أسطوانات "الهيليوم" قنبلة موقوتة في محال ألعاب دار السلام

تصوير: مريم أشرف - حريق بسبب أسطوانات الهيليوم في محال ألعاب بدار السلام

كتب/ت مريم أشرف
2026-08-25 12:09:13

استيقظ حاتم محمود، أحد سكان حي دار السلام بالقاهرة، على مكالمة من صديقه يخبره بأن محل الألعاب الذي يعمل فيه صديقهما الثالث اشتعلت فيه النيران وتوفي إثر انفجار أسطوانة هيليوم.

لم يستوعب حاتم الخبر في البداية، وسارع إلى ميدان المطبعة بالحي حيث وقع الحادث، ليجد المحل متفحمًا وفقد صديق طفولته في حادث لم يتخيل يومًا أن تكون أسطوانة تُستخدم لملء البالونات سببًا فيه.

أسطوانات الهيليوم في محال ألعاب

في 11 أغسطس الماضي، اندلع حريق داخل محل ألعاب بالطابق الأول من أحد العقارات السكنية في ميدان المطبعة، عقب انفجار أسطوانة هيليوم. وأسفر الحادث عن وفاة عاملين بالمحل وإصابة ثلاثة آخرين، كما امتدت النيران إلى صيدلية مجاورة والطابق الأول من العقار السكني.

يعاني سكان حي دار السلام من انتشار محال الألعاب بالطوابق الأولى في العقارات السكنية، بما تحتويه من أسطوانات الهيليوم التي تستخدم في ملء البالونات، وألعاب نارية ومنتجات بلاستيكية قابلة للاشتعال، ما يفتح الباب أمام مخاطر لا تقتصر على العاملين داخل المحال، وإنما تمتد إلى سكان العقارات المحيطة.

محال الألعاب.. من فرح إلى كابوس!

يعرف محمود صديقه محمد منذ طفولتهما؛ عاشا في المنطقة نفسها، وبعد تخرجهما من المدرسة الثانوية الفنية، بدأ محمد العمل بائعًا في محل ألعاب، وكان محمود يزوره من وقت إلى آخر، ويراه وهو يملأ "البالونات" بغاز الهيليوم للزبائن استعدادًا لحفلات أعياد الميلاد أو الخطوبة وغيرها من المناسبات.

أسطوانات الهيليوم في محال ألعاب

كان المشهد، بالنسبة له، اعتياديًا؛ أسطوانة معدنية تُستخدم في ملء بالونات ملونة تضيف البهجة إلى المناسبات، لم يخطر بباله أن الأداة التي اعتاد رؤيتها بين يدي صديقه قد تتحول يومًا إلى سبب في وفاته.

يقول: "صديق طفولتي مات علشان كان بيستخدم أسطوانة هيليوم، كنت بشوفه طول الوقت بيستخدمها، ومكناش نعرف إن الأسطوانة دي ممكن تكون خطيرة للدرجة دي، أنا حزين، وفقدت شخص مهم في حياتي".

يوضح الدكتور ماهر عزيز، خبير الطاقة والبيئة والمناخ، أن الهيليوم في حد ذاته غاز خامل وغير سام، لكن مصدر الخطر الرئيسي يكمن في طبيعة تخزينه داخل أسطوانة مضغوطة، إذ يتراوح ضغط الأسطوانة عادة بين 200 و300 بار، بحسب نوعها واستخدامها.

أسطوانات الهيليوم في محال ألعاب 

ويقول لـ"صوت السلام": "تعرضها لارتفاع درجات الحرارة أو سقوطها قد يؤدي إلى تلفها أو انفجارها، فتتحول الأسطوانة تحت الضغط إلى جسم مندفع بقوة قد يتسبب في إصابات خطيرة أو يشعل حريقًا بالمكان".

وتتفق هذه المخاوف مع ما توضحه المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية (NIH) بشأن أسطوانات الغازات المضغوطة، ومن بينها الهيليوم، إذ تشير إلى أنها قد تمثل مخاطر تتعلق بالانفجار أو تسرب الغاز أو إزاحة الأكسجين، خاصة عند التعامل معها أو تخزينها بصورة غير صحيحة.

ولا يتوقف الخطر، بحسب عزيز، عند احتمالية انفجار الأسطوانة؛ لأن الهيليوم أخف من الهواء، وفي حال تسربه داخل مكان مغلق أو مساحة صغيرة يمكن أن يؤدي إلى إزاحة الأكسجين، بما يرفع خطر الاختناق. 

ويضيف لـ"صوت السلام" أن وجود أسطوانات مضغوطة داخل محال صغيرة تقع في مبانٍ سكنية يضاعف من حجم المخاطر، لأن أي حادث قد لا يقتصر على العاملين بالمحل، بل يمتد إلى السكان والممتلكات المحيطة، فضلًا عن الأضرار البيئية الناتجة عن الحريق وما يصاحبه من انبعاثات.

