تقطع سيارة محمود خالد، سائق ميكروباص، طريق القاهرة أسوان الزراعي بسرعة جنونية وغير معتادة على الركاب، الذين بدا على أغلبهم علامات الخوف، من بينهم نادية عبدالستار، أربعينية، من سكان مركز ملوي بمحافظة المنيا، التي تفاجئت بالسائق وهو يبتلع مطبات الطريق دون تهدئة.
تقول لـ"المنياوية": "بدأنا ننتبه إلى أن السرعة زائدة عن الحد، والسائق لا يستعمل الفرامل وقت المطبات ويخرج عن حارته عدة مرات، وكنّا نتأرجح داخل السيارة، ورغم خوف النساء وظهور علامات التعجب والرعب على الركاب، لم يهدأ السائق من سرعته".
على اليسار وجدت نادية ميكروباص آخر وكأنه يحاول اللحاق بهم، وحين طالبت السائق بالتهدئة، أجاب بأنه في سباق الآن مع سائق آخر ولا بد أن يصل إلى موقف سيارات مركز ملوي أولًا كي يحصل على مكافأة الرهان وهي 1000 جنيه.
يخوض سائقو سيارات ميكروباص في موقف مركز ملوي رهانات غير قانونية، حيث يتنافسون للوصول إلى الموقف أولًا مقابل مبالغ مالية أقصاها ألف جنيه. هذه الرهانات تجعلهم يتجاوزون السرعة القانونية والقيادة بشكل متهور، دون العبء بأرواح الركاب، مما يعرض حياتهم للخطر، نتيجة سعي سائقون للفوز بالرهانات على حساب أمن الركاب.
انقلبت سيارة الميكروباص الذي ترتاده نادية في أثناء السابق بالقرب من قرية الروضة قبل ثلاثة أشهر، نتيجة السرعة الزائدة التي قاد بها السائق للفوز بمبلغ الرهان. أصيبت نادية بكسر حاد في فقرات الظهر ما تزال بسببه تعاني من صعوبة في الحركة.

طريق أسوان الزراعي
يعد القاهرة أسوان الزراعي واحد من الطرق الحيوية في مصر، حيث يمتد بمحاذاة نهر النيل ويمر عبر محافظات الصعيد وصولا إلى محافظة أسوان، ويبلغ طوله حوالي 880 كيلومتر.
كما يربط طريق أسوان الزراعي بين محافظة المنيا ومركز ملوي الذي يقع على جنوبها بمسافة 46 كيلو متر، ويعتبر الطريق الرئيسي لنقل سكان ملوي البالغ عددهم 969.245 نسمة، في وقت شهدت فيه المنيا 1.727 حادث خلال العام 2022 وفق تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الذي خلّص إلى أن السرعة الزائدة هي أبرز أسباب تلك الحوادث.
ضعف الرقابة
يعزو اللواء صفوت كامل، الخبير في مجال المرور، وجود مراهنات بين سائقي موقف ملوي إلى ضعف الرقابة، نتيجة لقلة عدد الرادارات على طريق أسوان الزراعي، موضحًا أنه إذا زاد عدد الرادارات، ستكون قادرة على رصد السرعات الزائدة والمخالفين أثناء الرهانات وتوقيع العقوبات عليهم.
يوضح لـ"المنياوية": "هناك نوعين من الرادارات، الأول هو الرادار الفعلي والثاني وهمي يستخدم لإخافة السائقين فقط، لكن وجود الرادارات وحده لا يكفي، حيث إن بعض السائقين ذوي الثقافة المتوسطة لا يلتزمون إلا في حال وجود لجان مرورية".

لماذا يخوض السائقين مراهنات؟
يكشف أحمد ياسر، سائق ثلاثيني، في موقف مركز ملوي، عن خوضه للمراهنات على الطريق السريع: "بنكون أكتر من سائق بنتفق أننا نراهن بعض ونحدد مبلغ مالي يأخذه الشخص اللي يوصل الأول عشان كدة بنسوق بسرعة على الطريق، ودي هدية للفائز".
يوضح السائق لـ"المنياوية" أن السباقات تكون في أثناء تحميل الركاب حتى يستطيع تنفيذ أكبر عدد من الرحلات يوميًا لزيادة دخله، مبينًا أنه يزيد من سرعته للوصول أولًا ورغم ذلك لم تقع عليه أي مخالفات في أثناء تلك الرهانات تخص زيادة السرعة، بسبب وجود رادار واحد على الطريق.
يؤكد ذلك، مينا يسري، أحد سكان ملوي ومرتادي طريق أسوان القاهرة الزراعي: "الطريق الزراعي بين ملوي والمنيا يحتوي على رادار واحد فقط، مما يجعل السائقين غير مبالين بالغرامات بسبب السرعة الزائدة".
كان مينا شاهدًا على إحدى السباقات، يقول: "أثناء عودتي من محافظة المنيا إلى مركز ملوي، كنت أركب سيارة ميكروباص، وكان السائق يقود بسرعة فائقة، وعندما تحدثنا معه، لم يكن يلتفت إلى كلامنا، نظرت من النافذة فلاحظت ميكروباص آخر يحاول اللحاق به".

