تستيقظ عفاف محمد، ربة منزل، يوميًا مع نسمات البرد عند آذان الفجر استعدادًا ليوم طويل. تشق طريقها في رحلة مُرهقة للوصول إلى مدينة أسوان، وتواجه طوال رحلتها تحديات عديدة إذ تعاني قرية غرب سهيل التي تقطن بها من ضعف شبكة المواصلات العامة.
تقطع مسافة 15 كيلو مترًا بمتوسط 30 دقيقة بين السير على الأقدام أو انتظار مرور سيارة؛ لشراء احتياجات المنزل أو توصيل أبنائها إلى مدارسهم، مما يجعل هذه الرحلة تتطلب الكثير من الوقت والجهد.
في أكتوبر الماضي، تولد أمل لدى عفاف للنجاة من تلك المعاناة، بعدما افتتحت المحافظة محور خزان أسوان، الذي يربط القرية بشرق وغرب النيل والطريق الصحراوي الغربي، إذ توقعت توفير مواصلات عامة للذهاب إليه: "لا يوجد مواصلات عامة للقرية اضطر للمشي إلى الكوبري وانتظار أكثر من ساعتين لمرور أي سيارة، حتى المعديات سياحية ومقتصرة على السياح فقط وأسعارها تصل إلى 300 جنيه".
معاناة يومية
ضعف شبكة المواصلات العامة والطرق، واحد من التحديات التي يواجهها أهالي قرية غرب سهيل، التي دخلت في قائمة أفضل ٥٥ قرية سياحية حسب تصنيف الأمم المتحدة للسياحة لعام ٢٠٢٤ في النسخة الرابعة، ورغم ذلك لا يزال سكان القرية يعانون من تدهور في البنية التحتية وشبكات النقل مما يزيد معاناتهم اليومية.
على الرغم من أهمية القرية كواجهة سياحية، إلا أن ضعف خدمات النقل يظل يشكل عقبة كبيرة أمام تطور الحياة اليومية للأهالي، إذ يواجه العديد من الأسر صعوبة في الوصول إلى المستشفيات أو الأسواق أو المدارس، ما يضطرهم إلى الاعتماد على وسائل نقل غير مريحة ومكلفة، ويزيد معاناتهم المستمرة.
غرب سهيل من أفضل 55 قرية سياحية عالميًا
تقع قرية غرب سهيل على بعد 15 كيلو مترًا من مدينة أسوان، وتتمتع بموقع طبيعي رائع على سفح رملي غرب نهر النيل، وتشاهد عفاف يوميًا هذه المعالم الطبيعية الخلابة التي تجذب السائحين في أثناء طريقها المثقل بالإرهاق.
تغادر عفاف منزلها كل يوم، مستمتعة بمظاهر الجمال التي تثير إعجاب الزوار، ولكنها تضطر في النهاية إلى الانتظار لفترات طويلة؛ بحثًا عن وسيلة نقل تأخذها إلى المدينة لشراء احتياجاتها، سواء كانت متطلبات منزلية أو للحصول على خدمات طبية.
تشتهر القرية بمنازلها النوبية الملونة التي تفتح أبوابها للزوار من مختلف أنحاء العالم، حيث يمكنهم التعرف على الثقافة النوبية، كما تعد القرية واجهة سياحية رئيسية، كما تشتهر بتربية التماسيح داخل المنازل.
عائق في وجه السياحة
لكن يمثل تدهور البنية التحتية في غرب سهيل تحديًا كبيرًا أمام السياحة التي اشتهرت بها القرية، وفق محمد أحمد، صاحب محل مقتنيات نوبية شهير في القرية: "يبدأ الموسم السياحي في المنطقة بشكل رئيسي خلال فصل الشتاء، الذي يشهد إقبالًا متزايدًا من السياح، بينما ينخفض هذا الإقبال بدءًا من شهر مايو وحتى نهاية أغسطس بسبب حرارة الصيف".
على طول الطريق، يعرض سكان القرية التحف والمقتنيات النوبية التقليدية، وتعد السياحة من المصادر الأساسية للدخل لدى معظم السكان حيث يعمل العديد منهم في هذا المجال خاصة خلال فصل الشتاء.
يؤكد محمد لـ"عين الأسواني": "رغم أن القرية أصبحت واجهة سياحية مشهورة، إلا أنها ما زالت تواجه تحديات في خدمات البنية التحتية الأساسية، مثل وسائل النقل العامة، مما قد يشكل عائقًا أمام توسع السياحة في المنطقة، وتجول السياح بين محال التحف والمقتنيات، وكذلك الانتقال من غرب سهيل إلى مدينة أسوان أصبح أمرًا صعبًا رغم مشاريع الطرق المُعلنة".