وهذا الخطر لم يبقَ بالنسبة إلى سكان ميدان المطبعة مجرد احتمال؛ فقد عاشت عفاف خالد، مقيمة بالميدان، لحظات من الذعر ليلة الحريق، بعدما تسبب الانفجار في تحطم زجاج نوافذ منزلها: "صوت الانفجار كان مرعب والعيال جالها هلع من شدة الصوت وتحطم الزجاج".

وبحكم دراستها في كلية العلوم، كانت عفاف تدرك أن الأسطوانة التي يستخدمها محل الألعاب ليست مجرد أداة لملء البالونات، وأن تخزينها في مثل هذا المكان قد يمثل مصدر خطر، لكنها، رغم معرفتها بطبيعة المادة، لم تتوقع أن يتحول هذا الخطر إلى حادث يصل تأثيره إلى منزلها.

وتقول عفاف: "أنا برفض إن محل الألعاب يرجع قريب من بيتي تاني، كان ممكن بيتي يحترق، وكان ممكن أكتر من عمارة تتحرق، لأن الانفجار كان ضخم، والمطافي أخدت وقت طويل، نحو 20 دقيقة، بتحاول تطفيه".

وتشير إرشادات منشورة عن شركة "تشجيانغ جيندون"، المتخصصة في تصنيع أسطوانات الغازات المضغوطة، إلى أن تخزين أسطوانات الهيليوم يتطلب إبعادها عن مصادر الحرارة وأشعة الشمس، وحفظها في ظروف مناسبة، مع وضعها في وضع رأسي وتأمينها لمنع سقوطها، وإبعادها عن المواد القابلة للاشتعال، فضلًا عن فحص الأسطوانات بصورة دورية واستخدام معدات الحماية الشخصية عند التعامل معها. 

نيران مشتعلة.. خسائر المحال المجاورة

لم تقتصر آثار الحريق على محل الألعاب الذي اندلعت فيه النيران، وإنما امتدت آثاره إلى الأنشطة والمحال المجاورة، مخلفةً خسائر مادية وخوفًا من تكرار الحادث. كان محمد حسن، صاحب مقهى مجاور بميدان المطبعة وأحد شهود الحريق، من بين المتضررين؛ إذ يقول إن النيران أتت على نحو 30% من المقهى، وأتلفت عددًا من معداته ومخزونه، بينما لا يزال نشاطه متوقفًا حتى الآن لعدم قدرته على تحمل تكلفة إعادة تأهيل المكان.

ويقول حسن إن الخسارة المادية ليست وحدها ما يمنعه من العودة إلى العمل؛ فما زالت آثار الحريق موجودة، وهو يخشى من أن تتحول بقايا المواد المحترقة إلى مصدر اشتعال جديد، خصوصًا مع عدم الانتهاء من إزالة آثار الحادث وتنظيف المكان.

يضيف: "أنا شوفت الموت بعنيا، الحريق وصل لنص القهوة. محل الألعاب موجود من سنين طويلة جنب القهوة، وكنا بنشوفهم بيملوا البلالين بغاز الهيليوم، مكنش عندي فكرة إن أسطوانة الهيليوم ممكن تحول حياتنا لجحيم بالشكل ده ونخسر أكل عيشنا".

أسطوانات الهيليوم في محال ألعاب

ولا يبدو وجود أسطوانات الهيليوم داخل محال الألعاب حالة استثنائية في المنطقة؛ بحسب جولة لـ"صوت السلام" في عدد من الشوارع الرئيسية بحي دار السلام، بينها شارع مصر حلوان الزراعي وشارع الفيوم وشارع الجسر البراني، رصدت قرابة 15 محل ألعاب تقع في الطوابق الأرضية من عمارات سكنية. 

وداخل المحال، وُجدت أسطوانة أو أسطوانتان تحتويان على غاز الهيليوم تُستخدمان في ملء البالونات الخاصة بأعياد الميلاد والمناسبات، إلى جانب ألعاب نارية ومنتجات بلاستيكية، بما يجمع في مساحة واحدة عدة مصادر محتملة للاشتعال.

وتتضاعف المخاوف عندما يتعلق الأمر بمحال تقع داخل مبانٍ سكنية، إذ لا يقتصر تأثير أي حادث محتمل على العاملين أو رواد المحل، وإنما يمكن أن يمتد إلى الوحدات السكنية والأنشطة المجاورة، كما حدث في حريق ميدان المطبعة.

