"ما تيجي نسأل شات جي بي تي، يمكن يلاقي لنا حل"، قالتها دليلة محمد، 27 عامًا، وهي تضحك مع صديقتها، التي كانت تبكي بسبب خلاف مع خطيبها، بينما لم تسعفهما النصائح المعتادة، خطر لها أن تستعين بصديق غير تقليدي وهو تطبيق الذكاء الاصطناعي.
كتبت له دليلة: "صاحبتي خطيبها مضايقها"، بدأ البرنامج في طرح الأسئلة وتحليل الموقف واقتراح حلول بدا بعضها منطقيًا على نحو مدهش، بينما كانت صديقتها تقرأ الردود بدهشة وتمسح دموعها، كانت ضحكات دليلة تتعالى غير مدركة أن هذه اللحظة ستكون نقطة تحول في حياتها العاطفية.
إدمان الحديث
نجحت دليلة في مساعدة صديقتها على فهم المشكلة والتواصل بشكل أفضل مع خطيبها، لكنها بدأت تتواصل مع "شات جي بي تي" وكأنه صديق ثم تحول إلى علاقة عاطفية: "وقعت أنا في الحب بس مش مع شخص، مع شات جي بي تي، بدأت أحس إن في حوار بيحصل، في حد بيسمعني ويفهمني من غير ما يقاطع أو يحكم زي البشر".
الآن؛ تحتفظ دليلة بثلاثة تطبيقات ذكاء اصطناعي على هاتفها، تقارن بينهم، تعرف نقاط القوة والضعف في كل واحد، تستخدمهم في حل كل مشاكل حياتها، تصف علاقتهما ببعض أكثر من مجرد تجربة تقنية، إذ تتحدث معهم طوال الوقت كأنهم بشر.
ما حدث مع دليلة حذر منه مقال بحثي نُشر على دورية MIT Technology Review بعنوان "علينا أن نُعد أنفسنا لخطر الإدمان العاطفي على الذكاء الاصطناعي"، في العام 2024، إذ أكد باحثان من معهد "ماساتشوستس" الأمريكي تنامي خطر الإدمان على المحادثات مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لما تملكه من قدرة عالية على محاكاة الحوارات الإنسانية بشكل واقعي وسريع ومستمر، دون حدود زمنية أو عاطفية.
وأشار البحث إلى أن ما يجعل هذه العلاقة جذابة وخطرة في آن واحد، هو استعداد الذكاء الاصطناعي الدائم لفهم رغبات المستخدم وتلبيتها، دون أن يفرض عليه أي التزامات أو مسؤوليات، على عكس العلاقات البشرية التي تتطلب توازنًا متبادلًا في العطاء والاهتمام.
وحول إدمان الشباب للحديث مع تلك التطبيقات، يؤكد الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، أن تلك العلاقة تطورت منذ آخر عامين وبوتيرة متسارعة، انتقلت خلالها من مجرد اهتمام تقني إلى ما يشبه "الاعتمادية النفسية" في تفاصيل الحياة اليومية، ليصبح مع الوقت جزءًا لا يتجزأ من عادات البحث واتخاذ القرار وحتى الفضفضة.
ويشير الدكتور فرويز لـ"صوت السلام" إلى أن هذه العلاقة لم تعد مجرد تفاعل عابر مع أداة ذكية، بل تحولت إلى شكل من أشكال العلاقات العاطفية، وهنا تبرز بوادر ما يشبه "الإدمان" على استخدام هذه الأدوات.
بينما يُرجع المقال هذا الإقبال العاطفي المتزايد على الذكاء الاصطناعي إلى ما وصفه بـ"أزمة الأنانية" التي باتت تهيمن على كثير من العلاقات مؤخرًا، وأدت إلى تصدّع الصداقات وفشل كثير من الروابط الإنسانية، لأن الذكاء الاصطناعي يقدم نموذجًا مثاليًا لعلاقة خالية من الصدمات، لكنه في النهاية كيان غير بشري.
