المانجو الأسواني تدفع ثمن التغيرات المناخية.. "الحر نشف الشجر"

المانجو الأسواني

بين أشجار مزرعته التي أنهكتها التقلبات الجوية، يجول أحمد حسن عثمان، ويرمي بناظريه بحسرة إلى ما آلت إليه، ففروع الأشجار صفراء وأوراقها ذابلة، ولم تعد أشجار المانجو الثمينة قادرة على الصمود أمام ارتفاع درجات الحرارة بعد موسم بارد، لم تعتده محافظة أسوان في السنوات الماضية.

لا يعرف الحاج أحمد ما تعنيه التغيرات المناخية، لكنه يعرف أشجاره وإنتاجها جيدًا، فهو يزرعها لأكثر من 50 عامًا، موضحًا لـ "عين الأسواني": "10% فقط من محصول 2025 إنتاج، و90% منه فاقد… خسائرنا كبيرة السنة دي… السقعة أضرت بأشجار المانجو، والحرارة زادت قبل موسم الحصاد… الحر نشّف الشجر في مكانه".

المانجو الأسواني والتغيرات المناخية

عدد كبير من مزارعي المانجو الأسواني التي تتميز بمذاقها الفريد وجودتها العالية، باتوا يشكون من الموسم السيئ، فمزارعهم التي تُعد مصدر دخلهم الوحيد باتت مهددة بمزيد من الخسائر.

-تُنتج محافظة أسوان أكثر من 100 ألف طن من المانجو سنويًا، وفقًا لبيانات رسمية لمحافظة أسوان، وتنتشر مزارع المانجو في مراكز: إدفو وفارس وبنبان وغيرها.

التجار: وزارة الزراعة.. لا تعويض أو توعية

يستكمل الحاج أحمد حديثه قائلًا: "مفيش أي إرشاد زراعي بيوصل لنا هنا، محدش من المديرية ولا البيئة جاء لنا ولا بنشوفهم".

المانجو الأسواني والتغيرات المناخية

أما يونس محمود، مزارع في أبو الريش بأسوان، يقول: "السنة دي اتضربت المانجو، السنة اللي فاتت كانت الخسائر معقولة، أما الموسم الحالي مفيش خالص… عندي شجر ماطرحش خالص".

ويضيف يونس:  "السقعة أضرت بالمانجو وهي على الشجر، وجاء الحر ونشّف المانجو كلها على الشجر"، لافتًا إلى أن الحر يؤثر بشكل سلبي على أشجار المانجو.

ويؤكد يونس أنه رغم الخسائر الواضحة في مزارع المانجو، لكنه وغيره من الفلاحين لم يحصلوا على التوعية اللازمة من مديرية الزراعة لمواجهة آثار التغيرات المناخية على زراعتهم، ولم يحصلوا على تعويضات لخسارتهم الفادحة.

صبري محمد حسين، البالغ من العمر 70 عامًا، قضى معظمها بين أشجار المانجو في مزرعته التي ورثها عن والده وأجداده، وحافظ على زراعتها منذ صغره، لكنها اليوم تسجل خسائر لم يشهدها من قبل بسبب التغيرات المناخية، قائلًا "محدش سأل فينا".

المانجو الأسواني تروض الفلاحين والتجار 

ويقول محمد إن التجار "يشترون المحصول بثمن قليل وبعد فصال مع الفلاحين.. بيشتروا اللي أمامهم على الشجر"، موضحًا أن المانجو هذا العام "رخصت أكثر لأنه الصالح منها قليل، مش زي السنين اللي فاتت".

المانجو الأسواني والتغيرات المناخية

ولفت إلى أن التغير الحاصل في البيئة والزراعة، أجبر الفلاحين في السنوات الأخيرة على الانصراف عن زراعة المانجو البلدي، واتجهوا إلى التوسع في زراعة أنواع أخرى، مثل: الزبدة والصدّيقة والعويسي والعُرابي والجُلُك، موضحًا "فيه فرق كبير بين الأنواع دي، المانجو البلدي كانت ثمرة صغيرة، لكن الآن أحجام كبيرة".

وشدد حسين على أن كل أنواع المانجو تتأثر بالتغيرات المناخية، قائلًا "غرس الشتلات يكون في أواخر الشتاء أو بداية الصيف، ونبدأ موسم الحصاد في يونيو، ونبات المانجو صيفي لكن شدة الحرارة تضر به"، متابعًا "التجار يشترون على الطبيعة، والعام الجاري مكنش فيه حاجة أمامهم يشتروها، لذلك اشتروا رخيص خالص.. لكننا مانعرفش هم بيبعوا بكام، لكننا بنبيع أرخص، لأنه التاجر عايز يكسب".

-يبلغ متوسط مساحة مزارع المانجو في أسوان 13819 فدانًا، بنسبة تفوق 75% من المساحة الإجمالية المزروعة بالفاكهة، وتنتج ما يزيد على 55% من إنتاج محاصيل الفواكه في المحافظة، وفقًا لدراسة اقتصادية منشورة في مجلة البحوث والدراسات الأفريقية ودول حوض النيل.

"ارتفاع الأسعار".. باعة الأسواق

وفي سوق أسوان، التي لا تخلو شوارعها من باعة الثمرة المفضلة لكثير من أهالي هذه المدينة، قالت إحدى الباعة الجائلين- رفضت ذكر اسمها- إن غياب الرقابة على تجار الجملة أدى لارتفاع الأسعار، موضحة "لازم يكون في رقابة على تجار الجملة علشان نضبط الأسعار، الناس بقت مضطرة تشتري بواقي المانجو بسبب الغلاء".

وأضافت "هناك تراجع ملحوظ في الإقبال على الشراء هذه الأيام، على الرغم من أن الأسوانيين معتادون على الشراء بكميات كبيرة لتخزينها، لتحضير العصائر طوال العام".

