هل فكرت يومًا في شعور طفل يعاني من السمنة وهو يواجه مواقف الحياة اليومية؟. حين كنت في المرحلة الابتدائية، وفي حصة الألعاب بالمدرسة، يُقسم المدرسون الفصل إلى مجموعات للتنافس في سباق للوصول إلى نقطة معينة والعودة منها.
كنت أشعر بثِقَلٍ شديد في هذا الوقت بسبب وزني، لأنني أعلم أنني لن أستطيع مجاراتهم، وكلما اقترب دوري، تسلل الخوف إلى داخلي، وحين يأتي، وأبدأ بالجري، أصل إلى النقطة المرجوة، أستدير لأعود، فأراهم قد وصلوا بالفعل، وأنا ما زلت في النصف الأول من الطريق.
كنت أشعر بالإحباط والعجز، وكأنني طفل في جسد عجوز، وأتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعني، تحوّلت حصة الألعاب التي ينتظرها جميع الأطفال إلى حصة مريرة بالنسبة لي، كنت أفرح عندما يلغيها أحد مدرسي اللغة العربية، فقد كان ذلك بمثابة طوق النجاة من إحراجٍ يتكرر كل أسبوع.
يحيط التنمر بالأطفال الذين يعانون من السمنة لا سيما وهم في سن صغير، فهناك 390 مليون طفل ومراهق بين 5 و19 عامًا يعانون من السمنة وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية. تخيل كم طفلًا يشعر بالعجز والألم لعدم قدرته على ممارسة حياته بشكل طبيعي؟.
أتذكر أنني كنت أتعرض للتنمر من أفراد العائلة، حاولت أن أواجه الأمر بالسخرية، فانضممت إليهم في الضحك، كطريقة لإخفاء ضعفي، كانوا يشبّهونني بشخصية "نسمة فايز البهلواني" من فيلم "حبيبي نائمًا" بسبب ضخامة حجمها، وكانت الضحكات تتعالى في أرجاء الغرفة، وكنت أضحك معهم، رغم أنني كنت أكتفي بنظرة شفقة متبادلة بينهم على حالي.
وعندما أعود إلى المنزل، أغلق باب غرفتي، وأجهش في البكاء، لا أذكر كم مرة حدث ذلك، ولا كم مرة عجز لساني عن الرد، رغم رغبتي الشديدة في الاعتراض، وكأن قطة أكلت لساني، ولا أتذكر كم مرة حاولت التأقلم مع الوضع، لكن، هل يجب أن أتأقلم مع هذا الألم؟.
ذلك التنمر لم يقتصر على العائلة فقط، بل كان في المدرسة أيضًا، أثناء جلوسي، كان من بجانبي يتأفف، ويقول بشكل غير مباشر إنه يجب أن "تخس" لأن المقعد لا يتسع، كنت لا أعلم كيف أتصرف، كنت خائفة دومًا من النبذ.
كم حجم التشوّه النفسي الذي ينتج عن ذلك؟ كيف يفكر طفل صغير فيما إذا كان مرغوبًا فيه في المجتمع أم لا؟ وكيف يواجه التنمر الصادر من أسرته وأصدقائه؟ أليس من القسوة أن يُطلب من طفل تحمّل كل هذه المشاعر؟.
في محاولتي لمجاراة المجتمع، تغلّب عليّ شعور النقص، فاتجهت إلى الحمية الغذائية لتقليل وزني منذ أن كنت في العاشرة من عمري، حاولت مرارًا وتكرارًا، وكان الفشل يجعل الأمر أكثر سوءًا، ظننت أنني لا أمتلك الإرادة الكافية، ولا القدرة على تغيير وضعي أو تحمّله، كيف يمكن لطفلة أن تمنع نفسها من تناول الطعام، في حين ترى الجميع حولها يأكلون باستمتاع؟.
ساهمت هذه المشاعر في تكوين علاقة غير صحية مع الطعام. ووفقًا لمنصة PMC، فإن هناك 22% من الأطفال والمراهقين حول العالم يعانون من اضطرابات الأكل.
يتبادر التساؤل الآن إلى الأذهان هل ينبغي أن نُحمّل الأطفال معايير الجمال منذ الطفولة؟ هل علينا حقًا أن نزرع فيهم مشكلات نفسية معقدة بهذا الشكل المبكر؟. وحين لم أتمكن من إنقاص وزني بمفردي، لجأنا إلى أطباء العلاج الطبيعي، وازداد شعوري بأنني شخص ضعيف، يجب أن أمتلك المزيد من الإرادة.
لكن، كيف يمكن أن يكون الفطور طعامًا بلا طعم؟ حليب مع الشوفان وخبز بني مصنوع من الردة، كان مذاقه مقرفًا بالنسبة لي، ورغم ذلك كان من المفترض أن أستمر عليه.
وعندما يحين وقت الطعام، كانت الأسرة تأكل ما تشاء، بينما كنت أتناول طعامًا خاصًا بي فقط، وكأنني أعاني من مرض مزمن مثل السكري، يُمنع عني هذا وذاك، وتُحدد لي كميات دقيقة لكل صنف.
أصبحت قطعة الحلوى بالنسبة لي بمثابة اللعنة والبركة في آنٍ واحد، لعنة، لأنها لا ترحمني من صوتي الداخلي، الذي يهمس لي بأنني شخص فاشل، لا يستحق الحياة، لأنه لا يستطيع أن يمنع نفسه عن شيء بسيط، وبركة، لأنها كانت تتيح لمشاعري أن تخرج من سجنها، وتحوّلت الحلوى إلى معادلة مستحيلة الحل، كأنها الداء والدواء في وقتٍ واحد.
هل هذا ما يستحقه طفل فقد لأنه سمين؟.. يكون من الصعب على طفل صغير أن يتحمّل كل هذا الكم من الرفض والسخرية والشعور بالنقص، لا لذنبٍ اقترفه، بل لأن مظهره لا يُرضي مقاييس وضعتها المجتمعات.