مدينة بلا حدائق.. كيف غيّر إغلاق "المنتزه" ملامح العيد في بورفؤاد؟

تصوير: مؤمن مسعد - إحدى حدائق مدينة بورفؤاد

كتب/ت مؤمن مسعد
2026-03-20 07:00:00

"كنت دائمًا باخد أولادي يلعبوا في حديقة المنتزه في العيد وأنا مطمنة جدًا عليهم، أنا كمان اتعودت من صغري على اللعب فيها مع أهلي وأصدقائي وكانت بالنسبة لنا مكان بسيط لكنه ممتع". تستعيد منال السيد 37 عامًا، وهي ربة منزل وأمّ لثلاثة أولاد، ذكرياتها مع الحديقة التي شكلت جزءً من طفولتها خاصة في الأعياد.

أما اليوم، ومع كل عيد يطلب فيه أطفالها الخروج للعب والتنزه، تجد منال نفسها أمام السؤال نفسه: إلى أين نذهب؟ مدينة بورفؤاد التي تقطن فيها تخلو من المساحات الخضراء أو الأماكن المفتوحة المجانية التي يمكن للأطفال اللعب فيها، باستثناء حديقة المنتزه. لكن منذ إغلاق الحديقة قبل نحو ست سنوات، لم يعد في المدينة متنفس واسع للأطفال، وهو ما يجعل أيام العيد بالنسبة لكثير من الأسر رحلة بحث عن مكان بسيط يقضي فيه الصغار وقتهم.

من إرث تاريخي إلى بوابة مغلقة

تتربع مدينة بورفؤاد على ضفاف قناة السويس، شرق محافظة بورسعيد، وتتميز بتخطيط عمراني يعود إلى عشرينيات القرن الماضي، حين صُممت شوارعها وحدائقها على الطراز الأوروبي. ففي 21 ديسمبر عام 1926 افتتح الملك فؤاد الأول المدينة التي حملت اسمه آنذاك.

وفي قلب هذا التخطيط ظهرت حديقة المنتزه كواحدة من أبرز معالم المدينة، إذ تبلغ مساحة الحديقة نحو 23 ألفًا و370 مترًا مربعًا، وظلت لعقود طويلة مساحة مفتوحة يقصدها الأهالي للتنزه وملتقى للعائلات والأصدقاء في الأعياد والمناسبات.

لكن في عام 2020 أُغلقت الحديقة بدعوى تطويرها، لتختفي تقريبًا المساحة العامة الوحيدة في المدينة، أمام سكانها الذين اعتادوا أن يقصدوا ظلال أشجارها هربًا من ضجيج الحياة في مواسم مثل الأعياد.

ومنذ إغلاق الحديقة تغيرت الأمور بالنسبة لمنال. تقول: "دلوقتي مفيش مكان واضح نقدر نروحه مع أطفالنا داخل بورفؤاد، ولو حبينا نخرج في العيد غالبًا بنضطر نروح بورسعيد أو أماكن ترفيهية خاصة بتكون بمقابل مادي كبير وده مش متاح دايمًا لكل الأسر".

ويضطر كثير من أهالي بورفؤاد مثل منال، إلى التوجه إلى مساحات ترفيهية في أحياء أخرى بمحافظة بورسعيد، إلا أنهم يواجهون تحديات عدة أبرزها بُعد المسافة والزحام الناتج عن تكدس سكان تلك المناطق، إلى جانب تكاليف المواصلات وهو ما يحول الخروج للترفيه من مناسبة للاستمتاع إلى عبء إضافي على العائلات.

سنوات من الإغلاق بدعوى التطوير

في ديسمبر عام 2020 أعلنت محافظة بورسعيد، خلال فترة تولي اللواء عادل الغضبان منصب المحافظ، البدء الفوري في أعمال تجميل وتطوير حديقة المنتزه التاريخية، إلا أن الأعمال توقفت لاحقًا دون أسباب رسمية معلنة.

وظلت الحديقة مُغلقة حتى أكتوبر 2024، حينما أعلن اللواء أركان حرب محب حبشي، محافظ بورسعيد آنذاك، والدكتور إسلام بهنساوي، رئيس مدينة بورفؤاد في ذلك الوقت، عن بدء أعمال تطوير ورفع كفاءة الحديقة مرة أخرى، بالتنسيق مع هيئة قناة السويس بهدف استعادة طابعها الجمالي وإعادة المكان إلى مكانته التاريخية.

وفي يناير الماضي، أعلن إسلام بهنساوي، رئيس مدينة بورفؤاد في ذلك الوقت، أن العام الحالي سيشهد افتتاح الحديقة في ديسمبر المقبل بالتزامن مع احتفالات المدينة بمرور مئة عام على افتتاحها.

رائحة الورود التي لا تُنسى

يستعيد هشام عباس، 71 عامًا، أحد سكان بورفؤاد، ذكرياته مع الحديقة وكأنه يفتح ألبومًا قديمًا من الصور. يقول وهو يبتسم: "فاكر أول مرة أدخل فيها حديقة المنتزه في ستينيات القرن الماضي، وقتها كنت في الصف السادس الابتدائي وكانت الحديقة بالنسبة لي فسحة معتادة لقربها من المنزل. وأتذكر جيدًا رائحة الورود الجميلة التي كانت تفوح في كل مكان داخل الحديقة وخارجها، كنا بنشمها قبل حتى ما ندخل البوابة".

أما عن ذكريات هشام المرتبطة بالأعياد: "في أول أيام العيد كانت الحديقة تمتلئ بالعائلات من كل أنحاء بورفؤاد، الأطفال بملابسهم الجديدة والبالونات وباعة الحلوى عند البوابات، كنا نشعر أن العيد بدأ بالفعل عندما ندخل الحديقة كانت كأنها ساحة كبيرة تجمع المدينة كلها بمختلف طبقاتها".

بينما يرى محمد عبد السلام، 40 عامًا، أحد سكان بورفؤاد، ويعمل مدرس لغة إنجليزية، أن غياب الحديقة كشف مشكلة أكبر تتعلق بنقص المساحات العامة في المدينة: "الحديقة لم تكن مجرد مساحة خضراء بل كانت المتنفس الحقيقي للمدينة".

وبحسب موقع محافظة بورسعيد الرسمي، يبلغ عدد سكان مدينة بورفؤاد نحو 110 ألفًا و826 نسمة حتى 1 يناير عام 2026.

ويضيف محمد أن تأثير غيابها يظهر بوضوح في الأعياد: "في العيد تحديدًا كان الناس يتجهون إليها صباحًا بعد الصلاة مباشرة، وعصرًا لتناول الغداء وليلًا للجلوس وسماع الأغاني، أما الآن الخيارات أصبحت محدودة ولا يوجد مكان واسع وآمن يمكن للأطفال أن يلعبوا فيه بحرية وبدون دفع رسوم".

مع أول أيام عيد الفطر تعود حديقة المنتزه إلى ذاكرة أهالي بورفؤاد، فيستعيدون الأعياد الماضية حين كانت العائلات تتجه إليها منذ الصباح ويملأ الأطفال ممراتها ضحكًا ولعبًا. أما اليوم فيقف المكان صامتًا خلف بوابته المغلقة، بينما ينتظر كثيرون أن تُفتح من جديد.