الوصفة السحرية

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت نورهان عبد الرحمن
2026-06-20 10:00:00

بدأ الأمر كدعاية غريبة لمنتج جديد غزا الأسواق يدعى "التحول"، كانت العبوات زجاجية قاتمة، وعليها تحذير غريب يزعم أن من يتجرع عشر زجاجات منها سيفقد هيئته البشرية ويتحول الى حيوان!

كنت أقف مع أصدقائي في الساحة حين باغتني عمر بوجهه الشاحب ونظرته الجادة: "لا تستهزئوا يا رفاق، سمعت أن هناك من اختفوا بعد أن جربوا هذا المشروب.. إنها ليست مجرد خرافة، إنها حقيقة!" ضحكت بصوت عالٍ حتى سعلت، وقلت بتهكم: "حقيقة؟ يا عمر نحن في القرن الواحد والعشرين! سأثبت لك الآن أن عقلك يحتاج لإعادة ضبط"، اتفقنا أنا وزملائي الأربعة على التحدي.

 اشترينا صناديق المشروب، وبدأنا في تجرعها أمام عمر الذي كان ينظر إلينا برعب حقيقي، شربنا الزجاجه الأولى، الثانية.. وصولًا إلى العاشرة، انتظرنا ساعة… ساعتين، ولم يتغير شيء سوى أننا شعرنا بامتلاء بطوننا. 

نظرت إلى عمر وبسمة ساخرة على وجهي وقلت: "مااااء.. مااااء.. أنقذني يا عمر لقد أصبحت خروفًا!" انفجر الجميع بالضحك، وتركنا عمر واقفًا وحده يرتعد، وعدت إلى منزلي وأنا أشعر بنعاس غريب وثقيل، فرميت جسدي على السرير وغبت في نوم عميق.

 استيقظتُ والشمس تلسع وجهي بحرارة غير معهودة، حاولت أن أفرك عيني بيدي، لكنني شعرت بشيء صلب وقاس، فتحتُ عيني بذعر.. أنا لست في غرفتي! أنا في زاوية من أرض خالية محاطة بسور خشبي، حاولت الوقوف، فتعثرت بأطرافي الأربعة!، صرخت طالبًا النجدة، لكن ما خرج من حنجرتي كان "ثغاء" خروف يرتجف، في تلك اللحظة، سمعت صوتًا مألوفًا يصرخ بذعر خلفي: "يا عامر! يا عامر! أين نحن؟" التفتُ لأرى بقرة ضخمة تنظر إلي بعيون دامعة وتتحدث بصوت صديقي زياد.

  تراجعت للخلف وقلت بذهول: "زياد؟ هل تحولت إلى بقرة؟" رد علي وهو ينتحب: "انظر لنفسك يا عامر.. أنت أصبحت خروفًا صوفه أبيض كثيف!"، لم تكد الصدمة تستقر في عقلي حتى رأيت بقية الرفاق: جمل ضخم ينظر إلينا ببلادة هو صديقنا "خالد"، ومعزة تصرخ بهستيريا هي "مروان"، لقد وقعت اللعنة، وتحولنا جميعاً إلى قطيع من الماشية!.

 قررنا أن نهرب من تلك الحظيرة قبل أن يحل بنا مكروه، انطلقنا نجري في الشوارع وسط ذهول المارة الذين رأوا بقرة وخروفًا وجملًا ومعزة يركضون بتناغم غريب،  وصلنا إلى منزل عمر، وكان يستعد للخروج، اندفعنا نحوه ونحن نصرخ: "عمر! نحن أصدقاؤك! ساعدنا!"، توقف عمر، شحب لونه، وسقط منه مفتاح منزله، لسبب ما، كان عمر الوحيد الذي يستطيع سماع أصواتنا البشرية خلف نهيقنا وثغائنا.

 نظر إلينا بعيون متسعة رعبا وهمس: "مستحيل.. عامر؟ زياد؟ خالد؟ مروان؟ ماذا فعلتم بأنفسكم؟"، لم يحتمل عقله المنظر، فترنح وسقط مغشيًا عليه في مدخل منزله، بعد أن أفاق عمر من إغمائه ووجدنا نحيط به، بدأ يستوعب الكارثة، كان الموقف مرعبًا  ومضحكًا في نفس الوقت؛ تخيلوا عمر وهو يحاول إخفاء:جمل، وبقرة، وخروف، ومعزة، في حديقة منزله الخلفية!. 

