مدينة الموتى.. معرض يمزج بين الموت والحياة

تصوير: مريم أشرف - إحدى الصور المعروضة عن"مدينة الموتى"

كتب/ت مريم أشرف
2024-02-24 00:00:00

خلف أضواء قلعة صلاح الدين وأعلى منطقة "بئر يوسف" التي يمكن تميزّها بمجرد دخول شارع صلاح سالم، توجد مجموعة صور بجانب مسجد محمد علي بالقاهرة، تحكي عن منطقة المقابر الكبرى في حي الدرب الأحمر، إذ تعد من أكثر المناطق الفريدة في مصر.

هنا مدينة الموتى، حيث تقص علينا الصور سر تلك المدينة وحياة من كانوا يعيشون بجانب المقابر ويصاحبون الموتى، وتوثق تاريخ واحدة من أهم المناطق بالمحافظة، إذ تنتمي إلى معرض "مدينة الموتى بعد 30 عامًا" السنوي.

في نسخته الثانية، انطلق معرض صور "مدينة الموتى بعد 30 عامًا" من 23 فبراير حتى 2 مارس، إذ يقام في أكثر من منطقة بالقاهرة، منها قلعة صلاح الدين ومصر الجديدة ووسط البلد، وبئر يوسف، بدعم من السفارة الأمريكية في مصر وتنسيق مؤسسة"فوتوبيا".

تنتمي الصور إلى "أد كاشي" مصور صحفي أمريكي، 66 عامًا، اشتهر مساره المهني بتصوير مناطق عديدة في مصر وأفريقيا، بأسلوب تصوير الشارع. بدأت رحلته من أمريكا إلى مصر خلال العام 1993، والتقط صور المعرض من مقابر الدرب الأحمر، وبعد ثلاثين عامًا تهدم الآن المقابر، ضمن خطة تطوير القاهرة الحكومية لإنشاء طريق سريع (ممر الجنة) فرحلت المقابر وظلت الصور.

يقول "كاشي" لـ"صوت السلام": "عند زيارتي إلى مدينة الموتى أول مرة في 1993، كانت من أكثر المناطق الفريدة والنادرة بالقاهرة بل والعالم كله، كيف يعيش الناس هناك حياة طبيعة بين الدراسة والعمل والحزن والفرح وكأنه لا يوجد أمواتًا بجانبهم؟، كان ذلك بمثابة إلهام بالنسبة لي، جعلني أزور المكان عدة مرات والتقط هذه الصور".

في العام 1993 الذي جاء فيه "كاشي" إلى مصر كان يعيش 120 ألف شخص في مقابر الدرب الأحمر، يعملون ويتسوقون ويذهبون إلى المدارس داخل المقابر وبينها، واليوم العدد أعلى بكثير إذ بُنيت أكواخ حول المقابر.

حين تطأ قدمك الآن "مدينة الموتى" تجد أناسًا يعيشون حياة طبيعية يعلقون ملابسهم حول المقابر حتى تجف، ويعيش كثيرون في مساكن أخرى بُنيت جوار مقابر شخصيات سياسية ودينية وثقافية مشهورة في تاريخ مصر وتوضح صور المعرض كل تلك التفاصيل.

من ضمن هذه الصور، تتصدر صورة مميزة مقدمة المعرض، تعود إلى فرح شعبي في شارع منطقة الدرب الأحمر وبالقرب من المقابر، يحكي"كاشي" أنه اختار هذه الصورة لأنها ربما لن تتكرر ثانية، إذ أراد أن يوثق هذه الحياة التي انبهر بها، ولم يكن يعلم أنه سيفقد هذا المشهد بسبب قرارات الهدم الأخيرة التي حدثت في يوليو 2023.

رغم هدم المقابر إلا أن المعرض ما زال يوثق كل سنة حياة من يعيشون في مقابر الدرب الأحمر، إذ حضر المعرض عددًا من الزوار من كل دول العالم. "ليفن كارل"، زائرًا أمريكيًا، يقول: "أنا في حالة انبهار منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها المعرض، أشعر أن الصور بها دفء وإنسانية لم أرها في حياتي من قبل، فهي المرة الأولى لي في مصر وتنظيم المعرض جعلني أقرر الحضور كل سنة".

عملت "فوتوبيا" التي ترعى المعرض على تنظيمه منذ 5 شهور، وقدمته بشكل مصغر في مقرهم خلال شهر نوفمبر الماضي، ولقي صدى واهتمامًا كبيرًا، لكن المختلف في المعرض هنا أنه بالقرب من المنطقة التي هدمت، وفق فريدة مهدي، إحدى منظمات فوتوبيا لمعرض مدينة الموتى.

أحبت مهدي الأعمال الفنية التي توثق الحياة في المقابر، من ضمنها معرض مدينة الموتى، موضحة أن المعرض هذا العام جاء وقد هدمت بعض المقابر التي وثقتها الصور لتحذف معها جزءً هامًا من تاريخ المقابر لم يتبق منه سوى صور "كاشي".

يؤكد "كاشي" أن جميع صور المعرض قريبة إلى قلبه وكأنهم أبناؤه، فلم يوثق مشاهد المدينة بالصور فقط ولكن دون على كل صورة وصف يخصها، إلى جانب وصف كامل في مدخل المعرض باللغتين العربية والإنجليزية، يختلف في نصه ولكن يتفق في ختم كل الفقرات بجملة: "مدينة الموتى هي أقدم مقبرة إسلامية مستخدمة في العالم، ويعود تاريخها إلى القرن السابع".

تصف تقى مصطفى، تعمل كمصممة، المعرض بأنه حدث فريد؛ لكونه يحكي تاريخ المقابر ويمزج بين الموت والحياة، في وقت يتم فيه هدم تلك المقابر ومحو التاريخ والحضارة، التي ظلت الصور توثقها على مدار السنوات الماضية.



تصوير: مريم أشرف - حانب من فعاليات معرض مدينة الموتى