من الإسكان إلى الرحيل.. لماذا يهجر السكان 15 مايو؟

صورة مرسلة من أحد المواطنين لـ"قلم المنصورة"

كتب/ت سلمي الهواري
2026-09-01 11:37:39

لم يكن إبراهيم عبد العزيز، أحد سكان منطقة 15 مايو بمدينة جمصة التابعة لمحافظة الدقهلية، يتوقع أن تتحول رحلة انتقاله من بلقاس إلى شقته الجديدة في تقسيم 15 مايو إلى معاناة يومية في البحث عن أبسط الخدمات الأساسية. 

بعد سنوات من انتظار الحصول على وحدة سكنية، وجد نفسه مضطرًا إلى مغادرة المنطقة كلما احتاج إلى مستشفى أو بنك أو جهة حكومية أو شراء احتياجات أسرته.

صورة مرسلة من أحد المواطنين لـ"قلم المنصورة"

إذ يعاني سكان منطقة 15 مايو من نقص الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الأسواق العامة، إلى جانب ضعف الخدمات الصحية والتعليمية والأمنية والتجارية. ويؤكد السكان أن المنطقة شهدت خلال الفترة الأخيرة أعمال تطوير ورفع كفاءة للطرق، ما منحها مظهرًا عمرانيًا أفضل، إلا أن هذه التطورات لم تواكبها زيادة مماثلة في الخدمات اللازمة لخدمة التوسع السكني. 

ونتيجة لذلك، اضطرت بعض الأسر إلى مغادرتها والعودة للإقامة في مدن أخرى بمحافظة الدقهلية، من بينها المنصورة، فيما اكتفت أسر أخرى باستخدام وحداتها السكنية بصورة موسمية.

ماذا ينقص 15 مايو؟

وتعد منطقة 15 مايو بجمصة أحد مشروعات الإسكان والمدن الجديدة بمحافظة الدقهلية، وفقًا لبيانات خريطة مشروعات مصر، ويشمل المشروع 5304 وحدات سكنية، تستهدف توفير سكن ملائم لنحو 26 ألفًا و520 نسمة. وبدأ تنفيذ المشروع في يناير 2014، قبل أن تكتمل أعماله في يوليو 2020.

ورغم إعلان محافظة الدقهلية، في أغسطس 2025، خطة لتطوير منطقة 15 مايو، شملت تطوير شبكات الصرف الصحي ورصف عدد من الشوارع والمحاور، وبدء تنفيذ أعمال الرصف فعليًا في يونيو 2026، فإن شكاوى السكان لا تزال تتركز على غياب الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الرعاية الصحية والتعليم وجودة المرافق. 

ويرى الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع، أن ما تشهده 15 مايو لا يمكن اختزاله في مجرد نقص للخدمات، بل يعكس فجوة أوسع بين التخطيط العمراني وإنشاء الوحدات السكنية من جهة، وبناء مجتمع محلي متكامل من جهة أخرى.

ويقول صادق لـ"قلم المنصورة" إن توفير الوحدات السكنية وحده لا يكفي لإنشاء مجتمع مستقر، موضحًا أن استقرار السكان يرتبط بوجود شبكة متكاملة من الخدمات الصحية والتعليمية والأمنية والتجارية، التي لا تلبّي احتياجاتهم اليومية فحسب، وإنما تمنحهم أيضًا شعورًا بالأمان والانتماء: "غياب هذه الخدمات يدفع السكان إلى الاعتماد على المدن المجاورة لقضاء احتياجاتهم مما يضغط عليها ولا يحقق الهدف من إنشاء تلك المدن وهو توزيع الكثافة السكانية بشكل صحيح".

أجرت معدة التقرير جولة ميدانية في منطقة 15 مايو بمنطقة جمصة، وبالفعل بدت الشوارع الرئيسية ممهدة بعد أعمال الرصف ورفع الكفاءة التي تشهدها المنطقة، فيما ظهرت العمارات السكنية بحالة إنشائية جيدة، تعكس حجم الاستثمارات التي ضُخت في المشروع خلال السنوات الماضية، إلا أن هذا التطور العمراني لم يواكبه تطور مماثل في مستوى الخدمات الأساسية التي يحتاج إليها السكان في حياتهم اليومية.

ورصدت الجولة غياب عدد من الخدمات الحكومية والتجارية داخل المنطقة مثل قلة عدد المدارس وغياب نقطة الشرطة، إلى جانب عدم وجود أسواق متكاملة تلبي الاحتياجات اليومية للسكان.

فيما يتعلق بالخدمات الصحية، تبين وجود مستشفى جمصة المركزي، إلا أن عددًا من السكان أكدوا أن المستشفى لا يقدم جميع الخدمات الطبية اللازمة، وأن استقبال الحالات يقتصر في كثير من الأحيان على الحالات البسيطة وتقديم الإسعافات الأولية، قبل تحويل المرضى إلى مستشفيات أخرى. 

