هجرة داخلية.. القاهرة ملاذ أبناء الجنوب في البحث عن عمل

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت أمنية حسن
2025-11-23 18:20:23

عقب تخرجها في كلية الإعلام جامعة جنوب الوادي عام 2019، لم تجد الزهراء صالح، 28 عامًا، من مركز إدفو بأسوان، فرصة عمل في مجال دراستها، فاضطرت للعمل فترة قصيرة في حضانة أطفال داخل قريتها بالرمادي قبلي مقابل 500 جنيه شهريًا، لكنها كانت تدرك أن مستقبلها الحقيقي ينتظرها في القاهرة، المدينة التي رأت فرصة لتحقيق طموحاتها.

انتقلت الزهراء إلى العاصمة بعد حصولها على الدراسات العليا، لتبدأ رحلة البحث عن عمل في بيئة أكثر انفتاحًا على مجالات الإعلام والتسويق، إلى أن التحقت العام الماضي بالعمل في شركة عقارية بالقاهرة: "لا سبيل للنجاح والعمل إلا في القاهرة، ونحن أبناء المحافظات نعلم أن البقاء في الصعيد يعني البقاء بلا عمل".

تراجع البطالة لا يعني تحسّن العمل

تعكس تجربة الزهراء واقعًا يعيشه مئات الشباب في محافظات الصعيد، حيث تدفع قلة الفرص في القرى إلى النزوح نحو القاهرة بحثًا عن فرص أفضل. 

بحسب بيانات العام 2019، بلغت نسبة البطالة في محافظة أسوان نحو 10.2%، وهو انخفاض واضح مقارنة بعام 2018 حين سجلت 24.1%، إلا أن هذا التراجع لا يعني تحسنًا فعليًا في فرص العمل، إذ ظلت معدلات التشغيل شبه ثابتة عند حدود 40.3% إلى 40.6% خلال العامين 2018 - 2019.

نسبة البطالة في أسوان

يُفسَّر هذا التناقض بخروج أعداد متزايدة من الباحثين عن العمل من قوة العمل الرسمية، ما يؤدي إلى تراجع معدل البطالة إحصائيًا، دون أن يواكب ذلك تحسن حقيقي في معدلات التوظيف ليبقى كثير من الشباب، مثل الزهراء، مضطرين للانتقال إلى المدن الكبرى بحثًا عن بداية جديدة.

يرى الدكتور وليد جاب الله، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أن هناك ضرورة لتشجيع القطاع الخاص على التوسع في قطاعات حيوية مثل السياحة والزراعة، لما لهما من قدرة على استيعاب أعداد كبيرة من العمالة لا سيما بالمحافظات مثل أسوان.

دكتور وليد جاب الله

- وصل معدل البطالة في أسوان إلى 11% عام 2023 وهو ما يتجاوز المتوسط العام للجمهورية البالغ 7.4%.

يشدد لـ"عين الأسواني" على ضرورة افتتاح مشروعات جديدة تسهم في تقليص نسب البطالة: "مواجهة البطالة تتطلب زيادة مستمرة في النشاط الاقتصادي، سواء عبر توسيع المشروعات القائمة أو إطلاق مشروعات جديدة قادرة على خلق فرص عمل مستدامة".

شهدت محافظة أسوان خلال الفترة من عام 2013 إلى عام 2023 زيادة ملحوظة في أعداد خريجي الجامعات، مقابل ارتفاع طفيف في أعداد المشتغلين.

- معدل التشغيل يُقاس بنسبة الأفراد المشتغلين من إجمالي عدد السكان في سن العمل، أما معدل البطالة يرصد نسبة الأفراد القادرين على العمل والراغبين فيه دون أن يتمكنوا من الحصول عليه.

