حرق القمامة ملجأ الأهالي لتعويض غياب الصناديق

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت مريم أشرف
2025-10-30 13:26:33

يقتحم دخان أسود بشكل مفاجئ شقة زينب سعد، 66 عامًا، أدخلها في نوبة سعال متواصلة استمرت لدقائق، هرعت في أرجاء المنزل بحثًا عن مصدر الدخان، مخافة أن تكون الشقة تحترق، لكنها اكتشفت أن مصدره من الشارع، حيث يحرق أحد جيرانها قمامة منزله، ورغم إغلاقها لجميع منافذ المنزل، استقر أثر الدخان داخل الشقة، لتقضي زينب يومًا كاملًا في نوبات السعال المتكررة.

توضح زينب التي تقطن في شارع الفتح -أحد أهم الشوارع الحيوية في دار السلام ويضم 5 مدارس- أنها تعاني من التهاب رئوي مزمن، يتفاقم مع زيادة حرق القمامة في الحي: "أشعر وقتها باختناق طالبت من الجيران أكثر من مرة التوقف عن حرق القمامة، لكن دون جدوى، يلقون بالقمامة بسبب قلة الصناديق".

أزمات صحية تتفاقم مع الحرق

لا يقتصر الأمر على شقتها فقط، فالدخان الأسود يملأ منازل عدة في أحياء القاهرة تحديدًا دار السلام والمعادي، نتيجة لقيام بعض السكان بحرق مخلفات منازلهم في الشوارع أو المساحات الفارغة، بسبب محدودية تدخل عمال هيئة النظافة، وقلة صناديق القمامة، ما يدفع السكان إلى تحويل الأراضي الشاسعة إلى مكبات مؤقتة للنفايات.

ويشير الوضع إلى أن رسوم النظافة الشهرية، التي تُضاف على فاتورة الكهرباء وتصل إلى نحو 20 جنيهًا، لا تعكس خدمات فعالة، كما أن سيارات جمع القمامة التابعة للهيئة تتواجد بصورة غير دائمة في شوارع (حلوان الزراعي، الفيوم، المطبعة، أحمد زكي) دون غيرها، بنحو 10 سيارات تبعد عن النطاق السكني كيلومترًا، وفقًا لجولة ميدانية أجرتها "صوت السلام".

يوضح زيدان محمود، خمسيني، أحد جامعي القمامة التابعين للهيئة العامة لنظافة القاهرة في شارع الفتح، أن المشكلة الأساسية ترجع إلى الكثافة السكانية العالية، التي تتطلب عددًا أكبر بكثير من عمال النظافة لتغطية المنطقة بشكل منتظم. 

ويكشف لـ"صوت السلام" أن إجمالي عدد العاملين في الحي، بين جامعي القمامة ومسؤولي نظافة الشوارع، لا يتجاوز نحو 15 عاملًا فقط، وهو رقم لا يتناسب مع حجم الأعباء: "هذه الأوضاع تجعلهم يمرون على بعض الشوارع مرة واحدة في الأسبوع فقط، ما يدفع السكان إلى التخلص من القمامة بحرقها كحل بديل".

- يعد حرق القمامة مخالفة قانونية وفقًا لقانون إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020، الذي تحظر مادته رقم 20 الحرق المكشوف للمخلفات.

- تنص المادة 46 من الدستور المصري على حق كل شخص في بيئة صحية سليمة، وتُلزم الدولة بحمايتها والحفاظ عليها، ومنع الإضرار بها.

غياب الصناديق وقلة عمال النظافة

يقول الدكتور الحسين حسان، خبير التنمية المحلية، لـ"صوت السلام" إن مشكلة القمامة وحرقها تفاقمت خلال السنوات الماضية نتيجة غياب آليات واضحة للرصد، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الظاهرة.

لم يقتصر الأمر على دار السلام، إذ اشتكى سكان زهراء المعادي في منطقة المعراج من حرق المخلفات قرب المجمعات السكنية بسبب مقلب أسفل محور سعد زغلول.