فيما قالت بائعة أخرى "أنواع المانجو الأسواني كثيرة، لكن هذه السنة المعروض أقل، والأسعار تصل إلى ضعف ما كانت عليه في السنوات القليلة الماضية".

محمد أبو الوفا، أحد الباعة في السوق، يقول: "محصول المانجو الأسواني الموسم الحالي قليل، وفي حال لجأنا لبيع محصول من محافظة الإسماعيلية فإن المنتج ضعيف وبيبوظ بسرعة بسبب شدة ارتفاع درجات الحرارة في أسوان"، موضحًا "أنا ببيع مانجو أسواني، لكن ارتفاع سعره أدى لضعف الإقبال، فمثلا اللي كان بيشتري 50 كيلو السنة الماضية، بقى ياخد 20  كيلو بس".

المانجو الأسواني والتغيرات المناخية

بينما لفت أشرف محمد عبده، بائع مانجو إلى أن "ارتفاع درجة الحرارة أثر على المعروض من المانجو، ساعات الثمار بتسيح بسبب الحر الشديد أثناء نقلها من الشادر، وساعات تتلف تمامًا أثناء النقل والتخزين، ونحن من يدفع ثمن الفاقد، وده بيأثر على مكسبنا، ومحدش بيرضى يشتري المانجو لو شكلها اتغير".

"مصريون اعتادوا "تخزين المانجو

أمام ثلاجتها المنزلية تقف إيمان حسين، ربة منزل، بعد تحضير كميات كبيرة من المانجو الأسواني؛ لحفظها وتخزينها للاستخدام أطول فترة ممكنة، ففي أسوان، إحدى أكبر المحافظات المنتجة للمانجو، اعتادت ربات البيوت تقديم عصير المانجو على مائدة العائلة طوال السنة.

تقول إيمان لـ "عين الأسواني" إن "سعر كيلو المانجو هذه السنة مرتفع جدًا مقارنة بالعام الماضي، كنت بشتري الكيلو بـ25 أو 30 جنيه، دلوقتي بقى بـ50 أو 60"، لافتةً إلى أن  "جودة ثمار المانجو هذا العام أيضًا مش زي زمان، أنا بخزن حوالي 15 إلى 20 كيلو، وأسرتي تحب الزبدية والعويسي أكثر من الأنواع الأخرى".

أما شيرين عبد العال، ربة منزل، تضيف: "أنا ما بخزنش دلوقتي، بستنى شهر 9 لما أسعار المانجو تنخفض، وبخزن علشان رمضان. وأنوي خلال السنة تخزين كمية أكبر، خصوصًا إن رمضان هييجي في الشتاء".

فيما توضح م. ج، موظفة "بخزن المانجو عشان كلنا في البيت بنحبها، بشتري 3 أنواع، أهمها الزبدة، لأنها بتنفع في العصائر والتورت، وبحب أشتري في شهر أغسطس بيكون محصول المانجو في أفضل حالاته، ورغم شغلي، بحب أعمل حلويات بالفواكه خصوصًا بالمانجو الأسواني".

 وتشتهر محافظة أسوان بأكثر من 25 نوعًا من المانجو مثل: الزبدة والعويسي والسكري والتيمور والفص.

ما تأثير التغيرات المناخية على المانجو الأسواني؟

ومن جهته، صرح مدير إدارة البساتين بمحافظة أسوان، حسن عبد العزيز، لـ "عين الأسواني" بأن تأثيرات سلبية للتغيرات المناخية أدت إلى تراجع محصول المانجو الأسواني هذا العام، خاصة التفاوت الكبير في درجات الحرارة بين الليل والنهار خلال شهري مايو ويونيو، وهما فترة موسم جني الثمار.

وأوضح عبد العزيز أن التغير الحراري أثر على جودة وكمية المحصول، وأن ضعف وعي بعض المزارعين بأساليب التعامل مع التغيرات المناخية ساهم في زيادة الأزمة.

من جانبه، يقول الدكتور الحسيني صابر حمد، أستاذ الفاكهة الاستوائية بمعهد بحوث البساتين بأسوان، إن المانجو  "ملكة الفواكه" تتمتع بقيم غذائية عالية وفوائد طبية متعددة، وتعد ثاني أهم زراعة في أسوان بعد النخيل، محذرًا من التغيرات المناخية التي تمثل تهديدًا حقيقيًا لمستقبل زراعة المانجو في أسوان والصعيد عامًة.

ويضيف أستاذ الفواكه الاستوائية، أن نتائج الأبحاث في السنوات الأخيرة أظهرت أن أصناف "الصديق" و"الجولك" لم تتأثر كثيرًا بالتقلبات المناخية، نظرًا لملاءمة بيئة أسوان لطبيعتها، بينما بدأت أصناف أجرى مثل "التومي" و"أوستن" تُزرع بمزارع الصعيد، بفضل مقاومتها النسبية لآثار التغيرات المناخية، فضلًا عن كونها أصناف مبكرة النضج.

المانجو الأسواني والتغيرات المناخية

ويتابع: "هذا الموسم شهد تحديات كبيرة خلال فترة التزهير، حيث تسببت التغيرات المناخية في جفاف الشماريخ الزهرية، حتى بدت وكأنها محترقة، لكن المزارع التي استعدت مبكرًا وقامت برش الأحماض الأمينية وسليكات البوتاسيوم تمكنت من تقليل الخسائر"، موضحًا أن الدعم الفني المتاح للمزارعين لا يزال محدودًا، ولم يصل إلى جميعهم، مطالبًا بتكثيف الجهود التوعوية والإرشادية لمواجهة تداعيات التغير المناخي على الزراعة في الصعيد.