من "الليلة الكبيرة" إلى القومي للمسرح.. رحلة "إسلام أحمد" مع الأراجوز

تصوير: محمود عبد الحميد - إسلام أحمد

تتعالى ضحكات الأطفال مع كل حركة للأراجوز، بينما يقف إسلام أحمد، 19 عامًا، خلف الستار، يحرك الدمية بخفة ويمنحها صوتًا يملأ المكان بالحياة، لا يرى الجمهور سوى الأراجوز وهو يمازح الصغار ويخطف انتباههم، لكن خلف هذا المشهد تختبئ رحلة طويلة بدأت بحلم طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره، وانتهت بشاب يحمل هذا الفن الشعبي إلى الأطفال في مختلف المحافظات.

هناك، وبين فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري المُقام في الفترة من 7 إلى 12 يوليو، يواصل إسلام؛ طالب كلية التجارة وأحد الشباب من ذوي الإعاقة البصرية، تقديم عروض الأراجوز ضمن الورش والأنشطة المصاحبة للمهرجان، مؤمنًا بأن الفن قادر على تجاوز الحواجز وصناعة أثر يبقى في ذاكرة الأطفال.

البداية.. الليلة الكبيرة صنعت الحلم 

يقول إسلام إن علاقته بالأراجوز بدأت في سن مبكرة بعد مشاهدته العرض الشهير الليلة الكبيرة: "كان عمري حوالي عشر سنوات، وكنت أشاهد الليلة الكبيرة، لكن أكثر ما جذبني فيها كان الأراجوز. ظللت أسأل نفسي: كيف يظهر؟ وأين يختفي؟ وكيف يستطيع أن يجعل الجميع يضحكون؟ منذ تلك اللحظة بدأت أبحث عنه، وشعرت أن هذا هو الفن الذي أريد أن أتعلمه".

لم يكن الطريق إلى تحقيق ذلك الحلم سهلًا، حتى علم بإقامة مهرجان للأراجوز ينظمه المركز القومي لثقافة الطفل بالحديقة الثقافية في القاهرة العام 2019، كانت تلك المحطة الأولى التي اقترب فيها من حلمه، وهناك وجد ما ظل يبحث عنه لسنوات.

ويروي تلك اللحظة، قائلًا: "هناك تعلمت تحريك الأراجوز، وصناعة العرائس، وكذلك صناعة الأمانة التي تمنح الأراجوز صوته المعروف وهي آلة صغيرة تشبه المزمار، شعرت وقتها أنني أخيرًا وجدت المكان الذي كنت أبحث عنه منذ سنوات".

وحين جاءت جائحة كورونا وتوقفت أنشطة كثيرة، لم تتوقف رحلة إسلام: "كان الجميع يشعر بأن الدنيا توقفت، أما أنا فكنت أراها فرصة لأتعلم أكثر، تدربت عبر الإنترنت مع لاعب الأراجوز الكبير سيد السويسي، وهو من أهداني زمارة الأراجوز، وكانت بالنسبة إليّ أغلى هدية، لأنها مثلت بداية احترافي الحقيقي".

من الأراجوز إلى خشبة المسرح

لم تتوقف رحلة إسلام عند تحريك الأراجوز وإحياء عروضه وسط تجمعات الأطفال، بل امتدت إلى خشبة المسرح، حيث تنقل بين عدد من التجارب الفنية التي صقلت موهبته ووسعت حضوره. شارك في عروض: "الليلة الكبيرة، صندوق، نظارة، أحلام شتوية"، كما وقف على خشبة دار الأوبرا المصرية مع المخرج وليد عوني، وشارك في احتفالية "قادرون باختلاف"، إلى جانب مشاركاته في فعاليات المهرجان القومي للمسرح بمحافظات الجمهورية خلال العام الماضي والحالي.

ورغم تنوع تلك التجارب واتساع المسارح التي وقف عليها، فإن إسلام لا يرى أن النجاح يُقاس بعدد العروض أو بأسماء المسارح، وإنما بما يتركه من أثر في قلوب الأطفال وعائلاتهم: "قد أقف على أكبر المسارح، لكن أكثر ما يسعدني أن أرى طفلًا يضحك من قلبه".

المنصورة.. جمهور يعشق الفن

ويتحدث إسلام عن مشاركته الأولى في المهرجان القومي للمسرح المصري بمدينة المنصورة بوصفها واحدة من أكثر المحطات التي تركت أثرًا في نفسه، مستعيدًا دهشته من تفاعل الجمهور مع كل لحظة في العرض: "فوجئت كثيرًا بتفاعل الجمهور، كان الأطفال متحمسين للغاية، كما تفاعل أولياء أمورهم مع كل لحظة في العرض، وشعرت أن المنصورة مدينة تعشق الفن حقًا".

وخلال تلك المشاركة، لم يلفت انتباهه تفاعل الجمهور فقط، بل ما لمسه من مواهب مميزة بين الأطفال من ذوي الهمم، مؤكدًا أنهم يمتلكون قدرات تستحق كل أشكال الدعم والرعاية.

ويؤكد أن عروض الأراجوز التي قدمها خلال المهرجان بالتعاون مع الفنان كريم الحسيني لم يكن هدفها مجرد تقديم الترفيه، وإنما خلق مساحة يشعر فيها الأطفال بأنهم جزء من التجربة، يشاركون فيها ويتفاعلون معها.

حلم جديد

ورغم ما حققه من خطوات على خشبة المسرح، لا يتوقف طموح إسلام عند العروض الفنية، بل يمتد إلى حلم جديد يجمع بين الفن والمعرفة. يتطلع إلى تقديم برنامج للأطفال يوظف فن الأراجوز في تعريفهم بتاريخ مصر وآثارها وتراثها، إلى جانب الثقافة والفنون، إيمانًا منه بأن المعرفة تصبح أكثر رسوخًا حين تُقدَّم في قالب ممتع.

ويقول: "أتمنى أن أقدم برنامجًا يعرّف الأطفال بتاريخ مصر وآثارها وتراثها، ولكن بصورة مختلفة من خلال الأراجوز، لأن الطفل يتعلم وهو مستمتع، وتلك هي أفضل وسيلة لغرس القيم والثقافة في نفوسه".

وبينما يعود إسلام إلى مكانه خلف الستار، يبقى الأراجوز في مواجهة الأطفال، يوزع الضحكات ويخطف انتباههم كما اعتاد. أما الحكاية الحقيقية، فتظل خلف تلك الدمية، حيث يقف شاب آمن بحلم صغير وتمسك به حتى أصبح رسالته في الحياة.

تصوير: محمود عبد الحميد - إسلام أحمد فنان