في أغسطس الماضي، هرعت إلهام عبد الحميد، 45 عامًا، برفقة شقيقتها الصغرى، 22 عامًا، إلى قسم الطوارئ بمستشفى طلخا في المنصورة، بعدما أصيبت الأخيرة بألم مفاجئ في الرأس وهبوط حاد وانخفاض شديد في ضغط الدم، أملًا في تدخل سريع ينقذها من الإعياء المتزايد.
لكن بدلًا من أن تتلقى الإسعافات اللازمة، وجدت نفسها تنتظر أكثر من ساعة ونصف في قسم يكاد يخلو من الأطباء والمرضى، لأن الأجهزة كانت مشغولة في أقسام أخرى وفقًا لحديث أحد الأطباء لها.
تقول إلهام: "بعد الانتظار الطويل، أخبرتنا الطبيبة أن الحالة بسيطة ولا تستدعي القلق، ووصفت لها مسكنًا عامًا دون أي فحوص أو تحاليل، ثم طلبت منا شراء الأدوية والمحاليل من الخارج، لأن صيدلية المستشفى لا يوجد بها حتى المسكنات".

إهمال يهدد الأرواح
الخطر الأكبر في القصة حين قررت إلهام، بمحض الصدفة، إعادة الكشف على شقيقتها في مستشفى المنصورة العام، الذي يبعد عن طلخا مسافة 6 كيلومترات أي أكثر من نصف ساعة، لتكتشف أن ما ظنّته الطبيبة "حالة بسيطة" لم يكن سوى أعراض جلطة في المخ: "الدكتور قال لحقناها في آخر لحظة قبل ما تحصل مضاعفات خطيرة"، لتدرك حينها أن الخطأ في التشخيص كاد يكلّف شقيقتها حياتها.
يعاني سكان مدينة طلخا من تدهور المستشفى العام الوحيد بالمدينة، حيث يشكو مواطنون من نقص الأدوية وضعف خدمات الطوارئ، في ظل غياب الحد الأدنى من الأجهزة والمستلزمات الطبية الضرورية للتعامل مع الحالات الحرجة.
- يبلغ عدد سكان مدينة طلخا نحو 390,874 نسمة، وتصل مساحتها الإجمالية إلى 288 كيلومترًا مربعًا، وتضم خمس وحدات محلية
- تقع مستشفى طلخا في شارع البحر الأعظم بالمدينة، حيث تأسست في 20 يوليو عام 1960 تحت اسم "مستشفى الصباح" قبل أن تُعرف باسمها الحالي، وتضم المستشفى قرابة 500 سرير، بالإضافة إلى ثلاث وحدات رعاية وصيدلية واحدة.
يؤكد الدكتور محمود صبري، طبيب مقيم في قسم الباطنة والأوعية الدموية بمستشفى طلخا منذ ثلاث سنوات، أن أوضاع المستشفى تدهورت بشكل كبير خلال الأعوام الأخيرة حتى باتت أقرب إلى وحدة صحية مهملة، موضحًا أن بداية العام الجاري شهدت سحب معظم الأجهزة الطبية إلى مستشفيات أخرى دون توفير بدائل، في إطار خطة غير معلنة من الصحة لنقل خدمات الطوارئ من طلخا إلى مستشفى دميرة أو نبروه، اللذان يبعدان عن طلخا قرابة 14 كيلومترًا.

ويوضح لـ"قلم المنصورة" أن خطة النقل لم تُنفّذ نتيجة احتجاجات متكررة من الأهالي، لكن الأزمة ما زالت قائمة، إذ تفتقر المستشفى أبسط الإمكانيات، فالأجهزة محدودة للغاية، إذ لا يتوافر سوى جهاز واحد فقط من كل نوع -جهاز ضغط دم واحد، وآخر لقياس السكر، وثالث لرسم القلب- ما يجعلها عاجزة عن تلبية احتياجات المرضى اليومية.
ويشير إلى أن الأدوية نادرة، وحتى السماعات الطبية يتشاركها الأطباء في الأقسام المختلفة: "في حال وصول مريض بحالة حرجة أو مصاب في حادث، نضطر إلى تحويله فورًا إلى مستشفيات أخرى بسبب ضعف الإمكانيات وقلة الكوادر الطبية".
