لا أمل في الإسكان الاجتماعي.. أسعار الشقق تُقصي محدودي الدخل في أسوان

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت أمنية حسن
2025-11-09 11:59:30

بعد عامين من الزواج، قررت فاطمة خالد، عشرينية، وزوجها وضع حدٍّ لعبء الإيجار الذي يلتهم نصف دخلهما تقريبًا، إذ يدفعان نحو أربعة آلاف جنيه شهريًا مقابل شقة صغيرة في منطقة كيما بمحافظة أسوان. 

ومع الحلم بامتلاك منزلٍ مستقرّ، بدأت فاطمة رحلة البحث عن شقة بنظام التمليك خلال العام 2025، لكن التجربة سرعان ما اصطدمت بواقع الأسعار المرتفعة التي تجاوزت قدرتهما: "البحث عن شقة في منطقة جيدة مثل العقاد أو وسط البلد وبسعر مناسب معادلة صعبة في أسوان".

حلم التمليك وواقع الأسعار

حاولت التقديم في مشروع الإسكان الاجتماعي خلال العام الجاري، ظنًّا منها أنه فرصة لتحقيق حلمها، لكنها اصطدمت بواقع آخر، لكون المشروعات المتاحة إما بعيدة عن الخدمات أو تتطلب أقساطًا طويلة لا تتناسب مع دخلهم الحالي أو يتأخر التسليم سنوات، ما جعل حلم امتلاك شقة بعيد المنال.

شقق الإسكان الاجتماعي بأسوان

تكشف بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن حجم الفجوة في مشروعات الإسكان الاجتماعي بمحافظة أسوان بين الأعوام 2017 و2024، إذ لم يُنفَّذ سوى 4,616 وحدة من أصل 25,366 وحدة مخصصة لمحدودي الدخل، أي أن أكثر من 80% من الوحدات المخطط لها ما زالت قيد التنفيذ ولم تُسلَّم بعد، ما يعكس تعثّرًا في تلبية احتياجات الفئات المستهدفة.

الإسكان الاجتماعي لمحدودي الدخل

في ظل هذا الواقع، يعاني مواطنون في محافظة أسوان من صعوبة تملك شقة مناسبة، بين الارتفاع الكبير في أسعار الشقق بالقطاع الخاص من جهة، وتعطل أو عدم مناسبة مشروعات الإسكان الاجتماعي من جهة أخرى، لتبقى أزمة السكن عبئًا مستمرًا يُثقل كاهل الأسر متوسطة ومحدودة الدخل في المحافظة.

في منتصف أكتوبر الماضي، وافق مجلس النواب على قرار زيادة فائدة قروض التمويل العقاري لتصبح 8% متناقصة لمحدودي الدخل بدلًا من 3%، و12% متناقصة لمتوسطي الدخل بدلًا من 8%.

يوضح المعماري والباحث العمراني أحمد زعزع لـ"عين الأسواني" أن السكن البديل الذي توفره الحكومة وهو الإسكان الاجتماعي، لا يراعي التناسب بين عدد الوحدات المتاحة وعدد الأسر التي تحتاج إلى شقق تمليك، لا سيما مع زيادة الضغط بسبب تعديلات قانون الإيجار القديم.

تؤكد فاطمة التي يعمل زوجها موظفًا بإحدى شركات التجارة مقابل 10 آلاف جنيه، أن المناطق الأقل سعرًا مثل الصداقة لا تمثل خيارًا مناسبًا لها، إذ تعاني من مشكلات أساسية مثل انقطاع المياه وبُعد الخدمات، فضلًا عن غياب عنصر الأمان الذي تضعه في مقدمة أولوياتها، ورغم أن أسعار الشقق هناك قد لا تتجاوز 600 ألف جنيه، فإنها ترى أن ما ستنفقه لاحقًا لتعويض نقص الخدمات سيجعل السكن في هذه المناطق عبئًا إضافيًا لا ميزة.