يروي: "عندما طلبت منه تهدئة السرعة قال أنه لا بد أن يصل قبل السائق الآخر للموقف حتى يحصل على ألف جنيه قيمة الرهان بينهم، وأنا فقدت ثلاثة من أصدقائي في حوادث طرق على هذا الطريق لا سيما عند منحى قرية الروضة الذي لا يهدأ السائقون السرعة عليه مما يؤدي إلى حوادث مميتة مقابل حصولهم على مبالغ مالية زهيدة".
يحاول سمير جمال، سائق أربعيني، اللحاق بزملائه إلى الموقف للحصول على تلك المبالغ الزهيدة، لزيادة دخله الذي لا يتجاوز 7 آلاف جنيه في الشهر، ولا يكفي احتياجاته هو وأسرته الأساسية، لذا يحاول زيادة دخله بكل السبل المتاحة.
يوضح لـ"المنياوية": "الموقف به 100 سيارة ميكروباص ولازم نعمل رحلات أكثر عشان نكسب ونزود دخلنا، كل ما عملنا رهانات أو حققنا أكبر عدد من الرحلات بيزيد الدخل، في وسط الظروف الاقتصادية الصعبة على الكل".
كيف يتم الرهان؟
يتراوح الدخل الشهري للسائق مالك السيارة في موقف مركز ملوي بين 7 إلى 8 آلاف جنيه، بينما الذي يعمل على السيارة فقط ولا يملكها يكون متوسط دخله من 4 إلى 5 آلاف جنيه، مما يدفعهم لخوض رهانات الطريق بهدف كسب مبلغ الرهان، ويجعلهم يغامرون بتجاوز السرعات العالية للوصول في أسرع وقت دون الاهتمام بأرواح الركاب.
لكن مجدي البدوي، نائب رئيس اتحاد عمال مصر، لا يرى أن قلة الدخل الشهري للسائق مبررًا للاستخفاف بأرواح الركاب، مبينًا "المراهنات تعد انحرافًا غير قانوني وليس لها علاقة بضعف الدخل لدى السائقين، بل هي استهتار بالأرواح".

يقول لـ"المنياوية": "يمكن للسائق أن يحمل سيارته بعدد ركاب أكثر أو الامتناع عن دفع الكارتة، لكن قيامه بالمراهنة على السرعة الزائدة وتعريض حياة الركاب للخطر يعد انحراف في سلوكه، وهو أمر غير قانوني، ويجب تشديد الرقابة على الطرق والتوسع في وضع رادارات مراقبة السرعة الزائدة".
يحصل محمد فوزي، سائق في موقف ملوي، على 100 جنيه في السباق وأحيانًا يصل مبلغ الرهان إلى 1500 جنيهًا، مبينًا أن السباق قد لا يكون مقتصرًا على طرفين فقط، بل يشارك فيه أشخاص آخرون يراهنون على السائق الذي سيصل أولًا.
يوضح: "يدير الرهان طرف ثالث غير المتسابقين لتحديد من يصل أولًا ويستحق المبلغ المالي، والتميز بيينا يكون أن السباق يتم في أثناء تحميل الركاب، ولكن نتجاوز فيه السرعات العالية كي نصل في الموعد ونفوز بالرهان لكن لا نصطدم بالآخرين".
في حال اصطدام محمد أو أحمد وغيرهم من سائقي الموقف أثناء تلك الرهانات، فإن العقوبة ستكون على تجاوز السرعة، ولن تزيد عن الحبس 6 أشهر وغرامة لا تقل عن 300 جنيه ولا تزيد على 1500 جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وفق قانون المرور الجديد رقم 27 لسنة 2024.
أما إذا ارتكبت المخالفة للمرة الثالثة، فالعقوبة تصل إلى الحبس لمدة لا تزيد على سنة، وغرامة لا تقل عن 1000 جنيه ولا تزيد على 5000 جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، بحسب المستشار القانوني محمود الروبي لـ"المنياوية".

وتتساوى أغلب الغرامات مع مبلغ الرهان الذي يخوضه السائق، مما يعكس استهانة السائقين بالعقوبة، لذا يقترح اللواء صفوت كامل، الخبير المروري، ضرورة تشديد عقوبة السرعة الزائدة وفرض غرامات على السائقين، وإلزامهم بوضع صناديق تسجيل السرعة داخل السيارات.
بينما يؤكد المستشار الروبي، أن العقوبات الناتجة عن السرعة الفائقة تختلف بحسب الحالة، فإذا تسببت في إتلاف ممتلكات، تكون العقوبات المالية أكبر، وإذا ثبت أن السائق كان تحت تأثير المخدرات وأدى ذلك إلى وفاة أشخاص، فقد تصل العقوبة إلى الحبس.
أما فيما يخص مراهنات السائقين، يقول: "لا يوجد حتى الآن نص صريح يجرم المراهنات، ولكن تُتخذ حاليًا إجراءات للموافقة على مشروع قانون يجرم جميع أشكالها، سيقع كل شخص يشارك في المراهنات تحت طائلة القانون".
حتى يصدر قانون يجرم مراهنات السائقين بشكل صريح، يظل السائق سمير جمال يسابق الزمن والطرق، محاولًا تأمين دخل إضافي ولو كان الثمن أرواح الركاب، بينما تواصل نادية معاناتها مع الألم وصعوبة الحركة، تحمل في ذاكرتها لحظة انقلاب الميكروباص أثناء الرهان.
جميع أسماء الركاب والسائقين المستخدمة مستعارة بناءً على طلبهم وحفاظًا على هويتهم