كما رصدت الجولة وجود وحدة صحية في منطقة الشيخ زايد، تبعد نحو 15 دقيقة عن تقسيم 15 مايو، غير أن الأهالي أفادوا بأنها لا تعمل بكامل طاقتها، ولا تقدم خدمات صحية متكاملة بصورة منتظمة.

الصحة والتعليم خارج حدود "المدينة"

ويؤكد واقع الخدمات الصحية في 15 مايو ما حدث مع أشرف عبد السلام، 53 عامًا، موظف بالمعاش، عندما تعرض نجله لحادث سير في أثناء عودته من جامعة الدلتا العام 2024. يقول أشرف إن الدقائق الأولى كانت حاسمة في التعامل مع حالة نجله، إلا أن الأسرة لم تجد داخل المنطقة مستشفى مجهزًا يمكنه التعامل مع إصاباته، ما اضطرها إلى نقله إلى مستشفى بلقاس العام، الذي يبعد نحو 30 دقيقة عن منطقة 15 مايو.

ويضيف أن الأطباء، بعد تقديم الإسعافات الأولية لنجله، أبلغوا الأسرة بضرورة تحويله إلى مستشفى المنصورة الدولي لاستكمال العلاج، وهو ما استغرق قرابة ساعة أخرى: "كل التأخيرات أدت إلى مضاعفات وإنشاء مستشفى متكامل يضم أقسامًا للطوارئ والرعاية الحرجة، وتوفير خدمات حكومية وبنوك ومكاتب بريد وشركات اتصالات ضرورة ملحة".

يؤكد الحسين حسان، خبير التخطيط العمراني، أن المدن الجديدة تعاني من عدم توازن التوسع العمراني مع توفير الخدمات، موضحًا أن الأولوية خلال المرحلة المقبلة يجب أن تكون لاستكمال الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها إنشاء مستشفى متكامل يخدم المنطقة والمناطق المجاورة، والتوسع في المدارس الحكومية ورفع كفاءتها.

ويضيف لـ"قلم المنصورة" أن بناء مجتمع عمراني متكامل يتطلب كذلك توفير الخدمات التي يحتاج إليها السكان في حياتهم اليومية، مثل مكاتب الخدمات الحكومية، وفروع البنوك، ومكاتب البريد، وشركات الاتصالات، حتى لا يضطر المواطن إلى مغادرة 15 مايو لإنجاز احتياجاته الأساسية.

ولا تختلف معاناة قطاع التعليم كثيرًا عن القطاع الصحي، إذ تكشف إفادات أولياء أمور عن محدودية المدارس الحكومية داخل المنطقة، وحاجة المدارس القائمة إلى التطوير، ما دفع بعض الأسر إلى نقل أبنائها للدراسة خارج 15 مايو.

يوضح محمود عبد العظيم، 45 عامًا، موظف وولي أمر لثلاثة أبناء: "عندما انتقلت إلى مدينة 15 مايو قبل خمس سنوات، كنت أعتقد أن المدارس ستكون متوفرة مثل أي مدينة جديدة، لكنني فوجئت بأن عدد المدارس الحكومية لا يتناسب مع التوسع العمراني، كما أن المدارس الموجودة تحتاج إلى تطوير على مستوى المباني والإمكانات والأنشطة التعليمية".

ويضيف أن ذلك دفعه إلى نقل أبنائه إلى مدارس حكومية في مدينة بلقاس، التي تبعد نحو نصف ساعة عن 15 مايو، بينما لجأت أسر أخرى إلى إلحاق أبنائها بمدارس في دمياط الجديدة، بحثًا عن مستوى تعليمي أفضل ولعدم وجود مدارس خاصة. 

وتشير الجولة الميدانية إلى أن تقسيم 15 مايو يضم عددًا محدودًا من المدارس بين 4 إلى 5 مدارس، تتركز أغلبها في مرحلة التعليم الأساسي، بينما يضطر طلاب المرحلة الثانوية إلى الانتقال إلى مدارس تبعد نحو 20 دقيقة عن التقسيم، أو إلى مدارس في بلقاس والمدن المجاورة، بحسب إفادات عدد من السكان.

وأدى غياب الخدمات الأساسية إلى عزل تقسيم 15 مايو عن محيطه، وأثر في شعور بعض الأسر بالأمان، في ظل وجود عدد كبير من الوحدات السكنية المغلقة معظم أيام العام.

مرافق غائبة.. حياة يومية شاقة

وتسترجع فاطمة عبد الحميد، 62 عامًا، تفاصيل اليوم الذي اكتشفت فيه تعرض شقتها للسرقة: "منذ استلام وحدتي السكنية عام 2021، اعتدت الإقامة بها خلال أشهر الصيف فقط، بينما أقضي بقية العام مع أسرتي في المنصورة، بسبب عدم توافر الخدمات التي أحتاج إليها بصورة يومية داخل المدينة".

وتضيف: "عندما عدت مع بداية الصيف لفتح الشقة، فوجئت بكسر بابها، وعند دخولي اكتشفت أن اللصوص لم يتركوا شيئًا تقريبًا. سرقوا الثلاجة والغسالة والتلفزيون والمراوح، وحتى بعض الأدوات المنزلية. كانت صدمة كبيرة، لأن تجهيز الشقة استغرق سنوات من العمل والادخار".