يفسر هلال دندراوي، عضو حزب التجمع الجمهوري بأسوان ورئيس الاتحاد المحلي لنقابات عمال أسوان السابق، في حديثه لـ"عين الأسواني"، ثبات معدلات التشغيل في المحافظة بغياب المشروعات الاستثمارية الجديدة منذ ستينيات القرن الماضي: "باستثناء عدد محدود من الشركات القديمة مثل شركة السكر وشركة كيما، لا توجد مشروعات حديثة توفر فرص عمل حقيقية للشباب، فضلًا عن توقف التعيينات الحكومية منذ ثمانينيات القرن الماضي، ما أدى إلى تراكم أجيال من العاطلين عن العمل".

لأن الزهراء لم تكن تمتلك سيرة ذاتية قوية تؤهلها لوظيفة مناسبة في مجالها، بدأت العمل في مركز لخدمة العملاء كخطوة مؤقتة، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى وظيفة في التسويق بإحدى شركات العقارات.

وتؤكد أن قرار مغادرة أسوان كان صائبًا، لأن فرص العمل هناك محدودة برواتب لا تتجاوز 2000 جنيه، بينما وفّرت لها القاهرة بيئة أوسع للتطور رغم ارتفاع تكاليف المعيشة.

زهراء ليست الحالة الوحيدة التي عانت من صعوبة العثور على فرصة عمل في أسوان؛ إذ تُظهر بيانات بحث القوى العاملة أن عام 2023 سجّل أدنى معدل تشغيل خلال العقد الأخير بنسبة 27.8%، مقارنةً بعام 2013 الذي بلغ فيه المعدل 68.2%، ما يعني أن نحو ثلثي الخريجين في المحافظة لا يجدون وظيفة تناسب مؤهلاتهم.

تؤكد الدكتورة سامية قدري، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن الهجرة الداخلية والخارجية تُعد وسيلة طبيعية يلجأ إليها الأفراد لتحسين أوضاعهم المعيشية والبحث عن فرص أفضل، مشيرة إلى أن انتقال الشباب من المناطق الريفية إلى المدن الكبرى ليس ظاهرة جديدة، بل امتداد لمسار اجتماعي واقتصادي تاريخي ارتبط بتفاوت فرص العمل والتنمية بين المحافظات.

وتوضح قدري أن محافظات الصعيد، بما تعانيه من ارتفاع معدلات الفقر وضعف الاستثمار والخدمات، كانت دائمًا من أكثر المناطق طردًا للسكان، مضيفةً أن هذه العوامل مجتمعة تدفع الكثيرين إلى الهجرة نحو العاصمة أو المدن الساحلية في محاولة للعثور على مستقبل مهني وحياتي أفضل مما تتيحه مجتمعاتهم المحلية.

ويدعم ذلك ما كشفته دراسة صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2017، وهو العام الذي شهدت فيه مصر أعلى معدل تضخم بلغ 32.9%، حيث أوضحت الدراسة أن نسبة المهاجرين من ريف أسوان إلى حضر المحافظات بلغت 1.8%، ومن المرجّح أن تكون هذه النسبة قد ارتفعت خلال السنوات الأخيرة، مع الزيادات المتتالية في معدلات التضخم التي وصلت إلى 41% عام 2023.

الفرص الضائعة لخريجي الجامعات

تخرّج محمد جاد عام 2018 في كلية الآداب جامعة أسوان، وبعد إنهاء خدمته العسكرية وجد نفسه في مواجهة تحديات كبيرة، خاصة مع بداية جائحة كورونا، إذ عمل بعد التخرج سائق، ثم التحق بوظيفة في أحد الفنادق بأسوان براتب 3 آلاف جنيه، إلا أنه رغم تنقله بين أكثر من عمل، لم يجد وظيفة تضمن له حياة كريمة أو تحقق له قدرًا من الاستقرار المادي.

يقول: "كانت أوقات العمل طويلة ولم تكن تتيح لي أي وقت لقضاء احتياجاتي الشخصية، فضلًا عن أن العائد المادي لم يكن يتناسب مع حجم المجهود المبذول، ولا حتى مع الحد الأدنى للأجور لذا فكرت في الهجرة من أسوان".

تشير الدكتورة سامية قدري، إلى أن آثار الهجرة من المحافظات إلى القاهرة تختلف باختلاف البنية الأسرية والاجتماعية: "يمكن أن يكون ترك الأسرة مؤقتًا مقبولًا في بعض الحالات، يقل تأثيره السلبي في المناطق القبلية والريفية.