وفي مايو الماضي، كشفت وزارة البيئة بعد رصد هذه الشكاوى، أن أحد المشروعات السكنية بالقاهرة الجديدة يتخلّص من مخلفاته بالحرق بين محمية وادي دجلة وطريق السخنة - الغردقة.

يشير الدكتور محمود عبد المجيد، استشاري الأمراض الصدرية، إلى أن حرق القمامة يصيب الشعب الهوائية بالضيق المزمن والانسداد الرئوي، نتيجة التعرض لكميات مرتفعة من الغازات السامة، مبينًا أن استمرار تعرض الإنسان لتلك المضاعفات تؤثر على القلب وقد تنتهي بالوفاة.

ويضيف لـ"صوت السلام": "يُعد ضيق الشعب الهوائية المزمن من الأمراض القاتلة والأولى عالميًا، نتيجة التغير المناخي والانبعاث المتكرر للغازات السامة، من حرق القمامة".

- التدخين وتلوث الهواء هما السببان الرئيسيان للإصابة بالانسداد الرئوي، الذي يُعد السبب الرابع للوفاة عالميًا، حيث تسبب في وفاة نحو 3.5 مليون شخص حول العالم في عام 2021.

- بحسب ورقة بحثية تواجه عمليات جمع ونقل النفايات ضعفًا كبيرًا في الكفاءة بمحافظة القاهرة، بسبب محدودية المعدات لدى شركة النظافة.

غياب حلول لإعادة التدوير

تحولت رائحة حرق المخلفات إلى جزء من صباح "حمزة خالد"، 25 عامًا، المقيم بشارع آسيا في دار السلام، إذ يشاهد الحرائق يوميًا أثناء مروره بشارع حلوان الزراعي -أحد الشوارع الحيوية التي تضم محطتي مترو وموقفي نقل عام- في طريقه إلى عمله بالمعادي.

يقول: "حتى إن كانت أكوام القمامة صغيرة، فإن دخانها يملأ الشارع ويخنقنا، وقد استنشقت هذا الدخان مرة فأصبت بسعال شديد طوال اليوم، واضطررت للذهاب إلى مستشفى تبارك لتلقي جلسة أكسجين".

جانب آخر للأزمة يوضحه محمد كمال، الخبير البيئي وأخصائي إعادة تدوير المخلفات، هو أن المخلفات البشرية تطورت في السنوات الأخيرة نتيجة تغيّر المواد الخام المستخدمة في المنتجات، مما أدى إلى انبعاثات أكثر ضررًا، لذا تؤثر على البيئة من خلال المواد الكيميائية السامة وتزيد احتمال إصابة الكائنات الحية بالسرطان.

ويشير لـ"صوت السلام" إلى أن لجوء السكان إلى حرق القمامة يعد "حلًا موروثًا وسهلًا"، يهدفون من خلاله إلى تجنب تراكم المخلفات ودخول الحشرات إلى منازلهم، بسبب قصور خدمات جمع المخلفات.

- وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تخلصت مصر من نحو 23 مليون طن من القمامة خلال عام 2023، وجاءت محافظة القاهرة في المرتبة الأولى كأكثر المحافظات إنتاجًا للمخلفات، بكمية بلغت 6.9 مليون طن خلال العام نفسه، تلتها محافظة الجيزة بإجمالي 2.8 مليون طن، أي ما يعادل أقل من نصف كمية القمامة التي أنتجتها القاهرة.

حرق القمامة

- تضم القاهرة نحو 8 مقالب رئيسية للقمامة، من بينها مقلب الوفاء والأمل، مقلب السلام، مقلب منشية ناصر، مقلب 15 مايو، ومقلب أبو زعبل، وتخدم هذه المقالب مليون و390 ألف و238 نسمة في القاهرة، بينما يبلغ عدد سكان حي دار السلام نحو 572,498 نسمة، وحي المعادي إلى حوالي 96,519 نسمة.

