كانت رحاب محمود، 29 عامًا، تتخيل أن حصولها على بكالوريوس التجارة منذ عامين في جامعة أسوان، سيفتح أمامها بابًا لعمل مستقر وراتب كافٍ، لكنها، مع أولى خطواتها في البحث عن وظيفة بعد التخرج اصطدمت بواقع مختلف، عروض عمل لا تتجاوز 2000 جنيه شهريًا، بحجة أنها "حديثة التخرج ولا تمتلك خبرة كافية".
وحين تزوجت وزادت مسؤولياتها المعيشية، وجدت نفسها مضطرة لقبول أول فرصة متاحة، وعملت موظفة استقبال في أحد الفنادق براتب 4000 جنيه مقابل 8 ساعات عمل يوميًا.
من حلم التخرج إلى واقع الأجور المتدنية
تقول رحاب: "أنا مش قادرة أسيب الشغل.. حتى لو المرتب مش مكفّي، بس منين هصرف على ولادي؟"، بهذه الكلمات تختصر رحاب واقع شريحة من نساء عاملات في أسوان، دخلن سوق العمل الخاص بأجور منخفضة لا تقترب من الحد الأدنى المعلن، وفي وظائف غالبًا ما تفتقر للاستقرار أو الامتيازات الأساسية.
ورغم ذلك، تستمر النساء في العمل لعدم وجود بديل، في ظل غياب الرقابة على القطاع الخاص في تطبيق الحد الأدنى للأجور.
- تطبيق الحد الأدنى للأجور في مصر 9 آلاف جنيهًا خلال يوليو المقبل، وفقًا لقرار مجلس الوزراء وينطبق القرار على جميع منشآت القطاعين العام والخاص.
يتقاضى زوج رحاب نحو 8000 جنيه من عمله، وهو دخل بالكاد يكفي لتغطية احتياجات الأسرة، ومع وجود طفلين، لذا أصبحت رحاب شريكًا أساسيًا في تحمل أعباء المعيشة.
ورغم أن وظيفتها لا تمت إلى تخصصها، والأجر الذي تحصل عليه لا يعكس جهدها أو مؤهلها العلمي، ترى رحاب أن استمرارها في العمل هو الوسيلة الوحيدة لمواجهة ارتفاع تكاليف الحياة.
في خلفية هذه الشهادات، تتشكل صورة أوسع لواقع عمل النساء، يتقارب مع ما تشير إليه بعض تقارير منظمات العمل الدولية بوصفه أحد أشكال "العبودية الاقتصادية"، حيث تعمل النساء لساعات طويلة مقابل أجور منخفضة لا تضمن حياة كريمة، في وقت يظل فيه التطبيق الفعلي للقوانين أكثر محدودية من نصوصه.
وفقًا لتقرير مسح القوى العاملة السنوي، بلغ إجمالي القوى العاملة في مصر نحو 32.041 مليون فردًا، من بينهم 5.961 مليون سيدة فقط.
تعيش مرفت حامد، 39 عامًا، تجربة يومية تعكس هذا الواقع؛ إذ تعمل عاملة نظافة في إحدى شركات الخدمات منذ عامين، وتقضي نحو عشر ساعات يوميًا في أعمال شاقة تتضمن حمل أدوات التنظيف وصعود السلالم والتنقل المستمر بين الغرف دون توقف، مقابل أجر لا يتجاوز 3500 جنيهًا.
تقول: "أنا بتعب آه.. بس نفسي أجيب شقة لولادي. طول عمرنا في إيجار، وكل يوم خايفة من زيادة جديدة". وتضيف أن زوجها يتقاضى نحو 7000 جنيه، يذهب بالكامل لتغطية مصاريف المعيشة والأبناء والإيجار.
سوق عمل غير منصف للنساء
بحسب دراسة "فجوة الأجور بين الجنسين في مصر" الصادرة عن منظمة العمل الدولية، ما تزال الفجوة في الأجور بين النساء والرجال واسعة في مصر، وهو ما يسهم في تعميق مستويات الفقر بين العاملات، خاصةً في محافظات الصعيد.
يصف المستشار القانوني عمر جعفر، المتخصص في القانون المدني والإداري، أن فرض ساعات عمل إضافية على النساء أو دفع أجور أقل من المستحق قد يرقى إلى صورة من صور العمل الجبري، وهو ما يحظره قانون العمل الجديد في المادة 4 التي تنص على حظر تشغيل العامل "سخرة أو جبرًا" أو تعريضه لأي عنف لفظي أو جسدي.
كما يؤكد أن القانون يمنع التمييز في الأجور أو شروط العمل على أساس الجنس أو غيره، وفق المادة 5 التي تحظر التفرقة في بيئة العمل.
وفيما يتعلق بالعقوبات، يوضح جعفر أن مخالفة هذه المواد قد تعرض صاحب العمل لغرامة مالية تتراوح بين 5,000 و50,000 جنيه، تتضاعف في حالة التكرار، وفق المادة 281 من القانون ذاته، مع إمكانية إغلاق المنشأة مؤقتًا أو نهائيًا، وإلزام صاحب العمل بسداد المستحقات للعامل عبر القضاء العمالي.
بينما توضح سلمى حسين، الباحثة في العدالة الاقتصادية والاجتماعية، أن القطاع الخاص غالبًا ما يستغل حاجة النساء الملحّة للعمل في ظل ضعف آليات الحماية، ما يجعل صور الاستغلال أكثر شيوعًا، وهي ظاهرة ممتدة عالميًا ظهرت حتى في فترات النمو الاقتصادي، باستثناء مراحل محدودة شهدت تشديدًا على سياسات المساواة في الأجور وسوق العمل.
