المنيا.. عروس الصعيد "المنسية"

تصميم/ محمد صلاح

كتب/ت عمر عسران
2025-07-26 16:25:27

إن مررت يومًا بمحافظة المنيا، لا تكتفِ بالنظر إليها من نافذة القطار أو السيارة. توقف، انزل، اقترب، واسأل عن تل العمارنة، عن مقابر بني حسن، عن الشيخ نصر الدين، عن النيل حين يحتضن المدينة وقت الغروب، وستعلم حينها أن المنيا ليست فقط جوهرة الصعيد، بل هي قلب مصر النابض، الذي لم يُحتفَ به بعد.

حينما يُذكر اسم "المنيا"، تتبادر إلى الأذهان صور تقليدية لمحافظة في صعيد مصر، لا تحظى بما تستحقه من الاهتمام أو التقدير، لكن الحقيقة أن المنيا درة خفية وسط الجنوب، تحمل بين طياتها تاريخًا عظيمًا، وحضارةً ضاربة في عمق الزمن.

موقع ثريّ

تقع محافظة المنيا في قلب صعيد مصر، وتُعدّ همزة الوصل بين الوجه البحري والوجه القبلي، اسمها مشتق من الكلمة الهيروغليفية "منعت خوفو" أي "مُرضعة الملك خوفو" ما يدل على عمقها التاريخي الذي يمتد إلى الدولة القديمة.

ومنذ آلاف السنين، لعبت المنيا دورًا محوريًا في تاريخ مصر، بدءًا من العصر الفرعوني مرورًا باليوناني والروماني، وصولًا إلى الفتح الإسلامي وما تلاه من عصور.

وفي تل العمارنة، قامت واحدة من أعظم العواصم التي عرفها التاريخ: أخيتاتون، التي أنشأها الملك إخناتون ليكون فيها مركزًا لعبادته الجديدة لـ"آتون" إله الشمس.

هنا عاشت الملكة نفرتيتي، واحدة من أشهر نساء التاريخ، بجمالها وقوتها ودورها السياسي والديني. كانت تل العمارنة مهد ثورة دينية وثقافية، غيّرت وجه مصر القديمة مؤقتًا، وتركت خلفها آثارًا شاهدة على مجد لم يُقدَّر حق قدره حتى الآن.

كنوز منسية

تزخر المنيا بمناطق أثرية لا تقل أهمية عن الأهرامات أو الكرنك: منطقة "تونا الجبل" وفيها مقبرة "بيتوزيريس"، وسرداب "إيزادورا"، الفتاة التي ألهبت الأساطير بموتها غرقًا، و"بني حسن" حيث مقابر النبلاء المزينة برسوم فريدة توثق تفاصيل الحياة اليومية في مصر القديمة، "متحف ملوي" الذي استعاد عافيته بعد سنوات من النهب، وعاد ليحكي قصة حضارة منسية، "المنيا الحديثة" عمرانها المتوازن بين القديم والحديث، وكرم أهلها وطيبتهم التي لا تخطئها عين.

حيث يلتقي الفن بالتاريخ

ولا يمكن الحديث عن المنيا دون ذكر قصر ثقافة المنيا، ذلك المبنى الذي كان فيما مضى قصرًا لإحدى العائلات الأرستقراطية، وتحول إلى منارة للإبداع والفن، تقام فيه الأمسيات الشعرية والعروض المسرحية، ويخرج من بين جدرانه أصوات واعدة تعانق السماء.

ولأن الفن جزء من روح المنيا، خرج منها الشيخ نصر الدين طوبار، صوت السماء الذي أضاء قلوب المصريين في ليالي رمضان، بأدائه العذب وتواشيحه الخاشعة.

رغم هذا الزخم الثقافي والتاريخي، ما زالت المنيا تعاني من التهميش، ونقص الاستثمار السياحي، وعدم الترويج الكافي لما تحتويه من كنوز، قال لي أحد شباب المنيا: "نحن نسير يوميًا بجوار آثارٍ، لو كانت في أي دولة أخرى، لتحولت إلى قبلة للسائحين، لكنها هنا منسية كأنها لا تعني أحدًا".

ومن وجهة نظري كإنسان أحبّ هذه الأرض بصدق، وأتألم لأن العالم لا يراها كما يراها أبناؤها، المنيا ليست فقط حضارة، بل إحساس، وهوية، وتاريخ مكتوم في الصخر، ينتظر من ينفض عنه الغبار.