حرق القمامة

يتسق ذلك مع محاولات الأهالي إيجاد حلول لكن محاولاتهم غالبًا تصطدم ببطء استجابة الجهات المعنية، من بين هؤلاء والدة رقية نصر 26 عامًا، تقطن في شارع الفيوم بحي دار السلام، التي طلبت من ابنتها الاتصال بهيئة النظافة للإبلاغ عن تراكم القمامة أمام العقار، وما يتبعه من قيام السكان بحرقها. 

يُعد شارع الفيوم من الشوارع الحيوية في المنطقة، إذ يضم مجمع مدارس يضم سبع مدارس حكومية، إضافة إلى مكتب بريد، وسيارة بريد متنقلة، ووحدة صحية تخدم الأهالي.

وتروي رقية أن رائحة حرق البلاستيك باتت تملأ أركان منزلها، لذا اتصلت بالخط الساخن لهيئة نظافة وتجميل القاهرة (15264) منذ نحو شهرين، وقدمت أكثر من بلاغ عن تراكم وحرق القمامة، ورغم تكرار محاولاتها وتزويدها خدمة العملاء بكافة التفاصيل المطلوبة، لم تتلق سوى ردود مقتضبة أن المشكلة "ستُحل قريبًا".

تتشابه تجربة رقية مع غيرها من سكان الأحياء المتضررة، إذ يرسل بعضهم شكاوى للجهات الرسمية أو النواب، فيما يحاول آخرون إطفاء الحرائق بأنفسهم لتقليل الأضرار على أسرهم.

"لا تجمع الهيئة القمامة من السكان يوميًا" كان رد حسين محمد، مدير فرع الهيئة العامة لنظافة القاهرة في دار السلام، حيث رفض التعليق المباشر على الأزمة، مكتفيًا بذلك التأكيد.

وهنا يؤكد حسان، خبير التنمية المحلية، أن الإدارات المحلية لا تقوم بدورها في إدارة ملف القمامة، إذ تعاني منظومة الجمع التابعة لهيئة النظافة من مشكلات متكررة، كما تفتقر المحليات إلى آلية واضحة لفصل المخلفات بعد جمعها والتخلص منها بشكل قانوني: "ضعف التنسيق الإداري بين المحليات وجهاز إدارة المخلفات يفاقم من خلل المنظومة ويعطل فاعليتها".

الهيئة: "دورنا إزالة مخلفات الحرق"

حاولت "صوت السلام" التواصل مع الدكتورة مع منال عوض، وزيرة التنمية المحلية، عبر الهاتف وتطبيق "واتساب"، للاستفسار عن دور الوزارة في تقنين وحل أزمة حرق القمامة، لكن لم يصل أي رد حتى لحظة نشر التقرير.

في ديسمبر الماضي، واجهت لجنة الطاقة والبيئة بالبرلمان ممثل وزارة البيئة ياسر عبدالله بسبب "نقص صناديق القمامة وتراكمها في الشوارع خاصة بالأقاليم"، لكن الدكتور ياسر رد: "الوزارة لديها إنجازات في هذا الملف ورفعت معدل تدوير المخلفات إلى 40%".

أما حسين محمد، مدير فرع الهيئة العامة لنظافة القاهرة في دار السلام، أوضح أن الهيئة تتحرك فقط عند توثيق السكان لحالات حرق القمامة بالصور والفيديو وتقديمها لها، لتقوم حينها بالإبلاغ عن المتسببين لقسم شرطة دار السلام، بينما يقتصر دورها على إزالة مخلفات الحرق.

ويقترح حسان، إنشاء تطبيق إلكتروني يتيح للمواطنين توثيق وقائع الحرق والإبلاغ عنها لضمان تطبيق العقوبات، إلى جانب تطوير منظومة لتلقي الشكاوى والتوعية بفصل المخلفات وإعادة تدويرها. 

تواصل زينب ورقية وخالد حياتهم وسط دخان حرق القمامة، بين نوبات السعال وجلسات الأكسجين ومحاولات الإبلاغ التي لا تجد صدى، نتيجة غياب صناديق القمامة وقلة عمال النظافة، ما يؤدي إلى تراكم المخلفات واضطرار الأهالي لحرقها للتخلص منها.