ويؤكد أحد أفراد الحماية المدنية، الذي يعمل بنقطة إطفاء حي المعادي، باعتبارها أقرب نقطة تخدم دار السلام، وطلب عدم ذكر اسمه، أن التعامل مع الحريق استغرق نحو 20 دقيقة، واستلزم استخدام ثلاثة خراطيم إطفاء، مبينًا أن حجم التدخل المطلوب لا يتناسب مع طبيعة المكان باعتباره محل ألعاب صغيرًا، وأن مثل هذه الكميات من المياه ومدة التعامل، قد تُشبه ما قد يتطلب التعامل مع حرائق أكبر تمتد إلى عدة منازل.

ويشير المصدر إلى أن سرعة انتشار النيران وقوة الانفجار تعكسان وجود أكثر من مصدر للخطر داخل المحل، سواء من المواد القابلة للاشتعال أو نتيجة وجود غاز مضغوط، وهو ما أدى إلى اشتعال سريع للنيران واتساع نطاقها.

ويفتح ذلك سؤالًا آخر يتعلق بطبيعة الأنشطة المسموح بها داخل هذه المحال، والاشتراطات المفترض توافرها قبل تشغيلها في مناطق سكنية. ووفقًا لـ"منصة مصر الرقمية"، يتطلب ترخيص المحال العامة تقديم البيانات المتعلقة بنوع النشاط، إلى جانب الالتزام بالاشتراطات العامة الواجب توافرها في المحل، والصادرة عن اللجنة العليا للتراخيص.

بين الربح ومتطلبات السلامة

رغم الخطر الذي كشفه حريق ميدان المطبعة، لا يزال بعض أصحاب محال الألعاب يرون في أسطوانات الهيليوم والألعاب النارية منتجات يصعب الاستغناء عنها، بسبب ارتفاع الطلب عليها. ويوضح أحد أصحاب المحال، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أنه فكر بعد الحادث في التوقف عن استخدام الهيليوم أو بيعه داخل محله، لكنه تراجع عن قراره بعد أيام، بعدما اكتشف أن المنتج يحقق مبيعات جيدة، ولا يستطيع الاستغناء عنه في ظل اعتماده على المنتجات الأكثر طلبًا من الزبائن.

ويقول إن الألعاب النارية وبالونات الهيليوم من أكثر المنتجات مبيعًا في المحل، موضحًا أن طبيعة سوق ألعاب الأطفال تغيرت مع انتشار الهواتف الذكية، وأصبح كثير من الأطفال أقل اهتمامًا بالألعاب التقليدية، ما يدفع أصحاب المحال إلى الاعتماد على المنتجات التي تحقق مبيعات أعلى للحفاظ على نشاطهم.

لكن استمرار استخدام تلك المنتجات يضع سؤال السلامة في مواجهة اعتبارات الربح؛ لاسيما أن قانون المحال العامة رقم 154 لسنة 2019 ينص في المادة 24 على حالات يجوز فيها غلق المحال، من بينها مخالفة الاشتراطات المتعلقة بالسلامة والصحة المهنية والحماية المدنية. 

ويرى الدكتور مجدي صليب، خبير السلامة والصحة المهنية، أن المشكلة لا تتعلق بالهيليوم وحده، وإنما تبدأ من مرحلة الترخيص نفسها، إذ يرى أن بعض المحال تحصل على تراخيص دون مراجعة كافية لطبيعة المواد التي تستخدمها أو تبيعها، ودون وضع اشتراطات سلامة تتناسب مع كل نشاط وحجم المخاطر المرتبطة به.

ويضيف صليب لـ"صوت السلام" أن ضعف التفتيش على الأنشطة ذات الخطورة داخل المناطق السكنية يزيد من المشكلة، مشيرًا إلى غياب حملات تفتيش منتظمة من جهات السلامة والصحة المهنية في الأحياء لضبط الأنشطة التي قد تشكل خطرًا على السكان.

ويؤكد أن اشتراطات السلامة المهنية ليست إجراءات مجهولة أو يصعب تطبيقها، وإنما تستند إلى معايير تحدد كيفية التعامل مع المواد المختلفة، وظروف تخزينها، ودرجات الحرارة المناسبة، وطرق الحماية منها.

ومن جانبه، يوصي الدكتور ماهر عزيز، خبير الطاقة والبيئة والمناخ، بتجنب تخزين أسطوانات الضغط العالي داخل الأدوار الأرضية للمباني السكنية، وفي حال السماح بتخزينها، يشدد على ضرورة الالتزام باشتراطات التهوية، وتثبيت الأسطوانات لمنع سقوطها، وإجراء فحص دوري لها، إلى جانب تدريب العاملين على طرق التعامل الآمن معها.

وبينما يواصل بعض أصحاب المحال استخدام أسطوانات الهيليوم باعتبارها مصدرًا مهمًا للدخل، يعيش سكان دار السلام مع الجانب الآخر من المعادلة؛ خوف من تكرار حادث لم ينته أثره بانطفاء النيران.