أثارت أزمة اشتراط سداد الغرامات الجنائية كقيد مسبق لإتمام الإجراءات القانونية موجة من الغضب في الأوساط الحقوقية، بعدما توسعت النيابات في ربط كافة الخدمات القضائية والتقاضي بذمة المواطن المالية.
وتتبع النيابات قرارًا يقضي باشتراط سداد الغرامات الجنائية المحكوم بها على المواطنين كشرط مسبق لاتخاذ إجراءات الطعن على الأحكام، سواء بالمعارضة أو الاستئناف، ويُعد هذا الإجراء، وفقًا لما يطرحه محامون، عائقًا أمام ممارسة حق التقاضي المكفول دستوريًا.
وفي هذا السياق، أوضح حمدي الحرزاوي، نقيب محامين أسوان، أن المحامين فوجئوا مؤخرًا بانتهاج النيابة العامة نهجًا يقوم على منع المحامي من إجراء المعارضة أو الاستئناف على الأحكام إلا بعد سداد قيمة الغرامة، وهو ما يعد تحولاً من "تنفيذ العقوبة" إلى "مقايضة حق التقاضي".
وبين الحرزاوي أن المناقشات مع المسؤولين كشفت عن تذرع النيابة بالمادة 463 من قانون الإجراءات الجنائية التي تجعل الغرامة واجبة النفاذ فورًا، إلا أنه فند هذا التمسك مؤكدًا أن النص القانوني يمنح الدولة الحق في التحصيل الجبري لكنه لا يمنحها الحق في حرمان المواطن من الطعن على الحكم، معتبرًا أن تفعيل النص بهذا الشكل يفرغ حق الاستئناف من مضمونه.
وأوضح نقيب محامي أسوان أن الأزمة لم تتوقف عند حدود الطعون، بل امتدت لتشمل "تعجيز" العمل الإداري؛ حيث أشار إلى أن النيابة باتت ترفض منح المحامين شهادات من واقع السجلات، أو صورًا رسمية من الأحكام والمحاضر، إلا بعد استعلام عن الموكل وسداد أي مبالغ مستحقة عليه في قضايا أخرى، وهو ما وصفه بـ "الإعاقة" لرسالة المحاماة وعمل الوكيل.
وقال الحرزاوي إن هذه الممارسات المستمرة أفرزت نتائج "كارثية"؛ حيث أكد أن ربط الحصول على الأوراق الرسمية أو ممارسة حق التقاضي بالقدرة المادية يزعزع ثقة المواطن في العدالة، خاصة وأن المنظومة القضائية قائمة على احتمالية إلغاء الأحكام أو تخفيفها في درجات التقاضي الأعلى.
وفي سياق متصل، شهدت حوافظ الاستئناف زيادات ملحوظة ضمن موجة أوسع من ارتفاع الرسوم القضائية خلال الأسبوع الماضي، حيث قفزت الرسوم من جنيه واحد إلى نحو خمسة وعشرين جنيهًا. وتأتي هذه الزيادة ضمن نمط عام لفرض رسوم على المستندات والخدمات التي كانت تُقدَّم سابقًا بتكلفة رمزية أو دون مقابل، أو بأسعار أقل بكثير.
واستطرد الحرزاوي أن المعاناة التي تلي هذه الإجراءات، حيث ذكر أن إجبار المواطن على السداد كشرط للتقاضي يضعه في "دوامة" إدارية لاسترداد أمواله في حال نيله البراءة، مؤكدًا أن استرجاع المبالغ من خزينة الدولة قد يستغرق قرابة 8 أشهر من الملاحقات بين وزارة المالية والضرائب.