خلل التوزيع العمراني

تشير دراسة بعنوان "تطور الكتلة العمرانية على مستوى شياخات مدينة أسوان بين عامي 1983 و2023" إلى تفاوت واضح في أنماط التنمية داخل المدينة، حيث تمتلك بعض الشياخات مساحات شاسعة تتيح فرصًا للتوسع العمراني المستقبلي، غير أن ذلك يظل مرهونًا بتوافر الطرق والخدمات الأساسية وشبكات البنية التحتية التي تربط بين شطري المدينة شرقًا وغربًا.

الإسكان الاجتماعي لمحدودي الدخل

في المقابل، هناك تراجع في معدلات التطور العمراني داخل بعض الشياخات الأخرى، نتيجة ارتفاع أسعار الأراضي وتوجّهها نحو الاستخدام السياحي بالأساس، بينما شهدت مناطق أخرى عزوفًا عن البناء بعد حالة من التشبّع العمراني خلال السنوات الماضية.

ويعزّز ذلك واقع الفجوة بين المساحة الكلية والمأهولة في محافظة أسوان، إذ تبلغ مساحة المحافظة نحو 62.726 كيلومترًا مربعًا، في حين لا تتجاوز المساحة المأهولة 1004.77 كيلومترًا مربعًا، أي ما يعادل 1.6% فقط من إجمالي المساحة الكلية، ما يعكس محدودية الامتداد العمراني مقارنة باتساع رقعة الأرض المتاحة.

هذا الخلل في توزيع العمران، وفق رؤية زعزع، لا يقتصر على البنية المكانية فحسب، بل يمتد ليؤثر على البنية الاجتماعية نفسها؛ ففي مناطق مثل أسوان، قد يغير نقل الأسر من بيوتها النوبية التقليدية إلى عمارات حديثة من طبيعة النسيج الاجتماعي ويفرض عليهم نمط حياة مختلفًا تمامًا.

يأتي هذا الواقع مع التصديق على القانون رقم 164 لسنة 2025 المعروف باسم قانون الإيجار القديم، والخاص بالأحكام المتعلقة بقوانين إيجار الأماكن وإعادة تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر في أغسطس الماضي.

القطاع الخاص يهيمن على السوق

يوضح الباحث العمراني أحمد زعزع أن تطبيق قانون الإيجار بشكل مفاجئ سيترك تأثيرات عميقة على سوق العقارات ونسيج المدن، إذ من المتوقع أن يؤدي إلى طرح عدد كبير من الوحدات السكنية دفعة واحدة في سوق يعاني من تشبّع ووجود ملايين الوحدات المغلقة، هذا التدفق المفاجئ قد يربك توازن السوق، ويخلق حالة من عدم الاستقرار بدلًا من معالجة الأزمة السكنية القائمة.

تُظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجعًا حادًا في نسبة وحدات الإسكان الاجتماعي من إجمالي ما نفذته الحكومة خلال الأعوام الأخيرة، إذ انخفضت من 99.3% في عام 2014/2015 إلى 40.6% فقط في عام 2022/2023.

وفي عام 2014/2015 بلغ عدد وحدات الإسكان الاجتماعي نحو 220 ألف وحدة من أصل 221.5 ألف وحدة نفذتها الدولة، بينما تراجع العدد في 2022/2023 إلى 49.5 ألف وحدة فقط من إجمالي 121.6 ألف وحدة، ما يعكس تحولًا في توجهات الدولة السكنية وتقليصًا واضحًا في حجم المشروعات الموجهة للفئات محدودة الدخل.

شقق الإسكان الاجتماعي بأسوان

لا تختلف تجربة فاطمة كثيرًا عن تجربة محمد محمود، 27 عامًا موظف حسابات يحلم بامتلاك شقة تمهيدًا للزواج، لكنه اصطدم هو الآخر بواقع الأسعار المرتفعة التي تتراوح بين 600 و800 ألف جنيه في مناطق تعتبر وسط المدينة مثل النفق وكسر الحجر أو بعيدة قليلًا في منطقة الصداقة.

ورغم أن هذا الخيار يبدو أقل تكلفة من غيره، فإنه محفوف بالمشكلات، بدءًا من انقطاع المياه المتكرر ومرورًا بضعف الأمان في المناطق البعيدة، وصولًا إلى ضيق المساحات التي لا تلائم أسرة صغيرة.

