حين ابتسمت بلا أمل

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت محمود عبد الحميد
2026-01-03 11:00:03

أنا والحب أعداء، والآن أتذكر حين كنتُ مراهقًا في سن السادسة عشرة من عمري، وقعتُ في الحب الأول، كنتُ في الصف الثاني الإعدادي، أبحث عن قلب يشبهني، عن دفء بسيط في عالم بارد لأعرف معنى الحب، أبحث عن الاهتمام والاحتواء والتقدير والأمان، وأتجاهل نصائح من حولي حول أن حب المراهقة لا يدوم، وأبتسم في سري كأني أعرف شيئًا لا يعرفونه.

أول يوم في العام الجامعي، عالم جديد مليء بالوجوه الجديدة، والأماكن التي لا تحمل ذكريات بعد، وبعد مرور أشهر التقينا، كانت فنانة صغيرة الملامح، ذات النظارة الكبيرة، والعيون العسليتين تلمع بهدوء، تقف وحدها وتضم يدها كأنها تحتضن نفسها، أول من وقع عيني عليها، وأول من يجعلني أندهش من الصمت والجمال في شيء واحد.

وبعد أيام، كنت أضع سماعات أستمع إلى فرقتي المفضلة "كايروكي"، استوقفني كوبليه من أغنيتي المفضلة "عيني جت في عنيها وحصل زلزال"، تذكرتُ ذات النظارة الكبيرة ثم "ابتسمتُ" بلا سبب.

وفي يوم آخر، جمعتني الصدفة بها، كنا نجلس أنا وأصدقائي في ساحة الجامعة، حينها اقتربتُ منها بخطوات مترددة، ثم استجمعتُ شجاعتي وسألتها عن الكلية التي تنتمي إليها، رفعت نظارتها بابتسامة خفيفة "فنون جميلة"، كانت المرة الأولى أستمع فيها إلى كلمة تشبهها، تذكرتُ بداية الأغنية من جديد التي ذكرتني بها: "دخلت واحدة شكلها غيرهم باين أوي إنها مش منهم"، ثم رحلتُ عنها بهدوء، وتركتني غارقًا في تفصيلها.

مرت الأيام، ثم الأسابيع، وأصبحنا أقرب، نلتقي كل يوم بالجامعة، أنا وهي وأصدقائي، لكن الحقيقة لم أرَ سواها، كنت أساعدها في أعمالها الفنية، أشاركها لحظات وكأننا نرسم شيئًا واحدًا، وفي يوم كتبنا أسماءنا على جدار الكلية، ضحكنا وقتها كأننا نخلد ذكرى صغيرة لا يعرفها سوانا.

بعدها أذهب إلى البيت وأبتسم بلا سبب ثم ألوم نفسي: "هل هذا هو حب أم مجرد وهم جميل؟"، ومرت الأيام كما تمر الرياح تقتلع الأشجار من جذورها، ولا تترك سوى آثارها.

بدأتُ أشعر أن شيئًا ما تغير بيننا، لم تبقَ النظرات كما هي، ولا الضحك بنفس الدفء، كنت أراها ما زالت قريبة، لكنها في نفس الوقت بعيدة، كنت أبحث عن شيء عيناها لا تتحرك نحوه، لكن كنت أرى الصمت في عينيها.

ذات يوم، كنا نجلس في ساحتنا المعتادة، وتحدثنا عن مشروعاتها الفنية، ثم استكملتُ حديثنا عن الحب، قالت لي: "إنه ليس من أولوياتي".
ابتسمتُ وأنا أستمع إليها، لكن عرف قلبي أن طريقها ليس طريقي، شعرتُ حينها أن الحب الذي بدأ في قلبي لم يُخلق لينتهي بامتلاكي لها.

ومع مرور الأيام، بدأت المسافات التي بيننا تكبر، كنت أنظر إليها، نفس النظارة الكبيرة، نفس الهدوء، لكن نظرتها لم تعد تقربني منها، كما لو كان بابٌ صغير قد أُغلق من غير صوت.

وفي يوم شتوي، كنت أمشي في ممر الكلية، نظرتُ إلى هذا الجدار الذي كُتب عليه أسماؤنا، كانت واقفة هناك، تنظر إلى الأسماء التي أصبح لونها باهتًا وقفتُ إلى جانبها وسألتها بهدوء: "لسه بتحبي نرسم هنا؟"، نظرت إليّ بابتسامة قصيرة وقالت: "أنا أحب الذكريات، ولكن مش كل الذكريات لازم تكمل".

حلّ الصمت عليّ كالصاعقة، شعرتُ حينها أن الكلام كان إجابة على سؤال عمري ما قلته بصوتٍ عالٍ، لكنها كانت تسمعه من زمان.

استجمعتُ شجاعتي وسألتها السؤال الذي كنت أهرب منه لشهور: "هو أنا بالنسبة لك كنت إيه؟"، قالت: "كنت أمان وونس، بس مكنش حب، وأنا مش مستعدة أكون في طريق حد".

هززتُ رأسي وابتسمتُ ابتسامة من نوع جديد، ابتسامة الفهم، ليست النصر أو الهزيمة، لمست أحرفِ أسمائنا وقالت: "خليها يمكن تبقى ذكرى حلوة".

مشيتُ بعدها بخطواتٍ بطيئة، وخرجتُ من الكلية، وشعرتُ بهواءٍ بارد، وأحسستُ أن بعض الأشياء في داخلي قد خفَّت، وعندها أدركتُ أن القلوب أحيانًا تلتقي لا لتُكمِل طريقًا واحدًا، بل لتوقظ أمورًا كانت نائمة في أعماقنا منذ زمن.