كنز دفنه الإهمال.. قصة "البيت الايطالي" ببورسعيد

تصوير: مؤمن مسعد - لافتة تمجيد "موسوليني" بطول مبنى البيت الإيطالي ببورسعيد

كتب/ت مؤمن مسعد
2023-12-13 00:00:00
في مواجهة الرصيف السياحي لميناء قناة السويس والمخصص لركاب السفن السياحية بالمدخل الشمالي للقناة، تطل أرض البيت الإيطالي أو "لا كازا دي إيطاليا" كتحفة معمارية نادرة، متهالكة ومهددة بالانهيار، لكنه لازال يسرق الأنظار للوهلة الأولى.
 
ويقع البيت الإيطالي في حي الشرق في بورسعيد، ويحمل رقم 8، وتطل واجهته الرئيسية على شارع عادل طه "السلام سابقًا".
 
افتتحته الجالية الايطالية في مصر قبل أيام من بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939؛ ليكون مقرًا للحاكم الإيطالي، فيما وُضع على سطحه برج صغير يكشف خط قناة السويس كاملًا من أعلى، ويظهر المدينة الصغيرة بوضوح.
 
وصُمِم البيت على شكل كتاب مفتوح، وفي منتصفه يقع كعبه وتمثله لافتة تمجد "بينيتو موسوليني" حاكم إيطاليا في هذا الوقت، وأحد مؤسسي الحركة الفاشية، ومنقوش عليها نصًا يقول "في هذا البيت الإيطالي الذي تم تأسيسه على الإخلاص وحب الوطن تعيش وتخلد الروح الوطنية التي تمتد منذ آلاف السنين وعشق اللغة"، ولا تزال هذه اللافتة باقية حتى الآن.

لوحة تمجيد موسوليني على جدران البيت الإ]طالي ببورسعيد

دكتوراة

ويعتبر الدكتور أحمد رجب، مفتش بوزارة السياحة والآثار، وباحث في تراث وتاريخ بورسعيد، أن البيت الإيطالي من أهم العقارات الأجنبية على أرض بورسعيد، والتي ناقش تاريخها رسالة الدكتوراة التي حصل عليها.
 
ويضيف "رجب" لـ"البورسعيدية": “تم الانتهاء من إنشاء البيت، وفقًا لما ورد على اللوحة الرخامية التأسيسية في 28 أكتوبر 1938، إذ يوجد نقش مُدون باللغة الإيطالية بالواجهة الشمالية الشرقية، وتم الافتتاح الرسمي في يوم 21 أبريل 1939، وهو ذي تصميم فريد للمهندس الإيطالي "كليمنتي بوزيري فيتشي"، وشُيَّد ليكون ناديًا للاجتماع ودور عرض مسرحي وسينمائي واستوديو للتصوير ومركز لنشر الثقافة الإيطالية".
 
وجاء وصف البيت الإيطالي – الذي يتمركز حاليًا وسط العمارات السكنية- بسجلات دار المحفوظات عند الإنشاء بأنه ملكًا للجالية "الحكومة الإيطالية".

منزل للمشردين

وبينما تقترب من المبنى لاختلاس نظرة من نوافذه المتهالكة، تستطيع أن ترى بوضوح بضعة مشردين يختبئون داخل المبنى المُتلِف والذي يضم غرفًا لا نهائية، بينما في الخارج آخرون من المارة الذي يلتقطون الصور مع بِنيَته المميزة.
 
ويقول أحمد عوض، 23 عام، أحد ساكني المنطقة المجاورة: "مثل أي شخص يسكن في هذه المنطقة منذ سنوات عديدة، كنا نستمع في فترات متباعدة أن المبنى سوف يتم تطويره، ولكن لم يحدث شئ حتى هذه اللحظة، بالرغم من أهميته ووضعه الجغرافي المميز".
 
ويضيف: "لا يهمني كثيرًا إن كان هناك نية أم لا، ولكن يجب أن يكون هناك رقابة من الدولة لحماية المبنى، فمنذ عامين تقريبًا علمنا بتعرضه لسرقة أحد مقتنياته من الداخل، وبعض الحجارة الخارجية له".

خريطة البيت الإيطالي

ويشغل المبنى -وفقًا لرجب- مساحة 13.5 مترًا، ويتكون من برجين وطابق أرضي وطابقين علويين.
 
واعتمد بناء البيت من الحجر والطوب الأجِر، والطابق الأرضي يحتوي على مدخل به غرفة على اليمين وأخرى على اليسار خاصة بخلع الملابس، وصالة كبيرة مساحتها 12 في 8 متر، داخلها ثلاث غرف كبيرة للبلياردو، ومحل للمشروبات الروحية، وعلى يمينها صالة للرقص مساحتها 20 في 8 متر، وهناك بالجهة القبلية على يسار الداخل صالة كبيرة تتسع لأربعمائة مقعد في نهايتها مسرح للتمثيل ويعلوها بلكون معد للمتفرجين بالدرجة الأولى، وسُلَم يوصل إلى طابق أول علوي وخمس غرف صغيرة لخلع الملابس.