وعود بالتطوير في انتظار التنفيذ
وفي الوقت الذي تُعد فيه قرية غرب سهيل ضمن مبادرة "حياة كريمة" التي تهدف إلى تحسين البنية التحتية والخدمات منذ العام 2022، يبقى الواقع على الأرض مغايرًا، حيث لا تزال المشروعات في مرحلة التنفيذ، مما يثير تساؤلات حول سرعة تنفيذها وتلبية احتياجات السكان.
أسباب توقف المشروعات
يفسر الدكتور أحمد دياب، كبير خبراء إدارة المشروعات والمياه والزراعة بالأمم المتحدة، هذا التناقض بسبب بطء تنفيذ أعمال تطوير الصرف الصحي والمياه، وهو ما اشتكى منه الأهالي، حيث أن المشروعات تشهد توقفًا متكررًا، مشيرًا إلى أن الطرق في المنطقة تتعرض لأضرار مستمرة ولا يمكن إصلاحها إلا بعد الانتهاء من الأعمال الإنشائية.
يقول دياب لـ"عين الأسواني": "حصول القرية على هذا التصنيف سيساهم في تحسين مستوى المعيشة بها إذا تم استغلاله بشكل جيد من قبل المحافظة، حتى تحصل على مزيد من الاهتمام، وتحسين الخدمات لا سيما في البنية التحتية، ولا بد من إشراك المجتمع المحلي في عملية التخطيط والتنفيذ كي تكون المشروعات ملائمة لاحتياجات السكان".
ويرى دياب: "من الضروري تسريع وتيرة تنفيذ مشروعات الطرق بالقرية؛ لتواكب تطلعات السكان وتلبي احتياجاتهم، لأن التأخير يؤدي إلى تدني مستوى الخدمات ويؤثر سلبًا على جودة الحياة في المنطقة، وعلى تصنيف القرية الهام الذي وصلت له رغم التحديات".
دراسة تحدد أزمات غرب سهيل
خلّصت دراسة بعنوان: "استراتيجية الفراغ البيئي كأداة للتنمية السياحية في قرية غرب سهيل - النوبة"، نُشرت في أكتوبر 2023 بمجلة العمارة والفنون والعلوم الإنسانية، إلى أن أبرز التحديات التي تواجه القرية تتمثل في البنية التحتية وشبكة المواصلات، حيث صنفت هذه التحديات كعوامل رئيسية تعيق التقدم في المنطقة.
في ظل هذه التحديات، تصف منى قريتها التي تتكون من جانبين مختلفين، أحدهم يتميز بالبيوت الملونة الجميلة، التي تعكس نوعًا من الجمال والتناسق، مما يضفي على القرية مظهرًا جذابًا، بينما في الجانب الآخر -حيث يعيش السكان- يبرز الإهمال بشكل واضح، ويظهر من خلال حالة البنية التحتية التي لا تلبي احتياجاتهم الأساسية، ومشكلة الصرف الصحي.
تؤكد منى أن هناك مشروعات تخص الصرف الصحي كانت تحت الإنشاء، لكن توقفت عدة مرات ولم تكتمل حتى الآن، مما دفع السكان للاعتماد على "الترنشات" لصرف المياه؛ وفي محاولة التخفيف من معاناتهم، وفرت مؤسسة أم حبيبة بأسوان (غير حكومية) سيارات للنقل بتكلفة منخفضة تبلغ 100 جنيه لنقل مياه الصرف من المنازل، دون تدخل حكومي في الأزمة.
نقص شبكة الصرف الصحي
يتسق ذلك مع ما أكّدته الدراسة التي أوضحت أن من أبرز المشكلات التي تواجه قرية منى هو نقص شبكة الصرف الصحي، وهو ما يشكل تحديًا كبيرًا للسكان في حياتهم اليومية، بالإضافة إلى ذلك، تبرز مشكلة توفير مياه صالحة للشرب، التي تعد من الأمور الأساسية التي لا تزال بحاجة إلى حلول فعّالة.
ورغم هذه التحديات، أشارت الدراسة إلى أن غرب سهيل على المستوى السياحي تعد من أقوى القرى في أسوان، بسبب المنازل النوبية ذات الطابع البصري الخاص.
منى وعفاف، رغم حبهما الشديد لقرية غرب سهيل، إلا أنهما تأملان في تحسين البنية التحتية بشكل عام، وتوفير المزيد من وسائل النقل العامة ورصف الطرق، إذ يظل التحدي الأكبر بالقرية هو ضعف شبكة النقل التي تجعل التنقل إلى المدن المجاورة أمرًا صعبًا.