صاحبة أطول فانوس في المنصورة: "حاولنا المزج بين الإبداع والهوية"

تصوير: سلمى الهواري - أطول فانوس في المنصور

كتب/ت سلمي الهواري
2025-03-24 11:29:26

في زمن يمضي سريعًا نحو الحداثة، تبقى هناك أيدٍ تصرّ على نسج التراث بخيوط من الإبداع. من بين هؤلاء، تبرز داليا إبراهيم خليفة، مديرة إدارة النشاط الفني برعاية الطلاب في جامعة المنصورة، التي خاضت تجربة فريدة في إحياء أحد أبرز رموز رمضان.

كانت تجربة داليا مع الفانوس المصري، ولكن هذه المرة بحجم استثنائي، إذ صنعت أطول فانوس في المنصورة بارتفاع بلغ خمسة أمتار ونصف، ليصبح شاهدًا مضيئًا على ارتباط الحاضر بالماضي.

بداية الفكرة

لم تكن صناعة فانوس رمضان بهذا الحجم مجرد مبادرة فنية، بل كانت رؤية متكاملة تهدف إلى إحياء الهوية التراثية للفانوس المصري مع دمج لمسات من الحداثة.

جاءت الفكرة حينما كُلفت داليا بالمشروع من قِبل الدكتور محمد عطية، نائب رئيس جامعة المنصورة، حيث وجدت نفسها أمام تحدٍّ حقيقي يتطلب إبداعًا ودقة، خاصة مع اعتمادها على فريق عمل متميز.

تقول داليا: "أردنا اختيار عنصر يعكس الروح المصرية الأصيلة لشهر رمضان، ويجسد بُعدًا ثقافيًا واضحًا، فكان الفانوس هو الخيار الأمثل، لكن التحدي كان كيف نصنعه بطريقة تجمع بين الأصالة والحداثة؟".

انطلقت رحلة التصميم بالبحث في جذور الفانوس المصري، خصوصًا في العصر الفاطمي، عندما دخل إلى مصر وأصبح جزءًا أصيلًا من الطقوس الرمضانية بحسب داليا.

تضيف: "رغم التحولات التي طرأت على أشكاله عبر العصور، ظل الفانوس رمزًا خالدًا للشهر الكريم"، هذا ما سعت داليا وفريقها إلى استعادته، ليس فقط بإحياء تراثه، بل بإعادة تقديمه بحجم استثنائي، يروي حكاية رمضان بطريقة بصرية مبهرة.

تحديات التنفيذ

"حاولنا ألا يكون تنفيذ الفانوس مجرد عملية تصميمية، بل كان تحديًا هندسيًا وفنيًا يتطلب دقة وابتكارًا في كل خطوة"، تتحدث داليا عن مرحلة التنفيذ، حيث واجه الفريق صعوبات تتعلق باختيار الخامات المناسبة وطريقة التصنيع، خاصة مع الرغبة في الحفاظ على الطابع التراثي للفانوس، وتحديث المواد المستخدمة لضمان صلابته واستدامته.

تقول داليا: "كنا نريد أن يحتفظ الفانوس بروحه التقليدية، لكنه في الوقت نفسه يكون مصنوعًا من مواد حديثة تمنحه القوة والصلابة، ليصمد فترة طويلة دون أن يفقد هويته".

لتحقيق ذلك، استخدمت داليا مجموعة متنوعة من الخامات، أبرزها الفايبر جلاس، الزجاج الملون، الحديد، والألومنيوم، مع توظيف تقنية الحفر بالليزر لإضفاء دقة متناهية على الزخارف. 

كما جرى تصميم الفانوس بحيث يُقسَّم إلى ثلاثة أجزاء، ما سهّل عملية التصنيع والتجميع، وساعد في ضمان سهولة النقل والتركيب.

تضيف داليا: "استخدمنا خامات متنوعة ومزجنا بين التقنيات التقليدية والحديثة، كالحفر بالليزر، ليكون الفانوس انعكاسًا للتراث بلمسة عصرية، وحرصنا على أن يعكس كل تفصيل الحرفية العالية والدقة، وهو ما تحقق بمساهمة مدير المخيم الكشفي مجدي خالد الذي كان له دور أساسي في مراحل التنفيذ".

من بين التحديات الكبرى التي واجهها الفريق كان تحقيق التوازن المثالي بين الإضاءة وتناسق الألوان في الفانوس، خاصة أن الهدف الأساسي لم يكن فقط إنارته، بل جعله يشع بروح رمضان دون المساس بأصالته.

تقول داليا: "أردنا أن يكون الفانوس مضيئًا بروح الفوانيس التقليدية، لذلك لجأنا إلى استخدام الزجاج الملون، مع توظيف تكنولوجيا الإضاءة الحديثة، حتى نحصل على تأثير بصري جذاب دون أن نفقد الطابع التراثي".

ترى أن العمل على الفانوس كان تجربة ثرية بكل المقاييس، فلم يكن مجرد مشروع فني، بل رحلة تعلم وتعاون بين الحرفيين والطلاب: "اكتسب الجميع خبرات جديدة، ليس فقط في صناعة الفوانيس، بل أيضًا في تقنيات تشكيل المعادن والدهان، وكل مرحلة في المشروع حملت درسًا جديدًا".

نجاح المشروع

عندما اكتمل المشروع، كان تأثيره أبعد مما تخيلت داليا، سرعان ما انتشرت صور الفانوس على مواقع التواصل الاجتماعي، ليصبح نموذجًا ملهمًا لمشروع فني ينجح في المزج بين التراث والحداثة.

تقول داليا بحماس: "لم أتوقع هذا الكم الهائل من ردود الفعل الإيجابية، فوجئنا بحجم التفاعل والتعليقات التي أبدت إعجابها بالمشروع، البعض تحدث عن أهمية إعادة إحياء الحرف التقليدية، بينما ركز آخرون على التفاصيل الدقيقة التي حرصنا على الحفاظ عليها في التصميم".

لكن اللحظة الأكثر تأثيرًا بالنسبة لها كانت رؤية الفانوس مضيئًا في ساحة جامعة المنصورة، وسط الطلاب الذين تجمعوا حوله بانبهار. كان ذلك تتويجًا لجهود الفريق، ودليلًا على أن التراث ليس مجرد ذكرى من الماضي، بل ينبض بالحياة في الحاضر، ما دام هناك من يؤمن بقيمته ويسعى للحفاظ عليه.

أطول فانوس في المنصور