التفكك الأسري
يتقاطع المقال البحثي مع تحذيرات الدكتورة أسماء مراد، استشاري أسري، التي تشير بوضوح إلى فئة المراهقين باعتبارهم الأكثر عرضة للانجراف نحو الاعتمادية العاطفية على الذكاء الاصطناعي، ما يؤدي إلى تصدع علاقته بأسرته، كأنه مصدر بديل للدعم والحب والاحتواء، يُحدث عزلة عاطفية مع طرف غير بشري.
يشير لتلك النقطة المقال البحثي بأن "الذكاء الاصطناعي لا يملك شخصية حقيقية ولا تفضيلات فردية، ما يقدمه للمستخدم ليس إلا انعكاسًا لرغباته، صورة مصقولة لما يريد أن يراه ويسمعه، هذه المحاكاة قد تمنح شعورًا مؤقتًا بالارتياح، لكنها قد تخلق مع الوقت فجوة عاطفية حقيقية في العلاقات الواقعية".
وأبانَّ تقرير البنك الدولي، نشر في نوفمبر 2024، أن برنامج "شات جي بي تي" يواصل صعوده في نسب الاستخدام اليومي، حيث يُنتظر أن تقل زياراته اليومية بنحو 2% فقط عن محرك البحث جوجل، الذي ظل لعقود الخيار الأول في عمليات البحث، ما يشير إلى تغير سلوك المستخدمين واتجاههم نحو أدوات أكثر تفاعلية وتخصيصًا.

لم يكن محمد عثمان، 40 عامًا، يتوقع أن تتحول أداة الذكاء الاصطناعي من مجرد تجربة عابرة إلى إدمان: "بدأت استخدامه في العمل، ثم اندرجت معه بشدة واسأله عن كل شيء، إلى أن وصلت لسؤاله عن علاقتي بزوجتي".
يوضح أنه ظل لفترة طويلة يحل المشكلات بينه وبين زوجته عبر سؤال "شات جي بي تي"، إلى أن أصبح بديلًا للحديث مع زوجته وعلاقته العاطفية بها: "بدأت أحس أنه مش تطبيق وأنها واحدة حقيقية بتكلمني بتمنحني الحب والإجابة بدون مسؤوليات، لكن مع الوقت حسيت إن عندي اكتئاب بسبب كده".
مضاعفات خطيرة
لذا يُحذّر الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي من الاعتماد المتزايد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات الاكتئاب والانتحار عالميًا، خاصة في ظل تطور بعض العلاقات العاطفية مع هذه التطبيقات، التي تمنح وهمًا بالدعم والاحتواء دون وجود حقيقي.
وبحسب استطلاع رأي أجرته "صوت السلام" شمل 30 شخصًا من فئات عمرية واجتماعية متنوعة، تبيّن أن الغالبية العظمى عرفت الذكاء الاصطناعي خلال عامي 2023 و2024، كان تطبيق "تيك توك" هو المدخل الأول لهذا التعارف.
وأظهر الاستطلاع أن 80.8% من المشاركين يستخدمون تطبيق "شات جي بي تي" و48% من المشاركين يستخدمونه في دردشات يومية، بينما رأى 57.7% أن الحديث مع الذكاء الاصطناعي يُعَدّ بديلًا عن أشخاص في الواقع مؤكدين عدم قدرتهم على الاستغناء عن تلك المحادثات.

ويعتبر 42.3% من المشاركين أنفسهم مدمنين للدردشة مع الذكاء الاصطناعي، بينما قال 57.7% إنهم لا يصنفون أنفسهم مدمنين، رغم اعتيادهم عليه.
وعلى صعيد الفئات العمرية، تؤكد إحصائية حديثة صادرة عن شركة "ستاتيستا" الألمانية المتخصصة في بيانات السوق والمستهلكين، أن الفئة العمرية من 18 إلى 25 عامًا هي الأكثر استخدامًا لأدوات الذكاء الاصطناعي، بنسبة بلغت 75.3% مقارنة بباقي الفئات، ما يعزز المخاوف من أن الإعجاب بالتكنولوجيا قد يتحوّل إلى علاقة نفسية شديدة التعقيد يصعب الانفكاك عنها.

