لم تكن سلمى تؤمن بالخرافات، وكانت تسخر دائمًا من تلك الحكايات التي يرددها الطلاب في أروقة الجامعة عن الأماكن الملعونة والأحداث الغامضة التي لا تجد تفسيرًا، بالنسبة لها، لكل شيء سبب منطقي، ولكل لغز إجابة يمكن الوصول إليها بقليل من التفكير.
لكن ذلك الإيمان بدأ يتصدع تدريجيًا منذ أن انتبهت إلى المقعد الموجود في آخر المدرج.
كان مقعدًا عاديًا للغاية؛ خشبيًا قديمًا أكلت أطرافه السنوات، وطلاؤه باهت لا يلفت الانتباه. ومع ذلك، كان فيه شيء غريب، شيء لم تستطع تفسيره. طوال أشهر الدراسة، لم ترَ أحدًا يجلس عليه، ولم يحدث أن وُضع فوقه كتاب أو حقيبة، وكأنه خارج حدود المكان، رغم وجوده في قلبه.
في البداية تجاهلت الأمر، لكن مع مرور الأيام بدأت تراقب. كانت تتابع الطلاب وهم يدخلون القاعة صباحًا، فتجدهم يختارون أي مقعد متاح إلا ذلك المقعد. حتى المتأخرون الذين يلهثون بحثًا عن مكان شاغر كانوا يتركونه خاليًا دون أن يلتفتوا إليه.
وحين سألت أصدقاءها عن السبب، لم تحصل إلا على إجابات مبهمة، وكأن السؤال نفسه يربكهم.
قالت لها ريناد ذات مرة، وهي تحدق في المقعد من بعيد:
"معرفش... حاسة إنه مش بتاعنا."
وضحك صديقهم يوسف قائلًا:
"يمكن مستني صاحبه".
وعندما سألته عن صاحبه، اختفت الابتسامة من وجهه للحظة، ثم قال:
"مش فاكر".
حتى عامل النظافة العجوز، الذي أمضى سنوات طويلة في الجامعة، هز رأسه عندما سألته وقال:
"من زمان وهو فاضي... يمكن من قبل ما أشتغل هنا".
كانت تلك الإجابات المبتورة تزيد فضول سلمى.
وفي صباح هادئ، وصلت إلى الجامعة قبل الجميع، كانت القاعة خالية إلا من صفوف المقاعد الصامتة، التي بدت وكأنها تنتظر بداية يوم جديد.
وقفت للحظات تتأمل المقعد في آخر المدرج، ثم ابتسمت لنفسها وهي تتقدم نحوه.
لم تكن تعلم أن تلك الخطوات القليلة ستفصل بين حياتها القديمة.. وحياة أخرى لن يتذكرها فيها أحد.
جلست.
انتظرت دقيقة.. ثم اثنتين.. ثم خمسًا.
لم يحدث شيء.
ضحكت من نفسها، وشعرت ببعض الخجل من خوفها غير المبرر.
لكن عندما بدأ الطلاب بالدخول إلى القاعة، بدأ ذلك الشعور المزعج يتسلل إليها ببطء.
مرت ريناد من أمامها مباشرة، دون أن تلقي التحية.
في البداية ظنت أنها لم تنتبه إليها، فرفعت يدها ولوحت لها، لكن ريناد أكملت طريقها نحو أحد المقاعد الأمامية وجلست.
حاولت سلمى مناداتها، إلا أن صوتها بدا وكأنه يضيع في الفراغ.
شعرت بانقباض خفيف في صدرها.
وبعد انتهاء المحاضرة، أسرعت نحو صديقتها.
"ريناد".
لم تلتفت.
"ريناد!"
كانت الفتاة تسير وكأنها وحدها في الممر.
قضت سلمى بقية اليوم تحاول إقناع نفسها بأن ما حدث مجرد سوء فهم، لكن في المساء لم تتلقَّ ردًا على أي رسالة أرسلتها.