أجهزة طبية خارج الخدمة
واجه خالد محمود، شاب في العشرينات من عمره، تجربة قاسية في مستشفى طلخا خلال شهر أغسطس الماضي حين دخل قسم الطوارئ برفقة والده، بعد أن شعر بألم حاد في المعدة والجانب الأيمن من البطن، يؤكد أن الطبيبة المناوبة اكتفت بفحص ضغط الدم والسكر، ثم أجرت كشفًا يدويًا سريعًا، معتبرة الحالة بسيطة ولا تستدعي القلق.
لكن والد خالد، وهو استشاري أمراض قلب، طلب إجراء فحص بالسونار للتأكد من سبب الألم، لتفاجئهما الطبيبة بأن جهاز السونار الوحيد موجود داخل غرفة مخصصة للنساء فقط، ولا يمكن استخدامه في هذه الحالة، وأوصته بتناول المسكنات والرحيل.
يقول خالد: "انتقل والدي إلى مستشفى المنصورة العام، وهناك اكتشف الأطباء أن الزائدة الدودية كانت قد انفجرت بالفعل، وكان التدخل الجراحي العاجل ضروريًا لإنقاذ حياتي لكن العمليات متوقفة في طلخا لذا أجريتها في المنصورة العام، وأرى أنهم حرموني من حقي في العلاج".

تؤكد الدكتورة عزة كريم، أستاذة علم الاجتماع، أن أزمة نقص الأدوية والكوادر الطبية في المستشفيات الحكومية تمثل خطرًا مباشرًا على حق المواطن في الرعاية الصحية، وهو حق دستوري لا يجوز التهاون فيه أو تأجيله تحت أي ظرف، مشيرة إلى أن المشكلة لا تقتصر على ضعف الميزانيات أو نقص التمويل كما يُروَّج، بل تعكس خللًا أعمق في التخطيط وإدارة الموارد الصحية.
وتوضح لـ"قلم المنصورة" أن الكوادر الطبية والخدمات المتقدمة تتركز في المستشفيات الكبرى داخل المدن، بينما تعاني المراكز الريفية والقرى من عجز واضح في الأطباء المتخصصين، والممرضين، والصيادلة، ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الحضر والريف، ويجعل سكان المناطق الطرفية أكثر عرضة للمخاطر الصحية بسبب ضعف الخدمة وتأخر التدخل الطبي.
- وفقًا للمادة 18 من الدستور المصري، لكل مواطن الحق في الحصول على رعاية صحية متكاملة وفق معايير الجودة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التي تقدم خدماتها للمواطنين بالمجان.
جولة تكشف: "خزائن أدوية خاوية وأجهزة متهالكة"
وخلال جولة ميدانية داخل المستشفى لـ"معدة التقرير"، تبيّن أن قسم الطوارئ لا يضم سوى جهاز ضغط دم زئبقي واحد، وجهاز وحيد لقياس السكر، وجهاز رسم قلب، وآخر لمراقبة ضربات القلب، بالإضافة إلى جهاز إنعاش رئوي واحد فقط وهي معدات لا تكفي لتغطية احتياجات يوم عمل واحد في أي قسم طوارئ يخدم مدينة بأكملها.
وفي أثناء الجولة، بدا واضحًا خلو خزائن الأدوية والمستلزمات الطبية في معظم الغرف؛ فلا قطن ولا شاش ولا حتى الإبر متوفرة، كما اختفت المناديل المعقمة والكحول المستخدم في التعقيم.
وتوضح سهام جمعة، ممرضة بالمستشفى، أن تلك المستلزمات لا تكفي بالتأكيد، لذا يُجبر المرضى على شراء كل ما يلزمهم من خارج المستشفى، بدءًا من الحقن والمحاليل وحتى أنابيب الأكسجين والشاش والقطن، مضيفةً أن هذا الوضع يحرم الفقراء من أبسط حقوقهم في تلقي علاج مجاني أو حتى مدعوم داخل منشأة حكومية يفترض أن تكون ملاذهم الأخير.
وترى الدكتورة عزة أن نقص الأدوية الأساسية في المستشفيات الحكومية يجبر المرضى على شرائها من الصيدليات الخاصة بأسعار تفوق قدراتهم المادية، مما يعرضهم في كثير من الأحيان لمضاعفات صحية خطيرة، خاصة في حالات الطوارئ التي يتأخر فيها الحصول على العلاج، وقد يصل الأمر إلى فقدان الحياة.
