد الأضحى مشهدًا مألوفًا ومتكررًا، يعكس أزمة نقص المجازر الرسمية القادرة على التعامل الآمن مع مخلفات الأضاحي، وفي الوقت نفسه، يواجه المواطنون صعوبة كبيرة في تحمل تكاليف نقل الماشية إلى المجازر البعيدة.

 

تصوير: مريم أشرف - الأضاحي في دار السلام