وفي اليوم التالي، اختفت صورتها من المجموعة التي تجمعها بأصدقائها على الهاتف.
وعندما سألتهم من حساب آخر، أجاب أحدهم متعجبًا:
"مين سلمى؟"
شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
بدأ الخوف الحقيقي حين عادت إلى منزلها.
دخلت غرفتها، فوجدتها كما تركتها.
لكن أمها، التي كانت تعد الطعام في المطبخ، لم تنتبه إلى عودتها.
وقفت أمامها مباشرة، تحدثت إليها، صاحت باسمها، ولوحت بيديها، لكن المرأة واصلت عملها بهدوء، وكأن الهواء وحده هو الذي يتحرك أمامها.
لأيام طويلة، ظلت سلمى تبحث عن تفسير.
راجعت المستشفى خوفًا من أن تكون مريضة نفسيًا، لكن الطبيب لم يرها.
ذهبت إلى قسم الشرطة، لكن الموظف مر بجوارها دون أن يرفع رأسه.
كانت موجودة.
ترى الجميع.
وتسمع الجميع.
لكن أحدًا لم يعد قادرًا على رؤيتها.
وفي إحدى الليالي، بينما كانت تتجول في مكتبة الجامعة الخالية، لفت انتباهها كتاب قديم سقط من أحد الأرفف.
وعندما فتحته، انزلقت من بين صفحاته ورقة صفراء مجعدة.
كُتب عليها بخط مرتجف:
"إذا جلست على المقعد الأخير، فتمسك باسمك جيدًا... إنه أول ما تفقده."
ارتجفت يداها وهي تكمل القراءة.
أسفل الجملة كانت قائمة طويلة من الأسماء؛ بعضها واضح، وبعضها الآخر يكاد يختفي.
وبين تلك الأسماء، لمحت اسم طالب اختفى منذ سنوات في ظروف غامضة، وكانت الجامعة لا تزال تتداول قصته حتى اليوم.
ثم وجدت فراغًا في نهاية القائمة..
فراغًا بدأت تظهر فيه حروف جديدة.
س..
ل..
م..
ى..
أسقطت الورقة من يدها.
في تلك اللحظة أدركت أن الأمر لم يكن لعنة مرتبطة بالمقعد...
بل بالنسيان نفسه.
المقعد لم يكن يبتلع الأشخاص، بل يمحوهم من ذاكرة العالم تدريجيًا، حتى يصبحوا غرباء عن كل شيء..
ثم غرباء عن أنفسهم.
ركضت نحو القاعة للمرة الأخيرة.
كان المدرج خاليًا كعادته.
والمقعد ينتظر في آخره بصمت مخيف.
اقتربت منه، ولمحت على سطحه عشرات الأسماء المحفورة بعناية.
أسماء أصحاب القائمة جميعًا.
وكان اسمها آخرها.
مدت يدها تتحسس الحروف، لكنها توقفت فجأة.
لسبب لم تستطع فهمه..
لم يعد الاسم يبدو مألوفًا لها.
قرأت الحروف أكثر من مرة.
شعرت أنها تعرف هذا الاسم، وأنه يخص شخصًا مهمًا...
لكنها لم تعد تتذكر من يكون.
تراجعت خطوة إلى الخلف..
ثم خطوة أخرى.
وفي تلك اللحظة، فهمت أن النهاية قد وصلت.
لم تعد تتذكر اسمها.
لم تعد تتذكر وجه أمها.
ولا صوت ريناد.
ولا سبب وجودها في هذا المكان.
نظرت حولها بحيرة، كأنها تستيقظ للمرة الأولى داخل عالم لا تعرفه.
ثم استدارت وغادرت القاعة ببطء.
ومنذ ذلك اليوم، ظل المقعد فارغًا..
أو هكذا كان الجميع يظنون.
لأن أحدًا لم يكن يتذكر أنه لم يكن فارغًا دائمًا.