في تناغم قوي، استطاع العالم والروائي أحمد المستجير، الجمع بين طلاسم العلم والجمال الأدبي، ليقدم في شعره متعة خاصة تمزج العقل والروح، ويمرر من خلالها أفكارًا علمية عميقة ترافقها ألحان شعرية تأخذ القارئ في رحلة من التأمل والإلهام.
كان المستجير في البداية عالم أحياء متخصص في التكنولوجيا الحيوية، إلا أن شغفه بالشعر بدأ ينساب إليه بعد مرحلته الجامعية، ليأخذه بحر الشعر بمجامعه ويصبح جزءًا من حياته، وبمرور الوقت، نجح في الجمع بين العلم والأدب، فصار عالمًا وشاعرًا وباحثًا لغويًا ومترجمًا.
وتكريمًا لتلك الشخصية الفريدة، اختار معرض القاهرة الدولي للكتاب العالم والشاعر الراحل أحمد مستجير، شخصية المعرض في دورته الـ56 التي تنطلق يوم 23 يناير الجاري حتى 6 فبراير، باعتباره أحد الرواد والمبدعين الذين أسهموا بشكل كبير في إثراء الحركة الثقافية والعلمية في مصر.
حب التكنولوجيا الحيوية
بدأ شغف المستجير الذي ولد في ديسمبر العام 1934 بقرية الصلاحات بمحافظة الدقهلية، حين كان بمرحلة الثانوية العامة، إذ أحبَّ كتب البيولوجيا بسبب مدرسها "خليل أفندي"، والتحق بكلية الزراعة وتخصص في علم الوراثة، مفتتنًا بأستاذ علم الوراثة عبدالحليم الطوبجي.
عقب التخرج، بدأ المستجير يسبح في بحر العلم، وآمن بأهميته ودوره في حل المشكلات الاقتصادية للفقراء، حيث رأى أن العلم يمكن أن يكون مفتاحًا لتحسين حياتهم عبر ابتكار حلول علمية لمشاكلهم المعيشية.
فكرته الثاقبة ومشروعه الأهم، كان في تهجين أنواع النباتات المختلفة لتتحمل الملوحة أو الجفاف، مما يساهم في تحسين الإنتاج الزراعي في المناطق التي تعاني من هذه المشكلات، فكان يستغل تأملاته في الطبيعة ليطوّر حلولًا مبتكرة.
من خلال ملاحظته لنبات "البوص" المنتشر على جوانب طرق السفر والذي يعتمد على المياه المالحة، قرر المستجير دراسة إمكانية تهجينه مع محاصيل مثل القمح والأرز لجعلها قادرة على تحمل الملوحة والجفاف، وبذلك بدأ مشروعه الذي يُعرف باسم "زراعة الفقراء" في المناطق الصحراوية بطريقة مبتكرة، واستفادت دول مثل الهند من مشروعه.
حب الشعر
كان لدى المستجير حب ذاتي لتأمل الطبيعة، إلى جانب رقة مشاعره وإحساسه المرهف، الذي أثر بشكل كبير على مسيرته المهنية، فبعد أن عمل مهندسًا زراعيًا لمدة 55 يومًا فقط، شعر بقلق عميق عندما طلب منه مفتش الزراعة أن يعامل مع الفلاحين والأطفال بحزم وقسوة، لذلك ترك تلك الوظيفة إذ يرى أن الإنسانية لا تتجزأ عن العمل العام والعلم.
وانغمس المستجير في حب الشعر، وألف كتابًا فريدًا بعنوان "مدخل رياضي إلى عروض الشعر العربي"، حيث قدم من خلاله نظرية علمية رياضية لدراسة عروض الشعر العربي وإيقاعاته الموسيقية باستخدام المعادلات الرياضية.
كما طور برنامج كمبيوتر قادر على تصحيح أوزان الشعر العربي بناءً على هذه المعادلات، ليجعل من الشعر مجالًا يمكن دراسته وتدقيقه باستخدام الأدوات العلمية الدقيقة، بالإضافة إلى ذلك، ألف كتابًا آخر بعنوان "الأدلة الرقمية لبحور الشعر العربي"، الذي يعد مرجعًا مهمًا في دراسة الأوزان الشعرية.
ومن أبرز دواوينه: "هل ترجع أسراب البط" و"عزف ناي قديم"، قدم من خلالها رؤية شعورية فنية متميزة تعكس إبداعه وجمال لغته الشعرية.
وتميزت الدواوين باللغة الشعرية البسيطة، إذ كان يكتب بلغات بسيطة يفهمها العامة، بسبب إيمانه بأن المعرفة حق للجميع، فاهتم بتبسيط العلوم وحين انتقل للشعر استخدم نفس اللغة السهلة.
جوائز المستجير
حصل المستجير على العديد من الجوائز والتكريمات تقديرًا لإسهاماته العلمية والأدبية، حيث نال وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى مرتين، الأولى عام 1974 والثانية عام 1996.
كما حصل على جائزة أفضل ترجمة علمية عام 1993، وجائزة الابداع العلمي عام 1995، وجائزة أفضل كتاب علمي عام 1996، بالإضافة إلى جائزة أفضل كتاب عام 1999، وجائزة أفضل عمل ثقافي عام 2000.
وبعد 72 عامًا من الإثراء الأدبي والمعرفي، توفى المستجير في 17 أغسطس 2006، بأحد المستشفيات في النمسا بعد إصابته بجلطة شديدة في المخ.
عُرف المستجير بإبداعه الذي جمع بين العلم والأدب، مما جعله يحقق مكانة مرموقة في مجاله، لذلك اختير ليكون شخصية معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، تقديرًا لإنجازاته الكبيرة وإسهاماته القيّمة في إثراء المعرفة والعقل العربي.