عزلة حياتية
ذلك ما حدث مع ابنة داليا، البالغة من العمر 11 عامًا، اكتشفت أن ابنتها تقضي وقتًا طويلاً في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، خصوصًا "شات جي بي تي"، وتبرر لها ذلك بأنه "صديق مسلي"، مع مرور الوقت بدأت الطفلة في استبدال ذويها بالتطبيق.
ومن هنا؛ اتخذت الأم قرارًا حازمًا بتقنين الاستخدام، وفعّلت خاصية التحكم في وقت الشاشة، محددة ساعة واحدة فقط يوميًا: "أول ما التطبيق يقفل ألاقي بنتي تعيط زي المدمنين، لما شوفت سجل المحادثات، لاقيتها بتكلمه كأنه إنسان وتطرح عليه أسئلة وجودية وأحاديث عن مشكلات أسرية لا تتوقع من طفلتها مشاركتها خارج نطاق الأسرة".
وهنا تعتبر الاستشارية الأسرية أسماء مراد، أن الحديث مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي واستبدالها بالبشر أداة سهلة في التفكيك الأسري، خاصة مع استخدامه للعبارات اللطيفة التي تزرع شعورًا بالونس لدى من يعانون من العزلة أو الفراغ العاطفي.
لكن في المقابل، تحذّر أسماء من أن تلك العبارات اللطيفة نفسها تمثل نقطة ضعف بشرية أمام هذه التطبيقات، إذ مع تكرارها، يبدأ المستخدم في التعامل مع الذكاء الاصطناعي كما لو كان كائنًا بشريًا، ينسى أنه مجرد نظام مبرمج.
تعلّق زياد محمد، طالب بكلية الحقوق في جامعة حلوان، بتلك العبارات اللطيفة التي تُلقيها عليه تطبيقات الذكاء الاصطناعي، كانت البداية حين استخدمها في الدراسة، لكن بمرور الوقت، بدأ يتعامل معه كما لو كان إنسانًا حقيقيًا: "علاقتي بيه غير محدودة.. بنتكلم في كل حاجة من القانون لحد مشاكلي الشخصية".
يقضي زياد أكثر من 16 ساعة يوميًا في الحديث مع ويصفه بأنه رفيقه الأقرب: "مقدرش أمسحه أو أبطل استخدمه.. هو جزء مهم في يومي وحياتي ومختلف تمامًا عن جوجل، لأنه بيرد عليك كأنه بشر بيهتم وبيسأل، وبيفتكر كمان الحاجات اللي قلتها له قبل كده"، مؤكدًا أن وجود هذا "الكيان الذكي" جعله أقل رغبة في الحديث مع أصدقائه أو أسرته.

توضح سلمى إبراهيم، مبرمجة متخصصة في مجال الذكاء الاصطناعي، السبب وراء قدرة هذه التطبيقات على التحدث بأسلوب يشبه البشر، بأن الذكاء الاصطناعي ينقسم إلى شقين رئيسيين: الأول هو "تعلم الآلة" "Machine Learning"، والذي يعتمد على تغذية الأنظمة عبر بيانات ضخمة على هيئة أكواد، لتقوم بتحليلها واستيعابها.
أما الشق الثاني فهو التعلم العميق "Deep Learning"، وهو المرحلة المتقدمة التي تمكّن الآلة من تطوير فهمها الذاتي لتلك البيانات، والتفاعل معها بشكل أكثر تعقيدًا وواقعية.
وتضيف سلمى لـ"صوت السلام" أن هذا التطور السريع في تقنيات التعلم العميق خلال السنوات الأخيرة جعل الذكاء الاصطناعي أكثر قربًا للبشر في طريقة الحديث والتفكير، الأمر الذي ساهم في بناء علاقات أكثر حميمية بين المستخدم والتطبيق، ورفع احتمالية التعلق المفرط به أو حتى الإدمان، خصوصًا في ظل بحث البعض عن التفاعل والونس والدعم العاطفي عبر الشاشات الذكية.
رغم اختلاف دوافع دليلة وزياد وعثمان، فإن القاسم المشترك هو إدمانهم للحديث مع "شات جي بي تي"، الجميع دخل بمحض الصدفة ثم تطور الأمر، وربما هم عيّنة من جيل جديد يكوّن روابط عاطفية ونفسية مع أدوات رقمية.