إلى مدينة بورسعيد، لم تكن الرحلة هذه المرة نحو الشاطئ، بل إلى رفوف الكتب التي تنتظر قرّاءها، على مدار شهرَي سبتمبر وأكتوبر الماضيين من هذا العام، قرّر العشرات من محبّي القراءة في مختلف المحافظات أن يتجهوا إلى بورسعيد بحثًا عن كتب أرخص تمنحهم فرصة جديدة للمعرفة.
أمام بوابة مركز شباب الاستاد، بحي المناخ حيث يقام المعرض، توقفت سيارة صغيرة تحمل لوحة محافظة دمياط، نزلت منها حنان جابر، سيدة في الأربعينات، برفقة ابنها الصغير، تلتقط أنفاسها بعد رحلة استغرقت ساعة على الطريق الساحلي، قالت وهي تبتسم: "سمعنا عن معرض مخفض للكتاب على موقع فيسبوك، والأسعار هنا بنص قيمة اللي عندنا، فقلنا نجي نشوف بنفسنا لأني بحب الكتب وأروح لها في أي مكان".
بين وجوه الزوار.. شغف لا ينطفئ
يُنظَّم في بورسعيد المعرض السنوي للكتاب المخفض منذ عام 2014، بهدف نشر ثقافة القراءة وتوفير الكتب بأسعار مناسبة لمختلف الفئات، تحت رعاية مديرية الشباب والرياضة، وبالتعاون مع دار كلمات للنشر والتوزيع وجمعية "مصر أم الدنيا" الخيرية لتنمية المجتمع برئاسة هالة الجباس.

وانطلقت فعاليات المعرض هذا العام في مطلع سبتمبر الماضي، واستمرت حتى 24 أكتوبر الماضي، حيث فتح أبوابه يوميًا أمام الزوار من العاشرة صباحًا حتى منتصف الليل، مقدّمًا خصومات تتراوح بين 30 و40% على مجموعة واسعة من الإصدارات التي تنوعت بين الأدب، والدين، والتاريخ، وكتب الأطفال.
كان اللافت هذا العام توافد العشرات من أبناء المحافظات الأخرى إلى المعرض، بعضهم جاء من مدن بعيدة خصيصًا بحثًا عن كتاب يحلم بقراءته أو مؤلف يحتفظ له بذكريات قديمة، ولم يكن حضورهم مجرد زيارة عابرة، بل رحلة شغف نحو الورق والحبر، ورائحة الكتب التي تعيدهم لطفولتهم أو تمنحهم أملًا جديدًا في المعرفة.
ومن بين أروقة المعرض، تتقاطع الحكايات؛ كما يروي ناصر القباني، البالغ من العمر 51 عامًا، مدير معرض الكتاب المخفَّض ببورسعيد وصاحب دار كلمات للنشر والتوزيع، في حديثه مع البورسعيدية.

يقول القباني إن المعرض هذا العام استقبل زوّارًا من محافظات مجاورة جاؤوا خصيصًا للاستفادة من التخفيضات التي يقدمها، مشيرًا إلى أن هذا الإقبال يعكس -على حد تعبيره- "أن شغف القراءة لسه موجود، والزوار في كل عام بيأكدوا لنا ده".
تستكمل حنان حديثها مع البورسعيدية قائلة إنها لم تكن تتوقع هذا الإقبال الكبير على الكتب داخل المعرض، موضحة: "اتفاجئت بعدد الناس والاهتمام، حسّيت إن لسه في ناس بتحب القراءة فعلًا"، مشيرة إلى أنها اشترت مجموعة من الكتب لها ولابنها، تنوعت بين الأدب والتنمية الذاتية وكتب الأطفال.
تؤكد أن الأسعار كانت دافعًا قويًا للشراء: "الكتب هنا بنص تمنها تقريبًا، وده خلاني أقدر أجيب كتب تعليمية لابني وأشتري لنفسي روايات كمان"، معتبرة أن مثل هذه الفعاليات تعيد الأمل في إحياء عادة القراءة وتمنح الأسر فرصة لاقتناء الكتب دون عبء مادي كبير.
القراءة ما زالت حاضرة
في أحد أركان المعرض، كان ماريو هشام، طالب في كلية الآداب جامعة قناة السويس، يبحث عن كتب الفلسفة: "الكتب اللي بدوّر عليها من فترة لقيتها هنا بسعر 40 جنيهًا، ونفس النسخ في القاهرة بـ120 جنيهًا".

جاء ماريو من الإسماعيلية برفقة صديقه، في رحلة قصيرة بالقطار: "القراءة بالنسبالي حاجة مهمة، بس الأسعار بقت غالية في كل حتة، لكن تجربتي مع معرض بورسعيد جيدة وبشتري الكتب من غير تردد بسبب أسعارها المناسبة".
لا يكتفي ناصر القباني، مدير المعرض، بالإشراف من بعيد، بل يشارك بنفسه في توجيه الزوّار نحو ما يناسبهم من عناوين. بابتسامة ثابتة، تراه أحيانًا يفتح كتابًا ويعرض فكرته، أو يسأل أحدهم عن اهتماماته قبل أن يرشّح له الكتب المناسبة.
ويضيف: "هدفنا دايمًا إننا نغرس عادة القراءة، مش لازم القارئ يروح المعرض الدولي في القاهرة، نقدر نوفر له نفس التجربة هنا بأسعار تلائمه".

في اليوم الأخير من المعرض، كانت حنان تغادر وهي تحمل أكياسًا ممتلئة بالكتب، وابنها الصغير يضم أحد كتبه الجديدة كأنها كنز ثمين، بينما ماريو يسير مبتسمًا يحمل بضع روايات وكتب فلسفة عثر عليها أخيرًا بعد بحثٍ طويل، ويغلق القباني أبواب المعرض مؤقتًا، مؤمنًا بأن ما تحقق هذا العام لم يكن مجرد نجاح تنظيمي، بل انتصار صغير للمعرفة.