إلى أين؟

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت يارا سليمان
2025-08-15 19:00:05

 حينما توفي والديّ في حادث، رحل معهم كل شيء. شعرت وكأن الزمن توقف، وتمنيت لو أستطيع أن أفتح عيني، فأجده حلمًا، أن أستيقظ منه وأجدهما مرة أخرى في منزلنا، أن أسمع مغامراتهما أثناء العمل، أن يظلا مصدر أماني الذي يعطيني الأمل والقوة في هذه الحياة.

اسمي عمر، وعندي 10 سنوات، قبل رحيل والديّ كنّا نسكن منزلًا جميلًا. بعدما أعود إليه من المدرسة يوميًا أهرع إلى أبي، كان أبي يحب أن يسرد القصص عليّ، وكنت أحب أن أسمعه، لكني كنت أريد أن أشاركه الحكيّ أيضًا، وكان الأمر محبطًا لي في البداية لأن مدرستي لم يكن فيها الكثير من التفاصيل التي أستطيع أن أشاركها، حتى تعرفت على الحاج عمران، صاحب الكشك المجاور لمنزلنا، يحكي لي عن مغامراته في القرية التي نعيش فيها، لأعود واحكيها لأبي وأشاركه حبه للقصص والمغامرات.

لكن حينما فقدت أسرتي، رحل معهم كل شيء، حياتي وذكرياتي. وجدت نفسي في عربة ذات نوافذ سوداء، تنقلني من منزلي، قررت وحدة الأيتام أن يرعوني، وهذا بسبب أنه ليس لدي أحد يرعاني، بالإضافة إلى أني صغير على رعاية نفسي.

كان عمران أول من عرفتي على مبنى (وحدة الأيتام)، وعلمت منه أن الأطفال الذين يفقدون عائلتهم وليس لهم أفراد يرعونهم يسكنون هذه الدار. لم يكن عمران يتحدث عن الدار بنفس حماسه عن باقي الحكايات، ينسج خياله مع الحقائق عما يحدث داخل المكان وأطفاله وعماله. وقد لاحظت أن سكان قريتي أيضًا لديهم نفس التخبط في رؤيتهم للدار وأهله. 

بدأت ألتفت إلى الدار التي كان غطتها الستائر البيضاء عكس ما اعتادت عليه نوافذ منازل القرية التي غطتها الستائر سوداء اللون. كان اللون مقبضًا يجعلك تشعر أن هذه المنازل ليس بها سكان، ومنازل أخرى بالفعل ليس بها سكان، تشعر أن كل منزل كان له قصة وانتهت بطريقة غامضة.

من كثرة الحكايات حول (وحدة الأيتام) تمنيت ألّا أفقد أهلي، خشيت أن أكون وحيدًا ليس لي أحدًا، لكن ليس كل ما يتمناه الفرد يدركه. 

المبنى كبير جدًا وضخم، تشعر أنك جالس في قصر. بينما تبقى أجزاء منه بالطوب الأحمر يغطي اللون الأبيض أجزاء أخرى فيه. شكل المبنى من الخارج يوحي وكأنه على وشك السقوط، أما رائحته فتذكرك بالكتب القديمة المتهالكة من كثرة القراءة. 

يقبع المكان وحيدًا في منطقة نائية جزئيًا عن العمران، يحيطه اللون الأخضر (الزراعة) والأصفر (الجانب الصحراوي). أبوابه قديمة ومتهالكة، كما أثاثه، ولكن كان هذا الشعور مؤقتًا في البداية. كان لدي تساؤل قديم: لماذا اختلفوا عن سكان القرية واستخدموا الستائر البيضاء؟ عرفت وقتها أني سأكون مثل هؤلاء الناس الذين يمتلكون قصة لا يعلمها إلا صاحبها. 

أول لما انتقلت شعرت أني وحيد تمامًا رغم أن المكان مرح ومزدحم. خشيت أن يعاملني المسؤولين عن الدار بجفاف مثل الحكايات التي كنت أسمعها سابقًا، لكني وجدت الأمر مختلفًا تمامًا. كان مدير الوحدة، ذو ملامح حادة، حينما تنظر إليه تظن أنه غاضب، لكن بمجرد أن تتعامل معها تجد قلبًا طيبًا حنونًا. 

أدركت أن أتمهل في الحكم على الأفراد، فالآلة الحادة التي كان يمسكها مثلًا وأراه يتجول بها، لم تكن إلا كأداة يستخدمها في زراعة أزهار الياسمين لأنها تذكره بأمه الطيبة كما حكى لي في إحدى الجلسات. حاول مدير الدار جاهدًا أن يحتويني لكي لا أشعر بالوحدة أو النقص حتى اعتدت على المكان.

أكتشفت أن السبب الذي يجعل وحدة الأيتام يغيرون الستائر من اللون الأسود إلى اللون الأبيض؛ كانوا يريدون أن يقولوا للمجتمع أن هؤلاء الأطفال سيبدؤون حياة جديدة مليئة بالتفاؤل والأمل على عكس هؤلاء الأشخاص الذين يخشون المستقبل.

ذهبت أيضًا لمدرسة جديدة بعيدة عن القرية، ولكن قريبة من الدار، المدرسة بها أشياء جميلة ومتنوعة، في ثاني يوم لي بالمدرسة وجدت الأطفال يقتربون مني ليتعرفوا عليّ وحينما أخبرتهم أني من الدار، شعرت أنهم ينظرون لي نظرات شفقة، ولكن مع مرور الأيام اعتادوا الأمر وأصبحنا أصدقاء. كنت أذكر نفسي دائمًا أني لن أستطع أن أغير نظرات المجتمع لي، لكني متقبل الأمر وسأجد من ينظر لي كعمر وليس فاقد الأبوين، والأجمل من هذا أنه أصبحت لي أخيرًا مغامراتي الخاصة التي أحكيها للحاج عمران.

كما أصبحت الطبيعة هي مهربي من المجتمع  التي تستقبلني في أي وقت، تحتضني بهوائها النسيم وأزهارها المتنوعة التي تجعلني أشعر بالسعادة رغم الحزن، وأصبح لي شجرة صغيرة بحديقة الدار أرعاها كل يوم. رغم أنني لازلت أبحث عن الأمان، إلا أنني راضٍ وبكل حب.