البيضة واللي قشرها

صورة ارشيفية

كتب/ت جنة الله أشرف عطية
2025-04-22 11:14:29

"هو احنا هنخرج في شم النسيم السنة دي؟"

سؤال اعتدت على طرحه منذ أن كنت فى المرحلة الإبتدائية، ولكن كنت لم أتلق إجابة واضحة، كنت أحصل فقط على ابتسامة ممزوجة بكلمة "هنشوف".

مرّت السنوات، وتكرر السؤال، لكن النغمة تغيّرت، لم أعد أنتظر إجابة، ولم يعد أخوتى يسألونه من الأساس، وأصبح شم النسيم يومًا عاديًا وسط زحام العام، وأحيانًا يأتي محمّلًا بجدول امتحانات أومذاكرة مؤجلة.

في طفولتي، لم تكن لدينا طقوس كبيرة، لكنه كان يومًا مختلفًا، حتى وإن لم نخرج أو نحتفل كما يفعل البعض، كان فيه شيء من الخفة، من الشعور بأن هذا اليوم ليس كباقي الأيام، مجرد بصل أخضر على السفرة، أو بعضًا من البيض لون بألوان زاهية على طرف الطاولة، كان يكفي ليشعر الطفل بداخلي أن شيئًا ما يحدث.

ولكن عندما كبرنا، صارت الأيام تتشابه، فيأتى شم النسيم ويذهب دون أن نلاحظه أو نشعر به على الأقل،  لا فسيخ ولا ألوان، ولا حتى ذلك الإحساس البسيط بأن اليوم يحمل شيئًا خاصًا، مجرد تاريخ جديد نمر عليه، ربما نسمع عنه في الأخبار، أو نلاحظ بعض الناس أمام محلات بيع الفسيخ، فنفهم: "آه، ده شم النسيم!"

كل شيء تغيّر، أو ربما نحن فقط مَن تغيّر، أصبح من الطبيعي أن تمر المناسبات دون احتفال ونؤجل الفسحة، أو نكتفي بوجبة سريعة بدلًا من اللمة، حتى البيضة التي كنا نُصمم على تلوينها، أصبحت الآن تُسلق وتُقشَّر في صمت، إن وُجدت من الأساس.

أحيانًا أفتقد تلك الفرحة غير المبررة، التي كانت تسبق شم النسيم بأيام، وكأننا ننتظر ضيفًا عزيزًا، كنا نضع خططًا بسيطة: "نطلع على النيل، "نروح الجنينة، نجيب فشار ولبّ"، وكلها أشياء لم تكن تكلف شيئًا، لكنها كانت تملأ قلوبنا فرحة وبهجة.

الآن، حتى الحديث عن الخروج يبدو مُرهقًا، "مش فاضيين، عندنا شغل، امتحانات، الدنيا زحمة"، وكلها أعذار واقعية، لكن الواقع نفسه أصبح مملًا، بلا نكهة.

صرت ألاحظ أن أكثر من حولي لا ينتبهون بالأساس ليوم شم النسيم، وكأن الذاكرة اختارت أن تنساه، ربما الجيل الجديد لن يعرف عنه شيئًا إلا من الصور القديمة أو أحاديث الكبار، وكأننا نُسلم الفرحة بهدوء، دون أن نحاول حتى أن نُخبر غيرنا بقيمتها الصغيرة.

لكن في الحقيقة، لا أحد يمنعنا من استعادتها، نحن فقط، لا القانون، ولا الوقت، ولا الظروف، فقط نحن، حين نقرر أن اليوم "مش مهم".

ربما علينا أن نتوقف عن انتظار السعادة الكبيرة، ونصنع الصغيرة بأيدينا، أن نحتفل رغم زحام الحياة، لا لأن المناسبة عظيمة، بل لأننا نستحق لحظة راحة، نستحق أن نضحك، أن نرسم بيضة، أن نمشي في الشمس.

شم النسيم لم يفقد طعمه... نحن فقط لم نعد نتذوق.