بينما كان خالد محمود، الطالب بكلية العلوم في جامعة أسوان، يستعد لترتيب أغراضه استعدادًا لاستقبال العام الدراسي الجديد والانتقال من منزله بمركز إدفو إلى مبنى الإقامة الجامعية التابع لجامعة أسوان بمدينة صحاري في حي جنوب أسوان، غيّرت رسالة عبر مجموعة على تطبيق "واتساب" تديرها إدارة الإقامة الجامعية خططه.
في بداية سبتمبر الجاري، أعلنت إدارة جامعة أسوان اللائحة المالية الجديدة للسكن الجامعي، والتي رفعت التكلفة الإجمالية من 800 جنيه خلال العام الماضي إلى 2100 جنيه هذا العام، بزيادة بلغت نحو 162%.
تهديد الاستقرار الدراسي
وتشمل التكلفة الجديدة 600 جنيه مقابل الإقامة، إلى جانب نظام اختياري للتغذية بقيمة 50 جنيهًا للوجبة اليومية، والتي تتضمن وفقًا لعدد من الطلاب الذين تحدثوا لـ"عين الأسواني" قائمة الطعام الأسبوعية من اللحوم والخضروات.
وأثارت الزيادة الجديدة حالة من القلق بين الطلاب والطالبات المغتربين بجامعة أسوان، بعدما تحوّل الاستعداد للعام الدراسي من التركيز على التحصيل الأكاديمي إلى حسابات مالية تثقل كاهل أسرهم.

المدن الجامعية هي أماكن للإعاشة، توفر السكن والتغذية للطلاب المقيمين خارج نطاق المدينة التي توجد بها الجامعة، وتضم جامعة أسوان 7 وحدات للإقامة الجامعية من بينها السيل وأبو الريش وصحاري وناصر، بطاقة استيعابية تقارب 4 آلاف طالب وطالبة، وفقًا لبيانات الموقع الرسمي لجامعة أسوان.
يقول خالد إن الجامعة لم توضح، حتى الآن، الخدمات التي سيحصل عليها الطلاب مقابل هذه الزيادة، فعلى الرغم من ارتفاع درجات الحرارة في أسوان، يعتمد السكن الجامعي على المراوح والنوافذ للتهوية، بينما تتكرر أعطال السباكة والكهرباء، ويضطر الطلاب في بعض الأحيان إلى إصلاحها على نفقتهم الخاصة.
أما التغذية، التي أصبحت لها تكلفة منفصلة وفق اللائحة الجديدة، يؤكد خالد أنها كانت رغم محدودية كمياتها تمثل عاملًا مساعدًا في تقليل نفقات المعيشة.
في المقابل، يرى محمد زيدان، مدير عام الخدمات التربوية والشؤون التنفيذية بمديرية التربية والتعليم سابقًا، أن احتياجات الطلاب المغتربين لا تقتصر على توفير مكان للإقامة، وإنما تمتد إلى رعاية متكاملة تشمل الجوانب النفسية والاجتماعية والرياضية والثقافية.
ويقول لـ"عين الأسواني" إن المدينة الجامعية مقارنة بالسكن الخارجي يفترض أن تمثل ملاذًا آمنًا للطلاب، بما توفره من أمان ورعاية وتنمية، في حين يصف السكن الخارجي بأنه تجارة غير آمنة في بعض الحالات، خاصة للطلاب الجدد الذين قد لا يمتلكون الخبرة الكافية للتصرف بمفردهم.

لكن بالنسبة إلى خالد، كان الدافع الأساسي لاختيار المدينة الجامعية اقتصاديًا من البداية، إذ لجأ إليها لتقليل نفقات الطعام والمواصلات، قبل أن يجد نفسه أمام زيادة جديدة في تكلفة الإقامة: "بهذا الحال الإنفاق أنا وأختي سيزيد للضعف، من 1800 إلى 4200 جنيه لسكن الجامعة فقط".
كما أن الزيادة الجديدة جعلت تكلفة الإقامة الجامعية تقترب من أسعار الشقق الخاصة التي يعرضها سماسرة سكن الطلاب، رغم أن تلك الشقق توفر، بحسب قوله، خدمات أفضل، من بينها وجود أجهزة تكييف وعدد أقل من الطلاب داخل الوحدة السكنية.
أعباء دون خدمات
وبالتحقق من ذلك، يقول أحمد محسن، سمسار شقق سكنية للطلاب، إن أسعار الإيجار هذا العام تتراوح بين 700 و1800 جنيه للفرد، بحسب موقع الشقة والخدمات المتاحة بها.
ويوضح محسن لـ"عين الأسواني" أن تحديد قيمة الإيجار يرتبط بعدة عوامل، من بينها عدد الأسرة داخل الشقة وما إذا كانت مجهزة بمكيفات هواء، مشيرًا إلى أن بعض الطلاب يفضلون السكن الخاص، والذي ضم بين 6 و9 أفراد، إلى جانب توافر أجهزة مثل التكييف.
وتدعم أسعار الإعلانات المنشورة على مجموعات متخصصة في تأجير الشقق للطلاب عبر "فيسبوك" ما ذكره محسن، إذ تراوحت الأسعار بين 900 و1500 جنيه للفرد.
