بين زوايا "البازار" المليئة بالألوان وروائح الشموع العطرة، تقف ميادة أحمد، 26 عامًا، من قرية بني خالد بمركز ملوي، بابتسامتها الهادئة وفخرها الكبير بما تصنعه يداها، لا تملك معرضًا فخمًا أو آلات ضخمة، لكنها تملك شغفًا لا يهدأ وإصرارًا صُنع من فكرة صغيرة عبارة عن علامة تحمل اسمها.
من بين الخامات البسيطة وأدواتها اليدوية، وُلد مشروعها الذي يحوّل "الكونكريت" -مادة صلبة مخصصة للبناء- إلى قطع ديكور أنيقة تنبض بالجمال.
"مسار بلس" لـ"تمكين فنونها"
أقامت مؤسسة مجراية الثقافية في مركز ملوي، يوم الجمعة الماضية، "بازار" توافد عليه عشرات الأهالي من محافظة المنيا، للتعرّف على منتجات عدد من الفتيات العاملات في مجال "الهاند ميد".
جاء ذلك في ختام المرحلة الأولى من مشروع "مسار بلس"، التابع للمؤسسة، وهو مشروع يهدف إلى تمكين 14 فتاة من مختلف قرى ومراكز محافظة المنيا يمتلكن مشروعات يدوية صغيرة، خضعن خلال ثلاثة أشهر ماضية إلى تدريبات مكثفة حول مهارات التسويق الإلكتروني، وتصميم المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي والتصوير والمونتاج.

أسّس إبرام يسري، مشروع "مسار بلس"، بعد حصوله على تصنيف ضمن أفضل 100 فنان على مستوى العالم في برنامج اليونسكو بالتعاون مع فرقة "K-pop" العالمية "SEVENTEEN" تحت عنوان: "Going Together for Youth Creativity and Well-Being"، خلال عام 2025.
يقول إبرام يسري، مؤسس مشروع "مسار بلس": "كان الهدف منذ البداية هو تعليم الفتيات مهارات التسويق ومواكبة التطور، من خلال تمكينهن من صناعة هوية بصرية لمشروعاتهن وتحويلها من مجرد فكرة إلى علامة تجارية كما شمل التدريب مهارات التصوير والمونتاج وكتابة المشاريع، ليصبحن قادرات على التقدّم للحصول على التمويل وتوسيع مشروعاتهن".
وأضاف لـ"المنياوية" أن التدريب استمر ثلاثة أشهر متواصلة، تخللها جلسات استشارية فردية للفتيات لتمكينهنَّ من طرح الأسئلة والاستفسارات مباشرةً لضمان الاستفادة القصوى.
وأوضح أن المشاركات يحصلن على دعم جزئي يساعدهن في تطوير مشروعاتهن، وأن عملية الاختيار اعتمدت على جودة المنتج ومدى التزام المتدربات بالحضور، إلى جانب معيار آخر مهم وهو مدى اعتماد الفتاة على المشروع كمصدر دخل أساسي.
وأشار يسري إلى أن أحد التحديات التي واجهوها خلال تنفيذ المرحلة الأولى هو قلة إقامة "البازارات" في ملوي، ما جعل من الصعب توقّع الإقبال، لكنّ التسويق الجيد للفعالية أثمر عن حضور مميز وتفاعل كبير من الجمهور والإشارة إلى أن المشروع ممول من منظمة اليونسكو، وأن مؤسسة مجراية الثقافية وفّرت مكان إقامة التدريبات و"البازار".
من عمل منزلي إلى علامة تجارية
وقالت ميادة أحمد، صاحبة مشروع "Mayody Store": "هو مشروع متخصص في صناعة الديكورات من خامة "الكونكريت" التي تُستخدم عادة في البناء، لكنها تُصب في قوالب لتتحول إلى أشكال ديكورية فريدة"، كما تعمل ميادة أيضًا على إنتاج الشموع المعطرة المصنوعة يدويًا".
وأوضحت ميادة: "بدأت مشروعي منذ عام، لكني واجهت في البداية صعوبات في تصوير وتسويق المنتجات التي كنت أصنعها يدويًا".
وتابعت أن مهاراتها في التصوير والتسويق والمونتاج تطوّرت خلال فترة التدريب، ما أحدث فارقًا واضحًا في مشروعها، إذ تحوّل من عمل منزلي صغير إلى علامة تجارية تحمل اسمها.
وأضافت أن المشاركة في البازار كانت نقطة تحول حقيقية في رحلتها، إذ ساعدتها على الوصول إلى عدد أكبر من الناس الذين تعرفوا على منتجاتها عن قرب، مشيرةً إلى أن رؤية العميل للمنتج ولمس خامته تحدث فرقًا كبيرًا، خصوصًا في ظل غياب محلات متخصصة لعرض منتجات "الهاند ميد" في المنيا.

وقالت ميادة إن الديكورات المصنوعة من "الكونكريت" ما زالت غير منتشرة في المحافظة، وإن فكرة مشروعها بدأت حين كانت تبحث مع إحدى صديقاتها عن ديكورات لمنزلها الجديد، وبعد بحث طويل اضطرت لشرائها من مكان بعيد، مما ألهمها أن تتعلم كيفية صنع هذه القطع بنفسها وتحول شغفها إلى مشروع حقيقي.
ومن بين المتدربات أيضًا ماران بهاء، 25 عامًا من مركز ملوي التابع لمحافظة المنيا، صاحبة مشروع "M.Atha Boutique"، وهي شابة طموحة استطاعت أن تحول شغفها بالأعمال اليدوية إلى مشروع يحمل لمستها الخاصة.
قالت ماران إنها خلال فترة التدريب استفادت كثيرًا، وكان أبرز ما تعلمته هو تصميم الجرافيك والهوية البصرية لمشروعها، مما ساعدها على تقديم منتجاتها بشكل احترافي وجذاب.
وأوضحت ماران أنها بدأت العمل على مشروعها منذ عامٍ ونصف، وهو مشروع متخصص في تصميم مناديل كتب الكتاب وصواني الشبكة وكابات حفلات التخرج وغيرها من المنتجات اليدوية التي تضفي طابعًا مميزًا على المناسبات السعيدة.
وأضافت ماران أنها كانت في البداية متخوفة من أن يمنعها عدد المتدربات الكبير من الاستفادة الكاملة، لكنها وجدت أن الأجواء كانت مشجعة وأنها استطاعت أن تستوعب كل المعلومات والخبرات التي قُدمت خلال الورش التدريبية.
"الكونكريت"للتراث الصعيدي .. لافت
ومن بين الزائرات تقول منار ناجي، إحدى الحاضرات: "عندما جئت إلى البازار رأيت منتجات كثيرة كنت أراها لأول مرة على أرض الواقع، فكنت أتابعها فقط عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أكثر ما لفت انتباهي هو الديكورات المصنوعة من مادة الكونكريت، وهي المرة الأولى التي أراها في المنيا".
وأضافت منار أنها تعرفت على مشروع "مسار بلس" من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وأعجبت بجودة المنتجات وأسعارها المناسبة مقارنة بالخامة المميزة.
ومن جهته، أوضح إبرام يسري أن الخطط المقبلة تتضمن تدريبات جديدة للفتيات حول تصميم منتجات مستوحاة من التراث الصعيدي، على أن تكون منتجات أصلية غير مستنسخة من السوق.