كان برنامج "مع كامل احترامي" لصانع المحتوى محمد عبد العاطي، جزءًا ثابتًا من طقوسي كل يوم جمعة، دقائق قصيرة تحمل لي لحظات من الضحك العفوي، مواقف طريفة ونقدية أحيانًا وأخرى تحمل ألفاظًا جريئة، كلها تلامس أسلوب كلامي الطبيعي، كأنك تجلس مع صديقك على المقهى تحكيان معًا، تتبادلان الضحك والحكايات على نفس المواقف.
لم أنكر أن كثيرين تعرفوا على عبد العاطي، كأنه "ستاند أب كوميديان" ومقدم المحتوى، بسبب ألفاظه التي وصفت بالجريئة، لكنه بالنسبة ليّ لم يكن مجرد "كوميديان بيشتم"، بل صانع محتوى يعرف كيف يخاطب جيلًا لا يجد متعة في "إفيهات" إسماعيل يس وعبد الفتاح القصري.
كنت أرى في "عبعاطي"، كما يحب كثيرون أن ينادوه، صديقًا افتراضيًا يشاركني حكاياته التي لا أملّ منها، حكايات طريفة إذ يضع صوت بطة مع الألفاظ التي ينطقها في البرنامج، ليخفّف من وقعها على الأذن؛ فمَن لا يألف تلك الألفاظ قد لا يلتقط سياقها الكامل.
في فترة قصيرة، تحوّل عبد العاطي من فنانٍ يبحث عن فرصة أوسع ليُضحك الناس، إلى اسمٍ يقف أمام المحكمة، قبل أشهر فقط وتحديدًا في أبريل الماضي، كانت بدايته الفنية بمشاركته الأولى مع المخرج عمرو سلامة في مسلسل "برستيج" بطولة محمد عبد الرحمن ومصطفى غريب، لكن لم تمهله الظروف كثيرًا.
ففي أغسطس الماضي، شنت السلطات حملة موسعة على صناع المحتوى، ركّزت على ما تصفه بأنه مواد "خادشة للحياء" أو مخالفة للقيم الاجتماعية.
وفي ظل هذه الحملة، جاءت محاكمة عبد العاطي، حين قضت المحكمة الاقتصادية بالقاهرة بحبسه عامين وتغريمه 100 ألف جنيه، على خلفية فيديوهات اعتُبرت "مخالفة للأعراف العامة".
هل هناك من يختلف على أننا نعيش في مجتمع يستهلك هذه اللغة يوميًا بلا أي مساءلة؟ إذ أن الألفاظ التي يقولها في برنامجه أصبحت جزءً من حياتنا اليومية؛ في الشارع، بين الأصدقاء، وعلى الشاشات التلفزيونية، ولا ينجو منها حتى حديث الفتيات بصوت خافت.
كنت أتصفح تيك توك منذ أيام، كعادتي، وصادفني فيديو منتشر يتباهى فيه ممثل شهير بأن الرقابة الفنية تقدمت وأصبح من المقبول قول ألفاظ مثل "فشخ" في الأعمال التلفزيونية والسينمائية -مفارقة لن أستطيع تجاهلها- فإذا كان نفس اللفظ يمرّ بهدوء داخل عمل فني يُعرض على الشاشات، فكيف يتحوّل إلى تهمة عندما يقوله شاب على اليوتيوب؟.
متى يصبح اللفظ خادشًا؟ ومتى يصبح فنًا؟ ولماذا يُحاسَب صانع محتوى مستقل، بينما لا يُسأل فنان أو منتج أو مخرج عن أعمال مليئة بالألفاظ والتلميحات نفسها؟ المشكلة ليست في الكلمة نفسها، بل في المعايير التي تتغير بحسب صاحبها، وفي ميزان لا يُطبّق على المحتوى بل على من يقدمه.
هل يمكن القول إن أبناء جيلنا أكثر إدراكًا ووعيًا من الأجيال السابقة؟ الواقع أن الأجيال السابقة تكوّنت في أجواء منحتهم ثوابت وقيمًا واضحة، ولو حملت الصرامة أحيانًا، أما نحن، فكبرنا في عالم متداخل ومشوَّش، بين خطاب إعلامي يحثّنا على التعبير والجرأة والاختلاف، وبين معايير اجتماعية وأخلاقية تتغير كل يوم، وتتبدل معها حدود المقبول والمرفوض.
أي محاولة لخلق مساحة شخصية في محتوى مختلف قد تصطدم بجدار من الأحكام الأخلاقية، والنقد يتحول بسهولة إلى إدانة، والجدل إلى عقوبة، والتعبير إلى مسؤولية قانونية. صناع المحتوى هنا ليسوا مجرد أشخاص يصورون مقاطع قصيرة، بل يمثلون انعكاس لجيل يحاول أن يجد صوته بين الحرية والرقابة، بين الإبداع والضوابط، في مساحة ضيقة تحاصر أي محاولة لتجاوز المألوف.
لا يغيب عن بالي التساؤل: في بلد مثل مصر يواجه أزمات مزمنة في الصحة والتعليم والبطالة، هل يصبح صانع محتوى كوميدي هو الخطر الذي يستدعي المواجهة؟ أم أن هذا التركيز يكشف عن خلل أكبر في ترتيب أولوياتنا، وفي الطريقة التي نتعامل بها مع مشكلاتنا الحقيقية؟