بينما خلصت دراسة للباحثة فاطمة رجب بعنوان "احتياجات الطالبات في المدينة الجامعية"، صادرة عن كلية الخدمة الاجتماعية بجامعة أسيوط عام 2019، إلى أن فلسفة المدن الجامعية لا تقوم على توفير السكن فقط، وإنما توفير مناخ معيشي متكامل يقدم رعاية شاملة للطلاب.
وتبرز الدراسة أهمية هذه الرعاية خلال مرحلة عمرية تشهد تغيرات بيولوجية وعقلية وانفعالية، بما يستدعي وجود متخصصين لتقديم التوجيه والحماية والتعامل مع مشكلات مثل الشعور بالوحدة والفوارق الاجتماعية والقلق بشأن المستقبل.
لكن فاطمة محمود، والدة طالبة بكلية الآداب بجامعة أسوان، تقول إن كل تلك الأمور لا تتوافر في السكن الجامعي "يصل العدد داخل الشقة الواحدة أحيانًا إلى 12 طالبة أو أكثر، حيث يفترشن أسرة حديدية فوق بعضها البعض".
وفي الوقت نفسه، تكشف بيانات الإدارة العامة للمدن الجامعية المنشورة على الموقع الإلكتروني لجامعة أسوان، أن ما يتحمله الطالب من تكلفة الإقامة لا يمثل سوى جزء من التكلفة الفعلية التي تتحملها الجامعة؛ إذ تشير البيانات إلى أن الطالب يدفع 350 جنيهًا فقط، بينما تبلغ التكلفة الفعلية لإقامته نحو 2000 جنيه شهريًا وفقًا للجامعة.
ولم تكن الزيادة في رسوم الإقامة الجامعية هذا العام الأولى خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفعت الرسوم تدريجيًا من 350 جنيهًا إلى 500 جنيه، ثم إلى 800 جنيه خلال العام الماضي. إلا أن الزيادة الأخيرة حملت تغييرًا آخر بالنسبة للأسر، تمثل في فصل تكلفة الوجبات عن رسوم الإقامة.
تقول فاطمة، وهي أرملة من مركز إدفو وتعول ثلاثة أبناء في مراحل تعليمية مختلفة: "لو الأسر عندها القدرة المادية على توفير المبالغ دي شهريًا، كانت هتفضل تسكن بناتها في شقق خارجية مجهزة ومكيفة وآدمية، فيها غسالات وثلاجات وتليفزيونات، بدلًا من الغرف المكدسة داخل المدينة الجامعية".
مخاوف مشروعة
وللوقوف على تفاصيل القرار وأسباب الزيادة، تواصلنا مع محمد عبدالسلام، مدير عام المدن الجامعية والتغذية بجامعة أسوان والذي أبلغ الطلاب بالقرار على المجموعة الرسمية للإقامة الجامعية. يقول أن أن الشكاوى التي تلقاها من الطلاب وحالة الارتباك والغضب دفعت إدارة الجامعة إلى إعادة دراسة قرار زيادة رسوم الإقامة.
وأشار إلى أن الجهة المختصة بإصدار مثل هذه القرارات هي مجلس الجامعة، الذي يعقد اجتماعاته بصورة دورية لمناقشة واتخاذ القرارات المتعلقة بالجامعة، موضحًا أن دور إدارته يقتصر على تنفيذ ما يصدر عن المجلس، وليس إصدار القرار أو تحديد أسبابه.
ولا تقتصر مخاوف الطلاب على قيمة الزيادة وحدها، وإنما تمتد إلى طريقة الإعلان عنها وتوقيتها، حيث تشعر رنا محمد، الطالبة بكلية التربية النوعية والمقيمة في محافظة القاهرة، بالريبة بعد تضارب ما تلقاه الطلاب من معلومات بشأن نظام الوجبات؛ إذ أوضحت الإدارة في البداية أن تحويل الوجبات إلى نظام مستقل لا يزال قيد الدراسة، قبل أن يفاجأ الطلاب بنشر تفاصيل الزيادة عبر مجموعات التواصل الخاصة بالسكن الجامعي.
وترى رنا أن التأخر في حسم القرار وإعلانه يضع الطلاب وأسرهم أمام وقت ضيق للبحث عن بدائل، خاصة مع اقتراب بدء العام الدراسي: "سيفتح ذلك الباب أمام مستأجري العقارات لاستغلال ارتفاع أسعار السكن الجامعي ورفع إيجارات السكن الخاص".
بينما يؤكد محمد زيدان، مدير عام الخدمات التربوية، أن تكلفة المدن الجامعية ينبغي ألا تتحول إلى عبء يمنع الطلاب من استكمال تعليمهم، معتبرًا أن خفض هذه التكلفة يضمن للطلاب مكانًا آمنًا وهادئًا للإقامة والمذاكرة.
بالنسبة إلى خالد وفاطمة ورنا، لا يتعلق الأمر بمجرد زيادة في رسوم السكن، وإنما بقدرة أسرهم على الاستمرار في تحمل تكلفة التعليم والإقامة، إذ وضعت الزيادة الجديدة الطلاب أمام خيارين كلاهما يحمل عبئًا؛ إما تحمل تكلفة المدينة الجامعية المرتفعة، أو البحث عن سكن خاص قد يفتح الباب أمام استغلال حاجة الطلاب.