وترى أن أثر هذا الظلم لا يقتصر على فئة بعينها، لكنه ينعكس بشكل أشد على النساء، في ظل اتساع نطاق العمالة منخفضة الأجر.
العمل رغم قسوة الظروف
يتجلى هذا الواقع مع أم محمد أمين، 40 عامًا، تعمل في أحد محال الملابس في شارع الشواربي بأسون مقابل 2000 جنيه شهريًا، تقضي ساعات طويلة على قدميها بين استقبال الزبائن وترتيب البضائع.
وتعيش أم محمد مع أسرتها في شقة بالإيجار، ولديها ثلاثة أبناء تتزايد احتياجاتهم اليومية، في ظل دخل زوجها الذي لا يتجاوز 5000 جنيه، ما دفعها إلى الخروج للعمل رغم تدني الأجر: "هو المرتب صغير أوي.. بس أعمل إيه؟ أي جنيه بييجي بيسد حاجة، ومعرفش أنا كعاملة إزاي أحصل على الحد الأدنى اللي بيقولوا عليه".
وهنا يوضح المستشار القانوني عمر جعفر، أن حماية العامل في مصر تبدأ بمجرد تقديم شكوى إلى مكتب العمل، حيث تتاح له بعد ذلك سبل التقاضي أمام المحاكم العمالية المختصة، سواء في القطاع الخاص أو العام.
ويضيف أن العامل يبدأ بدعواه أمام المحكمة الجزئية المختصة، ثم يحق له الاستئناف والطعن بالنقض عند الاقتضاء، وفي حالات الفصل التعسفي يمكن الطعن أمام الجهات القضائية المختصة للمطالبة بإلغاء القرار والحصول على تعويضات قد تصل إلى أضعاف الأجر.
بينما أم محمد لا تملك القدرة المالية لكل هذه الإجراءات القضائية: "المرتب بيكفي احتياجات الأولاد بالعافية البيت محتاج، والأولاد محتاجين، وأنا لازم أشتغل حتى لو من غير عقد".
ويشير جعفر إلى أن العقود غير المكتوبة في القطاع غير الرسمي تثير إشكاليات قانونية، رغم أن قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 يشترط تحرير عقد عمل مكتوب وإيداعه وفقًا للضوابط المنظمة لذلك.
ويوضح أنه في حال إثبات العامل وجود علاقة عمل فعليًا عبر وسائل الإثبات المختلفة مثل شهادة الشهود أو أي مستندات داعمة، يمكنه رفع دعوى لإثبات العلاقة العمالية أمام المحكمة المختصة دون الحاجة لإجراءات تمهيدية إضافية، باعتبار أن الإثبات الواقعي هو الأساس في هذه الحالات.
- تأتي مصر في المرتبة 12 عربيًا من حيث تقليل فجوة الأجور بين النساء والرجال، إذ مثلت الفجوى من أجور الرجال والنساء 37.5% وفق مؤشر الرواتب العالمي.
تعلق سلمى حسين، الباحثة في العدالة الاقتصادية على تلك الأجور: "الفجوة في الأجور بين النساء والرجال في مصر والمنطقة العربية تعود إلى عوامل اقتصادية واجتماعية هيكلية تسهم في تعميق الفقر وإعاقة التنمية، بسبب ضعف التشريعات وغياب أدوات التفاوض والتمثيل داخل النقابات ومجالس الإدارة، وهو ما يحد من قدرة النساء على المطالبة بحقوقهن ويعمّق فجوة الأجور".
اختلال سوق العمل
يشير تقرير "التحليل السريع للروابط بين التشغيل والبيئة والمساواة بين الجنسين" الصادر عن منظمة العمل الدولية، إلى أن الأطر الاقتصادية والبيئية في مصر لا توفر دعمًا كافيًا للمساواة الجندرية في بيئة العمل، ما يخلق بيئة قد تتيح فرصًا أكبر لاستغلال النساء العاملات.
وترى سلمى أن الحلول تتطلب تفعيل قوانين العمل التي تنص على المساواة، مؤكدة أن المشكلة لا ترتبط بغياب التشريعات بقدر ما ترتبط بضعف تطبيقها.
وبحسب نشرة الحقائق "Fact Sheet: Women’s Empowerment" الصادرة عن المجلس القومي للمرأة، ما تزال معدلات مشاركة المرأة في قوة العمل في مصر منخفضة نسبيًا، مع تراجع أكثر وضوحًا في محافظات الصعيد.
وتشير البيانات إلى أن التمكين الاقتصادي للمرأة يواجه تحديات هيكلية واجتماعية مستمرة منها استغلالهن بشكل أكبر، ما يعكس الحاجة إلى سياسات أكثر فاعلية لدعم مشاركة النساء في سوق العمل وتحسين ظروف عملهن وحماية حقوقهن.
وتدعو سلمى إلى تعزيز دور النقابات وتسريع إجراءات التقاضي العمالي وتوسيع التغطية الإعلامية للقضايا العمالية، كما تشدد على أهمية الرقابة المجتمعية عبر منظمات المجتمع المدني لرصد المخالفات وتقديم الدعم القانوني للعمال منخفضي الأجر، معتبرة أن تحسين أوضاع الفئات الأكثر هشاشة ينعكس إيجابًا على المجتمع والاقتصاد.
تصبح الأجور المتدنية وساعات العمل الطويلة جزءًا من يوميات كثير من النساء، حيث تتداخل الحاجة مع ضعف الرقابة في تحديد مصائرهن في سوق العمل.