تُعدّ رواية روميو وجولييت واحدة من أشهر قصص الحب التراجيدية في تاريخ الأدب العالمي، كتبها ويليام شكسبير في القرن السادس عشر، عن شاب وفتاة من عائلتين معاديتين وهما مونتاجيو وكابوليت، لكن ذلك لم يمنع وقوع روميو وجولييت في الحب من النظرة الأولى وتزوجا سرًا، لكن سلسلة من سوء الفهم والأحداث قادت إلى نهايتهما المأساوية.
طوال حياتي، كنت أظن أن قصة روميو وجولييت قصة رومانسية خيالية أو حكاية حب بريء، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة لي، بل كانت صراعًا داخليًا وخارجيًا، بين القلب والعقل بين القيد والحرية بين ما نريده فعلًا وما يُفرض علينا.
جولييت لم تكن فتاة عادية في عصرها، كانت فتاة شابة محاصرة بقيود العائلة، كانت محاصرة بين جدران المجتمع بين أب يراها سلعة للزواج وأم تهمس بواجب الطاعة، وعالم لا يسمح فيه للفتاة أن تختار حتى شكل يومها.
روميو بالنسبة لها لم يكن مجرد عاشق، بل كان نافذة على الحرية ونافذتها الأولى على العالم خارج الجدران، لذلك، كان تعلقها به سريعًا وقويًا وعاطفيًا بصورة تتجاوز المنطق، ففي لحظة لقائه رأت فيه فرصة لكسر قيودها، حتى لو كان ذلك عبر التمرد الأخطر: حب عدو عائلتها.
أما روميو، فقد أحب بطريقته... لكنه لم يكن ندًا لها في العمق، كان مندفعًا وتحركه العاطفة لا الحكمة.
حين قُتل ميركوشيو على يد تيبالت، لم يتردد روميو في الثأر لصديقه، رغم معرفته بألم جولييت وتعقيد مستقبل علاقتهما، وحين ظن أنها ماتت، لم يبحث عن الحقيقة واختار الانتحار اختار الموت لعدم مواجهة الألم.
قد يعكس هذا شخصية متهورة تبحث عن البطولة أكثر من الاستقرار، لم يكن حبه بجودة حب جولييت، بل ممزوجًا بالاندفاع والثأر، وكأنه كان يعيش قصة حب وليس حبًا حقيقيًا.
بالتأمل في قصة روميو وجولييت، نجد أن مشاعرهم، رغم قوتها، لم تكن حبًا ناضجًا وربما لم تكن حبًا أصلاً، ربما كانت رغبة أو حاجة أو عطشًا، ورغبة في الهرب من مصير قد كُتب لها دون إذنها، ولذلك، لا ألومها إن ماتت لأجله، بل أفهمها، أفهم أن الخوف من العودة إلى السجن أشد من الموت نفسه، أفهم أن الإنسان أحيانًا لا يموت حبًا، بل يموت لأن الحياة بدونه لا تعود حياة.
لقد بحثت عن الحب كما يبحث الغريق عن النجاة، لا لأنها بالضرورة ستوصله للشاطئ، بل لأنها الشيء الوحيد الذي يمكن أن يُنقذه من الغرق الآن، وربما لهذا تمسكت بجنون واندفعت وتحدت العالم وماتت من أجله لم تكن ساذجة… بل يائسة، وهذا أسوأ وأصدق ما في الحب أحيانًا.
ومن هنا بدأ السؤال هل كان هذا حبًا حقيقيًا؟ أم وهماً نسجته روح مقموعة بحثًا عن الحرية؟ وهل نحن حين نحب "أحيانًا"، نحب الشخص ذاته؟ أم نحب المعنى الذي أعطاه لوجودنا؟ هل نتعلق به... أم بما مثَّله لنا؟
أعيش في مجتمع لا يختلف كثيرًا عن عالم جولييت، وما زلت أرى كيف تتمسك بعض النساء بعلاقات سامة فقط لأنها تشبه الباب الوحيد للخلاص، ومن تتعلق برجل فقط لأنه منحها قليلًا من الاهتمام لا لأنه يستحقها، بل لأنه جعلها تحس أنها مرئية لأول مرة، كم من فتاة أحبت وهمًا فقط لأن هذا الوهم منحها جرعة حرية؟ جولييت لم تكن تجهل هذا… لكنها اختارت الوهم، لأنها لم تجد الحقيقة.
هذا لا يجعل من حب جولييت لروميو وهمًا بالكامل، بل كان حبًا صادقًا لكن في زمن خاطئ، وظروف خاطئة، ومع شخص لم يكن مستعدًا لمواجهة العالم بنفس عمقها العاطفي.
وهذا يجعلني أفكر ربما، لو نشأت جولييت في بيئة أكثر حرية، أو لو عاشت في زمن آخر، لما أحبت روميو بهذا الجنون، ربما أحبته حبًا طبيعيًا، بل ربما كانت ستراه مغامرًا متهورًا لا أكثر.
تساءلت أيضا إن كانت جولييت ضحية الحب أم سيدة قرارها؟
وتوصلت للإجابة حين أفكر بجولييت، لا أراها ضحية روميو، بل ضحية مجتمع، ضحية صمت طويل، ضحية حلم لم يسمح له أن يولد، وحين أنظر إلى حبها، لا أراه حبًا نقيًا، بل أراه وهمًا جميلًا... وهمًا يشبه الحلم، لكنه ينهار أمام أول موجة من الواقع، وهذا ما يجعلني أراها لا ضحية حب فقط بل أيضاً بطلة حقيقية.
كانت تعلم أن موتها يعني النهاية، لكنها فضلت أن تموت وهي تختار، لا أن تعيش حياة بلا صوت، لم تمت من أجل روميو فقط، بل من أجل حريتها، من أجل صرخة أخيرة في وجه عالم لا يسمع.
رغم هذا قد لا تكون القصة بهذا التعقيد بل أبسط من ذلك، فاحيانا يكون الجمال بالبساطة.
القصة التي كتبها الشاعر ويليام شكسبير، ربما كانت القصة الأشهر سوداوية لكن لن يغير هذا من حقيقة أنها إحدى قصص الحب الأعظم.
سواء كان وهمًا أم حبًا، فستظل قصة روميو وجولييت جرعة للتفاؤل والحب والسعادة، وستبقى، رغم مآسيها وثغراتها قصة الحب الأفضل في الأدب العالمي، لأنها تمثلنا؛ تمثل ضعفنا الإنساني وتمثل لحظة نكسر فيها القيود ولو على حساب أنفسنا.