في سن الخامسة من عمري، سقطت من الطابق الرابع أمام مدخل البيت، لأفقد الوعي تمامًا وأظل في غرفة العناية المركزة لمدة 14 يومًا، لا أدري ماذا يحدث في الخارج، ومع الوقت والعلاج وقدرة الله -عز وجل- سارت رحلة علاجي في تلك المرحلة بنتائج إلى حد ما جيدة، لكنني تقريبًا حتى المرحلة الإعدادية لم يكن لدي رفاهية ممارسة أي أنشطة بدنية مرهقة، فضلًا عن أزمة التنفس المزمن لحين بداية رحلتي مع السباحة.
كتبت عن هذه الرحلة من قبل، لكنني هنا أود الحديث عن جانب آخر مما وجدته أيضًا كطفل وما اكتشفته مع مرور الزمن، عن جانبي الاجتماعي ورهابي.
فما مررت به، لم يترك آثاره الجسدية فقط عليّ، بل أيضًا مدّني ببعض الآثار التي تداخلت مع علاقاتي مع الآخرين.
سأبدأ من المرحلة الابتدائية، إذ ألحقتني أسرتي بالمدرسة حين أتممت السابعة من عمري، أتذكر وقتها أني كنت في داخلي أرغب بالفعل أن يكون لي أصدقاء، اعتقدت أن هذا هو المكان الذي أستطيع أن أقابلهم فيه، وإن كان لدي في داخلي بعض الخوف من الأشخاص.
ومع الوقت تعرفت على أصدقاء وكان لدي صديق مقرب في المرحلة الابتدائية، لكن بدا وكأنه الوحيد في دائرتي، لاحظت أن هناك آخرين ممن يضعون حدودًا بيني وبينهم، لم تتوسع دائرة أصدقائي كما رغبت في بداية المرحلة.
كانت مرحلة قاسية، شعرت وكأنهم يفرّون مني ولا يرغبون في اللعب معي، حتى كلما شاهدتهم يضحكون اعتقدت أنه موجه إلي، لكن الأمر تكرر في المرحلة الإعدادية.
طوال هذه السنوات، ظننت أن لدي مشكلة ولا أستحق الحب أو القبول، وأني غير مرئي ولا أحد يهتم بوجودي، وكانت هذه هي الأفكار التي تشغلني وتتكرر داخل ذهني أغلب الوقت.
"لأني انطوائي"، هكذا أخبرني أحدهم ذات مرة، لا أنكر أن هذا كان أحد المداخل التي لفتت انتباهي إلى أن رغبتي الداخلية قد لا تكون ظاهرة بشكل حقيقي على تصرفاتي الخارجية، لم أكن أعلم معناها بشكل واضح، لكنها عمومًا كلمة متداولة تقال على كل من لا يظهر في سلوكياته التفاعل مع الجماعات.
ما يعنيني هنا أني تأثرت، باتت تعاملاتي قليلة، وصرت لا أفضل التجمعات مع أهلي أو أصدقائي خوفًا من التعرض لموقف يحرجني أو يحزنني أو أشعر بالرفض.
باتت غرفتي مكاني المفضل، أقضي فيها معظم الوقت، في الثانوية، لاحت لي فرصة مختلفة وهي الانضمام إلى تدريبات "باشكاتب" في قلم المنصورة، قرأت الإعلان في البداية، تدريبات عن الصحافة والتحقق والتصوير، ينضم إليها شباب صغار.
وقررت الانضمام ومع كل خطوة شعرت أنني أرغب في تحدي خوفي، "قد تكون فرصة كي أزيل الرهبة بداخلي"، وبالفعل قدمت وقُبولت، لأبدأ في تجربة مختلفة تمامًا، ألقي فيها أصدقاء أتعرف عليهم ويشاركوني اهتماماتي.
يعتمد العمل عقب انتهاء التدريبات على النزول إلى الميدان لإنتاج قصص صحفية، وهذا معناه مقابلة أناس لا أعرفهم ولا علاقة لي معهم من قبل، لكن الخوف بدأ يزداد وهنا بدأت أقلق، وبدأت أطرح السؤال على نفسي: لماذا يستمر هذا القلق؟ وهنا اكتشفت أنني أعاني من "رهاب اجتماعي".
والرهاب الاجتماعي، هو نوع من أنواع اضطرابات القلق، يجعل الشخص يشعر بخوف شديد ومبالغ فيه من التفاعل أو الأداء أمام الآخرين، يجعله يخشى من التعرض للإحراج أو النقد أو الرفض، حتى في مواقف تبدو بسيطة مثل الحديث مع الناس أو الأكل أمامهم، وفقًا لموقع "مايو كلينيك".
ويشير الملف التعريفي بالرهاب الاجتماعي على الموقع الطبي المتخصص، إلى أن أعراضه تنقسم إلى أعراض نفسية وسلوكية؛ تتمثل في خوف شديد من التحدث أمام الناس، وتجنب المواقف الاجتماعية مثل الاجتماعات والمناسبات والرد على الأسئلة والقلق المسبق قبل الأحداث الاجتماعية والإحساس بالإحراج من أبسط المواقف وضعف الثقة بالنفس والشعور بالدونية.
أما الأعراض الجسدية، فتتمثل في: احمرار الوجه والتعرق الزائد ورعشة في اليدين أو الصوت وسرعة ضربات القلب وصعوبة في التنفس.
وهناك أيضًا أعراض فكرية، وهي التفكير الزائد في "الناس شايفين إيه؟"، أتوقع الأسوأ دائمًا التركيز المفرط على الأخطاء الشخصية.
كان لدي فضول أعرف هل هناك نهاية للرهاب الاجتماعي، وجدت أن مجرد الاعتراف به بداية الحل والصبر على رحلة التعافي التي قد تمتد لسنوات.
وعمومًا هناك عدة طرق للعلاج، أبرزها: العلاج السلوكي المعرفي "CBT"، إذ يعمل على تغيير التفكير السلبي وطريقة التفاعل مع الناس، وقد يحدد الطبيب أدوية مثل مضادات القلق أو الاكتئاب.
وما لفت انتباهي هو أن الشخص يحتاج إلى "التدرب على المهارات الاجتماعية" لتقوية الثقة بالنفس والتعامل مع المواقف، والتعرض التدريجي للمواقف المخيفة، مثل البدء بحديث بسيط مع شخص واحد ثم يتطور تدريجيًا.
يزداد ظهور الرهاب الاجتماعي في سن المراهقة أو بداية الشباب، ويزداد بالتجاهل، فمن يجد في نفسه الأعراض، فليأخذ أول خطوة ويبحث عن كيفية مواجهة هذا الموقف.. ويواجه، لا ينصح برفض التجمعات إلا في حال الإساءة أو التنمر، وعمومًا قد يكون الناس يحبوننا لكننا ببساطة لدينا رهاب.