هبة الحياة

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت نورهان عبد الرحمن
2025-11-30 11:51:51

ارتجفت يد "سامر" وهي تفرغ محتويات علبة الحبوب في كفّه، الضغوط كانت كسحابة سوداء تخنق أنفاسه، وطرده اليوم كان القشة الأخيرة التي قصمت ظهر صبره الهش، الديون تلاحقه كظلال شريرة، وكل محاولة للخروج من هذا النفق المظلم تبوء بالفشل، لم يعد يرى أي نور في نهاية هذا الطريق المسدود.

ابتلع سامر الحبوب دفعة واحدة، وشعر بطعم مُرّ يمتزج بطعم اليأس في حلقه، بدأت الدنيا تدور حوله، وحوافه تتلاشى في ظلام دامس، لم يكن هناك ألم جسدي كبير، بل شعور بالانزلاق السلس نحو العدم.

فجأة، وجد سامر نفسه واقفًا في مكان لم يره من قبل، كانت أرضًا قاحلة تمتد بلا نهاية تحت سماء بلون الرماد، أصوات غريبة تتردد في الأفق، همسات مُبهمة وصرخات مكتومة تثير القشعريرة في أوصاله، شعر ببرد يخترق عظامه، رغم عدم وجود رياح.

التفّ سامر حوله بذُعر، باحثًا عن أي شيء مألوف، لكنه لم يجد سوى صخور حادة وظلال متحركة، وفجأة، ظهر من بين الصخور كائن غريب، لم يكن بشرًا، بل كان أشبه بتمثال مشوّه مصنوع من الظلام، و عيناه تشتعلان بضوء أحمر خافت.

"أهلاً بك أيها الهارب"،  قال الكائن بصوت أجش كحفيف أوراق الخريف المتعفنة، "لقد وصلتَ إلى حيث تنتهي الطرق الاختيارية".

ارتجف سامر رُعبًا، "أين أنا؟ ماذا يحدث؟"

ضحك الكائن ضحكة مكتومة زادت من وحشة المكان، "أنت في المنطقة الوسطى، بين ما كنت وما سيؤول إليه أمرك لو عبرت"

ظهرت كائنات اّخرى من الظلال، بعضها بأشكال آدمية مشوهة، والبعض الآخر بهيئات حيوانية مرعبة، كانت تنظر إليه بنظرات جوفاء أو ماكرة.

"لقد ظننتَ أن الموت هو الهروب، أليس كذلك؟" سأل كائن آخر ذو ملامح باهتة وعينين دامعتين، "لكنه ليس سوى باب آخر، وقد يكون هذا الباب مؤديًا إلى ما هو أسوأ مما تهرب منه".

عرضت الكائنات على سامر لمحات سريعة لما كان سيؤول إليه حاله لو نجح في الانتحار، رأى فراغًا أسودَ لا نهائيًّا، شعورًا دائمًا بالضياع والندم المعلق، رأى أجزاء من روحه تتلاشى شيئًا فشيئًا في هذا العدم الموحش.

"هذا هو الفراغ الذي تخلقه عندما ترفض هبة الحياة،" قال الكائن الأول بصوته الأجش، "فراغ يبتلعك ويبتلع معه جزءًا من العالم".

ثم تغيّر المشهد، وجد سامر نفسه في غرفة عمليات مُضاءة بشكل ساطع، أصوات أجهزة تنفس تصم الآذان، ووجوه قلقة محيطة به، شعر بألم حارق في معدته وصدره، كانت هناك أصوات مبهمة تتحدث عن غسيل معدة وإنعاش.

"لقد كنتَ قريبًا جدًا، أيها الفاني" هَمَس صوت منخفض في أذنه، لم يستطع تحديد مصدره "لكن القدر أراد لك فرصة أخرى، لا تستهن بهذه الهدية".

فتح سامر عينيه ببطء ليجد سقفًا أبيضَ باهتًا فوقه، كانت والدته تبكي بصوت مكتوم بجانبه، ويدها ترتجف وهي تمسك بيده، والده يقف شاحبًا وعيناه تحملان خليطًا من الحزن والراحة.

في المستشفى، كان سامر يستعيد وعيه ببطء، كانت الذكريات عن ذلك العالم المظلم تبدو ككابوس بشع، لكنها تركت في نفسه أثرًا عميقًا، لم يعد ينظر إلى الموت كحل سهل بل كبوابة إلى مجهول مرعب.

خلال فترة النقاهة، كان يتذكر كلمات الكائنات الروحانية، بدأ يفكر في قيمة الحياة التي كاد أن يفرّط فيها، لم تختفِ مشاكله، لكن نظرته إليها تغيرت، أصبح يراها كتحديات يجب مواجهتها لا كأسباب للهروب.

تحدث مع أهله بوضوح عن معاناته، ووجد منهم دعمًا لم يتوقعه، ثم بدأ رحلة البحث عن حلول لمشاكله خطوة بخطوة، مسلحًا بإدراك جديد لقيمة وجوده، والفرصة الثانية التي مُنحت له، لم يكن الطريق سهلًا، لكن الخوف من العودة إلى ذلك العالم المظلم كان دافعًا قويًا للاستمرار.

سامر نجا من الموت بصعوبة، لكن الأهم أنه نجا من براثن اليأس الذي كاد أن يبتلعه، التجربة المرعبة في تلك المنطقة الوسطى فتحت عينيه على حقيقة أن هناك ما هو أسوأ من الألم، وأن الحياة بكل صعوباتها لا تزال تستحق القتال من أجلها.