يتسلل ضوء الشمس الخافت ليعانق سطح الماء في ساعات الصباح الأولى، بينما يمدّ حازم شعبان، مراكبي، يده بثقة ليشدَّ شراع مركبه العتيق على ضفاف النيل بمدينة أسوان، وتبدأ الرياح في حمله إلى أبعد نقطة في النهر. يبحر بثبات، متمسكًا بحرفته التي ورثها عن أجداده، ويكافح من أجل لقمة العيش التي ينقُلها بحب على ظهر مركبه البسيط.
يقول حازم: "أنا بنقل السياح على ضهر المركب كل يوم رايح جاي، عشان يشوفوا المعالم الأثرية في أسوان، ورغم أن المهنة مش بدخل فلوس كتير عليا أنا وعيالي التلاتة، لكن أنها بحبها، وزي السمك مقدرش أخرج من النيل".
يعمل حازم في السياحة النيلية منذ العام 1998، ويعتمد بشكل أساسي عليها في الإنفاق على أسرته، فهي أحد أنواع السياحة القادرة على الصمود حتى الآن. تضم مدينة أسوان أنواع سياحة مختلفة منها النيلية والحنطور والبازارات كلها تواجه تحديات عدة، لذلك، "عين الأسواني" تحدث مع أرباب تلك السياحة في اليوم العالمي للسياحة القادرة على الصمود.
مراكبيه: "مصدر رزقنا مهدد"
كان يعتمد حازم على تلك الرحلات التي تجذب السياح للاستمتاع بجمال نهر النيل، لكنه، مثل العديد من المراكبية، واجه تحديًا عندما فرضت جائحة كورونا توقفًا كاملًا على الحركة السياحية، ومع توقف تدفق السياح، وجد نفسه مضطرًا للبحث عن مصدر رزق بديل.
انتقل حازم للعمل في الشؤون الإدارية بمبنى محافظة أسوان، مما شكّل نقطة تحول صعبة في حياته المهنية، لكنه عاد للعمل على مركبه رغم عدم عودة السياحة كما كانت وفقًا له: "شغلي في مراكب النيل مش مستقر دلوقتي، لأن غالبية الزبائن اللي عندي حاليًا من السياحة الداخلية، زمان كنا بنعتمد بشكل أساسي على السياحة الخارجية، لكن دلوقتي الوضع اختلف تمامًا".
يضيف لـ"عين الأسواني": "السياحة الخارجية دلوقتي بتدار بالكامل من خلال الشركات والمكاتب السياحية اللي معاها مراكب شراعية خاصة بيها، وبتوفر للسياح كل احتياجاتهم من أكل وشرب وخدمات مريحة، وده أثر على المراكبية المستقلين زيي، والأمور بقت أصعب بكتير من الأول".
ويشير حازم أيضًا إلى مشكلة ارتفاع أسعار البنزين اللازم لتحرك المركب إلى جانب نقصه، يقول: "البنزين بقى غالي جدًا وكمان مفيش كمية كافية منه في السوق عشان تشتري الوقود، المراكبية عشان يتحركوا محتاجين تصاريح من التموين، والموضوع ده بيبقى عائق كبير لينا".
يواجه حسن دردير، مراكبي من أسوان، ذات التحديات، التي مر بها العديد من زملائه، يبلغ من العمر 50 عامًا، لكنه بدأ عمله على المركب منذ كان في الخامسة عشرة من عمره، حيث ورث المهنة عن والده وجده. يقول: "المهنة دي هي مصدر رزقي الوحيد، بس مش كافية، الدخل الكويس بييجي بس في الموسم السياحي، لكن الموسم ده بقى مش زي الأول بسبب الحروب والأزمات الاقتصادية التي أثرت على السياحة".
يضيف لـ"عين الأسواني": "لما السياحة بتوقف، باضطر أدور على شغل تاني، وغالبًا بشتغل كحارس ليلي في مؤسسات مختلفة أو كعامل يوم، أكبر مشكلة في المهنة هي إن مفيش تنظيم من المحافظة، وكمان مفيش نقابة تحمينا ونقدر إننا نطالبها وتوصل صوتنا".
ويرى سيد أن الحل يكّمن في حصر الجولات النيلية للمراكبية المستقلين الذين لا يملكون دخلًا آخر، مما يضمن لهم مصدر رزق مستدام طوال العام وصمود السياحة النيلية.