أما عن الوصف الخارجي، فيحتوي المبنى على أربع واجهات، الشمالية الشرقية وتطل على شارع عادل طه، الشمالية الغربية وتطل على شارع محمود صدقي، الجنوبية الشرقية وتطل على طرقة تفصل بين المبنى وعقار حديث مجاور، والجنوبية الغربية تطل على مبنى مجاور أيضًا.
 
وتعد الواجهة الرئيسية هي الشمالية الشرقية بعرض 39.5 مترًا وارتفاع 16.20 مترًا، يقول رجب: "تتميز بتصميمها الفريد حيث أنها غير منتظمة الاستقامة تأخذ هيئة شبه دائرية، ويتوسطها سبع درجات من سلالم الرخام الأبيض، وتأخذ الشكل المقوس وتؤدي إلى بسطة بالجدار الجنوبي الغربي منها كتلة للمدخل الرئيسي والتي يأخذ المسقط النصف دائري، يتوسطها فتحة مستطيلة بعرض 2 متر وارتفاع 3.80 متر ويُغلق عليها مصراعين من الخشب يزينهم أربعة أشرطة من النحاس، أما الجزء العلوي من المدخل فهو عبارة عن ضلفه ثابتة من الزجاج تُفتح لأعلى ويقدمها مشغولات معدنية مفرغة، ويكشف المدخل في كل جانب عمود من الرخام المُقصص بواتره 5 أحزمة من النحاس تُشبه حزمة العصيّ التي يصعب كسرها عندما تكون مجتمعة، وينتهي كل عمود من أعلى بحِلية نحاسية تشبه سلاح البلطة أو الفأس".

ويُكمِل: "تعاقبت الحكومات المسيطرة على البيت الإيطالي، حيث استولت بريطانيا على المبنى وتحول إلى نادي بريطاني يشتمل على سينما وبار ومطعم ومحال تجارية ومبيت فندقي، كما جاء بإحدى الإعلانات للنادي البريطاني، وبعدها تحول إلى أمريكي، وأخيرًا إلى مركز ثقافي مصري بالتعاون مع السفارة الديموقراطية الإيطالية".

خطة المحافظة

ويذكر أنه في يناير 2019 أعلن اللواء عادل الغضبان، محافظ بورسعيد، إجراء اتفاق مع "جان باولو مانتيني"، سفير إيطاليا بالقاهرة في هذا الوقت، على تحويل مباني القنصلية الإيطالية ببورسعيد إلى مستشفى إيطالي، بالإضافة إلى إعادة تشغيل البيت الإيطالي المغلق، وتفعيل نشاطه الثقافي والفني والسياحي.
 
كما استقبل محافظ بورسعيد في نوفمبر 2020، "جيامباولو كانتيبي"، سفير إيطاليا بالقاهرة؛ لمناقشة خطة عمل خاصة بتطوير البيت الإيطالي، وتحويله إلى مبنى تعليمي، دون توضيح هدف تطوير المبنى، وأكد المحافظ وقتها ـ بحسب الصفحة الرسمية لمحافظة بورسعيد - التنسيق بين كل الجهات المختصة للبدء في أعمال تطوير البيت الإيطالي والاستفادة منه ليمثل صرحًا تعليميًا على أعلى مستوى، مؤكدًا أهمية مشروع تحويل البيت إلى مبنى تعليمي يساهم في الارتقاء بالعملية التعليمية ببورسعيد، ويدعم التعاون مع الجانب الإيطالي.
 
ويقع البيت الإيطالي ضمن قائمة الآثار المسجلة في أعداد المباني ذات الطابع المعماري المتميز المحمي من الهدم، وفقًا لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 والمُعدل بالقانون رقم 20 لسنة 2020.
 
ولكن لم يجرؤ أحدًا ما على البدء في أية خطوات فعلية حوله، ولا أحد يعلم ما هو مصيره، ولكن التجارب تقول إن تسجيله كمبنى أثري ذو طراز معماري مميز لا يضمن حمايته من الهدف، فلسنا بعيدين عن قرار وزير الإسكان بحذف العقار رقم "38" الكائن بشارع فلسطين "القنصلية الأمريكية سابقًا" بحي الشرق في بورسعيد من سجل المباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز الصادر به قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1096 لسنة 2011، وهو الأمر الذي نزع الحماية عنه وأتاح الفرصة لهدمه واستغلال أرضه التي تقع بموقع متميز يطل على المجرى الملاحي لقناة السويس.

تصوير: مؤمن مسعد - مقر البيت الإيطالي ببورسعيد