وتشير إلى أن غياب الطواقم الطبية الكاملة في بعض الأقسام الحيوية مثل الطوارئ أو الرعاية المركزة يدفع المستشفيات أحيانًا إلى تحويل المرضى إلى مستشفيات أخرى أكثر بعدًا، ما يطيل وقت تلقي الخدمة ويضاعف معاناتهم.
يؤكد حديثها الدكتور محمود صابر، أن بعض أفراد الطواقم الطبية في المستشفى يتقاعسون أحيانًا عن أداء مهامهم، خاصة في ظل نقص الإمكانيات المتاحة، مما يشعر بعض الأطباء بالعجز عن تقديم المساعدة حتى ولو عبر الكشف السريري البسيط.
مطالب بالتدخل العاجل
كما أن المستشفى في الأشهر الأخيرة فقدت أبسط مقومات العمل الطبي، حتى على مستوى النظافة، وفق الممرضة سهام، موضحة أن الإدارة لم تعد تتعاقد مع شركات أو عاملات نظافة ولو بشكل شهري: "المستشفى أصبحت أسوأ من الشارع، لا توجد نظافة ولا تعقيم، وإذا لم نقم نحن الممرضات بكنس ومسح الأرضيات يوميًا فلن تبدو المستشفى كمكان للعلاج، رغم أن هذا ليس من صميم عملنا، مهامنا تقتصر على غرف الكشف لا التنظيف العام".
وخلال الجولة الميدانية، بدت أرضيات المستشفى متسخة، فيما تجولت قطط صغيرة بين غرف الكشف، أما الأسرّة فكانت غير نظيفة ولا مغطاة بشاش معقم، ولا تفوح في الغرف أي رائحة للتعقيم، كما لاحظنا وجود عبوات أدوية فارغة وحقن في الأرضيات.
تؤكد ذلك حكاية شيماء إبراهيم، 35 عامًا، كانت على وشك الولادة حين دخلت مستشفى طلخا العام 2023، وهي تظن أنها ستجد الرعاية التي تستحقها في أكثر لحظات حياتها صعوبة: "كنت أتألم بشدة، ومع كل دقيقة تمرّ كان الخوف بيزيد، محدش سأل فيّ، ولا حد حاول يطمنّي".
عندما أُدخلت إلى غرفة الولادة، ازداد خوفها. المكان بدا غير نظيف، الإضاءة خافتة، والمعدات قديمة ومهملة: "حسّيت إنهم متعودين على المعاناة دي، كأنها شيء عادي، وأنا كنت مرعوبة، كل اللي بفكر فيه: هل أنا وطفلي هنطلع من هنا بخير؟، المؤلم إن المستشفيات الحكومية اللي اتعملت علشان تحمينا، بقت في أوقات كتير مصدر خوفنا".

تقترح الدكتورة عزة تفعيل نظام حوافز فعّال لجذب الأطباء إلى المناطق النائية، مع ضمان توافر الأدوية الأساسية من خلال آلية توريد ومتابعة دقيقة تمنع الانقطاع أو التلاعب بالمخزون، مشددة على ضرورة إشراك المجتمع المحلي ومنظمات المجتمع المدني في رصد أوجه القصور والإبلاغ عنها.
بينما يطالب محمود فؤاد، رئيس المركز المصري للحق في الدواء، وزارة الصحة بالتدخل العاجل عبر إعادة تشغيل قسم الطوارئ في مستشفى طلخا وتزويده بجميع الأجهزة والأدوية الأساسية اللازمة، وإعادة توزيع الكوادر الطبية بما يتناسب مع حجم السكان واحتياجاتهم، مع توفير حوافز تشجيعية للأطباء للعمل في المستشفيات الطرفية، وتطبيق نظام رقابي صارم لمتابعة المخزون الدوائي داخل المستشفيات، بما يمنع إجبار المرضى على شراء المستلزمات من الخارج.
حاولت معدّة التقرير التواصل هاتفيًا مع وزير الصحة، الدكتور خالد عبدالغفار، للحصول على تعقيبه وحق الرد، إلا أنها لم تتلقَّ أي استجابة حتى موعد نشر هذا التقرير.
تلّخص حكايات المرضى الصورةً القاتمة لأوضاع مستشفى طلخا العام الذي أصبح رمزًا لمعاناة الأهالي، في كل حالةٍ منها تتكرر المأساة: أجهزة معطلة، أدوية مفقودة، كوادر غائبة، وقرارات مؤجلة، يدفع ثمنها المواطن البسيط من صحته وحياته.