دكتورة سامية قدري

- يمثل العمل السبب الرئيسي لهجرة الذكور داخليًا بنسبة 44.7% من إجمالي المهاجرين.

دفع ضعف سوق العمل في أسوان جاد إلى التفكير في مغادرة مدينته التي يحبها، والتوجه إلى القاهرة، رغم أنه لم يكن يخطط لذلك من قبل: "لا يوجد توظيف في محافظتي وكان لا بد من اكتساب من العمل في القاهرة لذا سافرت وأعمل حاليًا مساعد إنتاج"، ومع أنه أصبح الآن مغتربًا في العاصمة حيث ترتفع تكاليف المعيشة يرى جاد أن غربته تبقى أفضل من البقاء في أسوان بلا عمل ولا فرصة حقيقية للمستقبل.

يتسق ذلك مع ما يؤكد هلال دندراوي، أن اقتصاد أسوان يعاني من غياب التنوع، إذ يقتصر بشكل أساسي على القطاع العام وبعض المشروعات السياحية التي لا توفر وظائف مستقرة. 

- 46.2% من سكان أسوان تحت خط الفقر الوطني خلال عام 2017 - 2018.

مشروعات بلا تشغيل فعلي

الأمر نفسه دفع أحمد صلاح في عام 2023 إلى مغادرة أسوان متجهًا إلى القاهرة للعمل في المقر الرئيسي للشركة التي التحق بها، تخرّج أحمد في كلية التجارة بجامعة أسوان عام 2022، وخلال دراسته طوّر مهاراته في التسويق، لكنه عندما بدأ البحث عن وظيفة فوجئ بأن الرواتب المعروضة في محافظته لا تتجاوز 3 آلاف جنيه.

يقول: "بعض الشركات تعتبر العمل مجرد تدريب دون مقابل مادي، وجميع التجارب كانت متشابهة، فقررت البحث عن فرصة عمل خارج أسوان توفر بيئة أفضل، وبدأت أتعرف على طبيعة سوق العمل عبر الإنترنت حتى نجحت في إيجاد وظيفة في مجال التسويق تناسب طموحي في القاهرة.

ورغم أن بيانات وزارة الاستثمار توضح تزايد أعداد الشركات التي تأسست في أسوان خلال السنوات الخمس الأخيرة إلا أن ذلك لم ينعكس على معدل التشغيل، حيث وصل عدد الشركات عام 2024 إلى 94 شركة مقارنة آخر عشر سنوات التي كان أعلى معدل عام 2023 بواقع 77 شركة.

بينما يرى دندراوي أن تفاقم مشكلة البطالة في أسوان يعود إلى غياب القرارات الحكومية الحازمة التي تُلزم المستثمرين بإنشاء المصانع بالقرب من مصادر المواد الخام داخل المحافظة. 

هذا الإهمال، بحسب قوله، أدى إلى إغلاق عدد من المصانع القديمة مثل مصنع الأسماك ومصانع الجرانيت، ما تسبب في فقدان مئات فرص العمل. 

ويحمّل دندراوي الدولة مسؤولية هذا الوضع، نتيجة غياب التخطيط الاقتصادي الشامل وضعف اهتمام القيادات التنفيذية والبرلمانية بقضايا أسوان، وهو ما انعكس بدوره على المجتمع المحلي من خلال ارتفاع سن الزواج وتفاقم المشكلات الاجتماعية بين الشباب.

- تضم محافظة أسوان خمس مناطق صناعية بإجمالي مساحة 8011 فدانًا، فيما يبلغ عدد المنشآت الصناعية التابعة للقطاع العام وقطاع الأعمال العام 9 منشآت فقط.

تعكس تجارب الزهراء وجاد وصلاح واقعًا مشتركًا لشباب أسوان الذين اضطروا لمغادرة محافظتهم بحثًا عن فرص عمل كريمة، نتيجة ضعف سوق العمل المحلي، وتراجع فرص التشغيل.