ولا تقل كفاءة المرافق أهمية عن إنشاء المباني والطرق، بحسب الحسين حسان، خبير التخطيط العمراني، الذي يؤكد ضرورة تطوير شبكات الكهرباء ومياه الشرب والصرف الصحي، إلى جانب سرعة إدراج 15 مايو ضمن خطط توصيل الغاز الطبيعي، بما يخفف الأعباء المعيشية عن السكان ويرفع جودة الحياة داخلها.

وتتطابق هذه الرؤية مع شكاوى عدد من سكان "مدينة 15 مايو" -كما يطلق عليها الأهالي-، الذين يرون أن مشكلات المرافق الأساسية تمثل أحد العوائق الرئيسية أمام الاستقرار داخل المنطقة.

ويقول أحمد إبراهيم، 51 عامًا، موظف بهيئة المعاشات وأحد سكان المنطقة، إن انقطاع الكهرباء أصبح جزءًا من الحياة اليومية للسكان: "لا يمر أسبوع تقريبًا دون انقطاع التيار الكهربائي أكثر من مرة، وأحيانًا يستمر الانقطاع لفترات طويلة، ما يؤدي إلى تعطل الأجهزة الكهربائية وفساد الأطعمة داخل الثلاجات، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة".

ورغم تنفيذ الدولة مشروعات لتدعيم قطاع الطاقة، من بينها خط غاز جمصة – فينوسا، الذي افتُتح في أكتوبر 2015 لتغذية محطة كهرباء غرب دمياط بالغاز الطبيعي اللازم لتوليد الكهرباء، فإن سكان 15 مايو يقولون إنهم لم يلمسوا انعكاسًا مباشرًا لهذه المشروعات على استقرار الخدمة داخل المنطقة.

ويبلغ طول خط الغاز 34 كيلومترًا، بقطر 42 بوصة، وبتكلفة استثمارية بلغت نحو 397 مليون جنيه، ويعد أحد مشروعات تطوير البنية التحتية لقطاع البترول والغاز الطبيعي. 

كما تمثل مياه الشرب مصدر قلق آخر، بحسب أحمد إبراهيم: "المياه في بعض الأوقات تكون لها رائحة أو لون غير معتاد، لذلك تقدمنا بعدة شكاوى إلى شركة مياه الشرب والصرف الصحي، مطالبين بفحص شبكات المياه والصرف، لأننا نعتقد أن هناك مشكلة في المواسير أو الشبكات، لكن حتى الآن لم نشعر بتحسن واضح في جودة المياه التي تصل إلى المنازل".

ولا يزال غياب الغاز الطبيعي يمثل أحد أوجه نقص الخدمات الأساسية داخل تقسيم 15 مايو، إذ لم تصل الشبكة إلى المنطقة حتى الآن، بحسب الجولة الميدانية وإفادات السكان.

وتقول أم أحمد، 52 عامًا، ربة منزل ومقيمة بـ15 مايو، إن الحصول على أسطوانة بوتاجاز أصبح تحديًا متكررًا للأسر، في ظل عدم وجود منافذ توزيع ثابتة داخل المنطقة: "في كثير من الأحيان ننتظر لساعات حتى تمر سيارة توزيع الأنابيب، وإذا لم نلحق بها نضطر إلى الانتظار حتى اليوم التالي، أو الاتصال بأحد موزعي الأسطوانات لإحضارها إلى المنزل مقابل تكلفة إضافية، وهو ما يزيد الأعباء على الأسر".

حلول عاجلة.. الاستقرار يبدأ من الخدمات

وحاولت معدة التقرير التواصل هاتفيًا مع الدكتور عمرو عبد العاطي، رئيس مركز ومدينة جمصة، للحصول على رد بشأن شكاوى المواطنين وخطط المجلس للتعامل مع المشكلات التي رصدناها إلا أنه لم يرد على الاتصالات الهاتفية حتى موعد النشر.

ويرى سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع، أن معالجة الأزمة لا تتطلب إنشاء جميع الخدمات دفعة واحدة، وإنما تنفيذها وفق أولويات واضحة، تبدأ بتوفير خدمة صحية قادرة على التعامل مع الحالات الطارئة، إلى حين استكمال الخدمات الأساسية داخلها.

بينما يوضح حسان أن جذب السكان إلى الإقامة الدائمة يتطلب كذلك توفير احتياجاتهم اليومية داخل المنطقة نفسها، من خلال تشجيع الاستثمار في الأسواق والمنافذ التجارية: "إذا نُفذت هذه الإجراءات بصورة متوازية، ستتحول مدينة 15 مايو من منطقة يعتمد سكانها على المناطق والمدن المجاورة في تلبية احتياجاتهم إلى مجتمع عمراني متكامل".

بينما تحولت شوارع "مدينة 15 مايو" إلى مساحات سكنية أكثر تنظيمًا، لا تزال الخدمات الغائبة تحول دون تحولها إلى مجتمع متكامل قادر على جذب السكان والاستقرار داخله.