سياحة الحنطور.. الأقصر بلدنا
"الأقصر بلدنا بلد سواح فيها الأجانب تتفسح، ومهما تبعد وتروح.. برضو في بلدنا"، يتراقص حصان عثمان عبدالرزاق، 31 عامًا، على تلك الأغنية وهو يسير على كورنيش النيل في مدينة أسوان، إذ نشأ في بيئة اعتادت على العمل في تلك المهنة، حيث ورثها عن والده وأجداده، ولم يسعَ يومًا للبحث عن مصدر رزق آخر بسبب تمسكه بها وحبه لها.
يتقن أحمد خمس لغات أجنبية، مما مكّنه من العمل في رحلات التنزه للسياح بالحنطور في أسوان وتشغيل تلك الأغنية التي يحبها السياح، يقول: "المهنة مش بتجيب فلوس كتير لأنها مرتبطة بمواسم السياحة، والمصريين مش بيركبوا حناطير للتنزه، عشان كدة بنستنى موسم السياحة"، موضحًا أن المحافظة تقدم بعض الدعم لأصحاب الحناطير، مثل توفير طعام مجاني للخيل خلال فصل الصيف، وهو الموسم الذي يشهد ركودًا في السياحة بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
أكبر المشاكل التي يواجهها أحمد وزملاؤه هي احتكار الشركات السياحية للمرشدين السياحيين، مما يترك أصحاب الحناطير أحيانًا بلا عمل لعدة أيام متتالية منهم عبدالرازق.
يدفع السائح 30 يورو في الجولة، وربما يكون هذا المبلغ كافيًا إذا استطاع تنفيذ جولتين أو ثلاثة في اليوم، إلا أن المشكلة تكمن في أن معظم الشركات لا تدرج جولات الحنطور ضمن برامجها السياحية لذلك بدأت تندثر.
ويختتم أحمد حديثه قائلًا: "كل اللي بنطلبه هو نظرة إنصاف ورحمة. إحنا كمان عندنا أسر بتعتمد علينا، السياحة لازم تكون فرصة للجميع، مش حكر على فئة معينة".
البازرات.. صمود أمام التحديات
يفتتح جمال طايع النوبي، 65 عامًا، بازره في السادسة صباحًا كل يوم، مثلما كان يفعل مع والده حين كان يصطحبه وهو صغير، حيث ورث المهنة عن والده بعد وفاته، وكان يدير بازارًا صغيرًا، لكن شغفه بالتراث القديم هو ما دفعه للاستمرار في هذه المهنة والتوسع فيها.
لم يكن الأمر سهلًا، إذ عمل في شبابه موظفًا حكوميًا في الصباح وكان يعود لفتح البازار مساءً، وبعد أن خرج على المعاش، أصبح البازار هو مصدر رزقه الوحيد، حيث يقضي معظم وقته فيه، معتمدًا على الدخل الذي يأتي منه بين الحين والآخر، وإن كان أقل بكثير مما كان عليه في التسعينات وبداية الألفية الجديدة.
يقول جمال: "أغلب الزباين من السياح، لكن المصريين قليلين، عشان كدة كل شهر دخل البازار بيختلف، مرة يحقق أرباح عالية ومرة عشان كدة محتاجين دعم من المحافظة للبازارات الصغيرة عشان الكبيرة بتحقق أرباح ومكملة لكن البازارات الصغيرة بتعاني".
أغلق جمال بازاره أكثر من مرة بسبب التحديات الاقتصادية، إلا أنه في كل مرة يعود ويفتحه: "حبي للمهنة هو اللي بيخليني أرجع تاني حتى لو عدد الزباين أقل من أي شهر لكن مقدرش أبعد عن المهنة دي".
رغم تمسك جمال بالمهنة، إلا أنه يشعر بالحزن على مستقبل البازار، حيث أن أبناءه الثلاثة لا يشاركونه نفس الشغف، ويرون أن هذه المهنة لم تعد توفر دخلًا كافيًا، مما يجعله يعتقد أنه سيغلق نهائيًا بعد رحيله.
مثلما يتشارك جمال وحازم وعثمان حب هذه المهن، فإنهم يعانون من تحديات كبيرة تهدد استدامتها، ورغم تمسكهم العميق بالحرف التي ورثوها عن أجدادهم، إلا أن الواقع الراهن يفرض عليهم صعوبات تهدد صمود السياحة النيلية والحنطور والبازارات.