بدأ عمر يقرأ لنا كل الأبحاث المنشورة عن مشروب "التحول" عبر الإنترنت وهو يرتجف: "يا شباب، المكتوب هنا إن مفعول المشروب يزول فقط إذا شربتم مصل معينًا موجودًا في المصنع، أو إذا مر العيد وأنتم أحياء!"، حاول عمر أن يهرب بنا إلى خارج المدينة، لكن سوء حظنا كان أسرع، في الطريق استوقفتنا لجنة من البلدية، وبسبب ارتباك عمر، ظنوا أننا حيوانات هاربة أو مسروقة، فتمت مصادرتنا وتسليمنا لتاجر مواشي كبير.

وهنا بدأت الكارثة الحقيقية! انتهى بنا الحال مقيدين في سرادق كبير مليء بالحيوانات، والجزار "المعلم حنفي" يمر بيننا يجس لحمنا بيده الخشنة، نظر المعلم حنفي إلي -أنا الخروف عامر- وقال لزبونه: "شوف يا سعادة الباشا، الخروف ده صوفه أبيض زي القشطة ولحمه فاخر، ده مناسب في العيد!"، بمجرد أن ابتعد الجزار، سمعت صوت "زياد" -البقرة- وهو يهمس لي بضحكة مكتومة: "سمعت يا عامر، والله وطلعت صنف فاخر يا خروف أفندي، بس يا خسارة، هتتاكل بالفتة والصلصة!".

 رددتُ عليه بـ "ثغاء" غاضب: "اسكت يا زياد! على الأقل أنا خفيف وهروبي سهل، أنت ما شاء الله بقرة محتاجة ونش عشان يحركك، الجزار بيبص لرقبتك وكأنه بيبص لصينية رقاق باللحمة المفرومة!".

 تدخل صديقنا الثالث -الجمل- وقال بصوت رخيم: "بطلوا نقار يا جماعة، أنا اللي واكلها في عضمي، الجزار بيقول علي "لحمة جملي" بتاخد سوا كتير، يعني هقعد على النار أكتر منكم!".

 نظر إلينا مروان -المعزة- نظرات رعب وقال وأسنانه تتخبط في بعضها: "الراجل قال هيعمل مني معزة مشوية على الفحم.. تفتكروا هيبقي طعمي حلو؟"، ضحكنا جميعًا رغم الرعب، وقال زياد: "تخيلوا لو متنا ودخلنا بطون الناس، هيفضلوا يسمعوا صوتنا بننادي على عمر من جوه بطنهم!".

 في ليلة العيد، ظهر عمر فجأة من خلف السرادق! كان يرتدي ملابس عمال النظافة لكي لا يلاحظه أحد، اقترب منا وهو يهمس: "يا شباب، استعدوا.. سأقوم بفك الحبال الآن. بمجرد أن أفتح الباب، اركضوا كـ "الإعصار".. عامر، أنت ستنتطح أي شخص يقف في طريقنا، وزياد، أنت اكتسح كل شيء أمامك، وخالد سيكون وسيلة الهروب السريعة لي!"، نظرنا لبعضنا بنظرات حماسية، فك عمر الحبال، وصرخ قائلا: "الآن!!"، انطلقنا في شوارع المدينة، خروف ينطح الطاولات، وبقرة تجري بسرعة خارقة وتراوغ السيارات، وجمل يحمل عمر على ظهره وهو يصور المشهد بهاتفه ويصرخ: "أسرعوا يا شباب، مفعول المشروب بدأ ينتهي!".

بينما كنا نجري بأقصى سرعة، بدأ جسدي يرتجف، الصوف بدأ يختفي، وقوائم زياد بدأت تتحول لأرجل بشرية وهو لا يزال يجري بملابسه الممزقة،  وفجأة.. بوووم!، سقطنا جميعًا في وسط ساحة كبيرة مزدحمة بالناس، لنكتشف أننا عدنا بشرًا تمامًا!، لكن يا ليتنا لم نعد في تلك اللحظة.. نظرنا حولنا، والناس ينظرون إلينا بذهول لا يوصف، تخيلوا المنظر: أربعة شباب شبه عراة، يلهثون في وسط الساحة، وزياد لا يزال يصرخ : "أنا لست بقرة.. لا تذبحوني!".

أما عمر فقد كان لا يزال فوق ظهر "خالد" الذي تحول فجأة من جمل إلى شاب ضخم، فوقع عمر فوقه بطريقة مضحكة، هربنا ونحن نغطي أنفسنا بأي شيء وجدناه، بينما انتشر الفيديو الذي صوره عمر ليصبح "التريند" الأول عالميًا تحت عنوان: "معجزة العيد: الماشية البشرية"، ومنذ ذلك اليوم، كلما رآنا عمر، يخرج زجاجة ماء ويقول بجدية: "تشربون؟"، فنركض جميعًا ونحن نصرخ: "ماااااء.. لاااااا!"، ونقسم أننا لن نشرب حتى "العصير المعلب".