يقول: "أما فكرة التقديم على مشروعات الإسكان الجديدة هي غير مجدية، لأن التكلفة النهائية للشقة قد تتجاوز المليون جنيه، وهناك متقدمون منذ سنوات طويلة لم يستلموا إلى الآن، والإيجار القديم الآن مليء بالعثرات".

- بحسب تعداد 2017 للجهاز المركزي للإحصاء، بلغ عدد وحدات الإيجار القديم في مصر نحو 3.019 مليون وحدة، تقيم بها 1.642 مليون أسرة تضم أكثر من 6 ملايين شخص.

الإسكان الاجتماعي لمحدودي الدخل

هذا الوضع يعكس أزمة أوسع في سوق العقارات بأسوان، حيث ترتفع الأسعار بشكل متواصل بسبب هيمنة القطاع الخاص على عمليات البناء السكني. 

تشير بيانات نشرة الإسكان إلى أن القطاع الخاص نفّذ أكثر من 80% من المساكن الجديدة خلال السنوات الثماني الماضية، بإجمالي 28,603 وحدة سكنية، ما جعله المتحكم الرئيسي في الأسعار واتجاهات السوق.


أسعار تفوق قدرة محدودي الدخل

ويؤكد أحمد نجار، سمسار عقارات في أسوان، أن الأسعار شهدت "ارتفاعًا جنونيًا" خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن مناطق مثل الصداقة، التي كانت تُعد من أرخص مناطق الإسكان الحكومي، ارتفع فيها سعر الشقة من 200 ألف جنيه إلى ما بين 600 و650 ألف جنيه للوحدة المكونة من غرفتين فقط.

فيما توضح الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، في حديثها لـ"عين الأسواني"، أن أزمة السكن وتداعيات القانون الجديد خلقت حالة من القلق الاجتماعي العميق بين فئات واسعة من المواطنين، بعدما فقد كثيرون إحساسهم بالاستقرار الذي وفرته مساكنهم لسنوات طويلة.

تضيف: "الأسر التي عاشت لعقود في شقق الآباء والأمهات باتت تواجه اليوم واقعًا جديدًا، بين إيجارات مرتفعة تفوق قدراتهم أو البحث عن بدائل سكنية يصعب تحمل تكاليفها، لذا أصبحت الأزمة في شعور الأفراد بفقدان الأمان، ويعزز ذلك غياب البدائل الميسّرة في مجتمعات مثل أسوان".

شقق الإسكان الاجتماعي بأسوان

يوضح محمد، الذي يعمل موظفًا براتب شهري يبلغ 7,000 جنيه، أنه ما زال يبحث عن شقة بغرفتين تناسب وضعه المادي، خاصةً بعد أن وجد أن الأسعار في المناطق الأخرى لا تختلف كثيراً، بينما تعاني الشقق المتوفرة من صغر المساحة التي لا تتخطى 70 مترًا مربعًا. 

ويصف نجار، سمسار العقارات، أسعار الشقق في المناطق الراقية المملوكة لأفراد وليست مشروعات حكومية مرتفعة للغاية، حيث تبدأ الأسعار من 1.3 مليون جنيه، كما وصل سعر بعض الشقق غير كاملة التشطيب إلى 2 مليون جنيه ما يجعل شراء شقة أمرًا صعبًا على الكثيرين.

وتشير خضر إلى أن هذا الواقع يعكس خللًا في منظومة العدالة السكنية، إذ بات امتلاك أو حتى استئجار مسكن لائق تحديًا وجوديًا يهدد استقرار الأسر والعلاقات الاجتماعية، ويغذي الإحساس بانسداد الأفق لدى فئات واسعة من المجتمع. 

تظل أحلام فاطمة ومحمد في امتلاك شقة تضمن لهما الاستقرار وتُخفف عبءَ الإيجار معلقة بين مشروع إسكان حكومي لم يكتمل وقطاع خاص يتحكم في الأسعار.