مع اقتراب شهر رمضان، يستعد أحمد الشمسي، 32 عامًا من مركز إدفو ويعمل بأحد المحلات التجارية، لتدبير احتياجاته من السلع الغذائية لاستقبال الشهر الكريم، وهو واحد من المدرجين ضمن العمالة غير المنتظمة.
انضم "أحمد" لقائمة العمالة غير المنتظمة لدى وزارة العمل قبل ثلاث سنوات، أثناء عمله في إحدى شركات المقاولات، ويبلغ عدد المسجلين حاليًا نحو 199 ألف عامل غير منتظم حتى عام 2026، وفقًا لوزارة العمل.

منحة محدودة مقابل تضخم متسارع
يروي "أحمد" لـ "عين الأسواني"، وهو متزوج بدون أطفال ويعمل حاليًا براتب شهري 7,500 جنيه، أن تكاليف المعيشة والإنفاق على الخدمات تمثل جزءًا كبيرًا من راتبه، لكن منحة رمضان، رغم محدوديتها، تساعده في مواجهة تكاليف الشهر.
ويُعرف العامل غير المنتظم بأنه كل من يقوم بأداء عمل غير دائم بطبيعته مقابل أجر، أو يعمل في مهنة أو حرفة لا ينظمها قانون خاص، مثل الباعة الجائلين وموزعي الصحف، ويعتمد بشكل كبير على الدخل اليومي والموسمي لتغطية احتياجات أسرهم الأساسية.
ويضيف أحمد:"كانت المنحة تغطي منذ بداية انضمامي نحو 50% من الإنفاق على السلع في رمضان، لكنها انخفضت العام الماضي لتغطي 40% فقط. أتمنى أن تصل إلى 2000 جنيه على الأقل لتغطية احتياجاتي الأساسية من خضروات ولحوم".

على الرغم من زيادة قيمة منحة العمالة غير المنتظمة عدة مرات منذ صدورها، إلا أن ارتفاع أسعار السلع والخدمات أسرع من قيمة المنحة، ما يجعل المستفيدين يشعرون بأنها لم تعد تكفي لتغطية احتياجاتهم الأساسية، وأنهم ما زالوا يعتمدون على دخلهم اليومي أو الموسمي لتغطية مصاريف الشهر.
هذه الفجوة بين قيمة الدعم والتضخم تشكل أبرز التحديات التي تواجه العمالة غير المنتظمة في رمضان.
بدأت منحة العمالة غير المنتظمة في أبريل 2020 بقرار من الرئيس عبد الفتاح السيسي، بقيمة 500 جنيه، لدعم العمالة المتضررة من تداعيات جائحة كورونا، ثم رفعت الحكومة قيمة المنحة تدريجيًا لتصبح 1500 جنيه في 2025، في محاولة لتحسين مستوى المعيشة وضمان استمرار النشاط الاقتصادي المحلي.

في هذا السياق، انتقد النائب هلال الدندراوي، عضو مجلس النواب عن حزب التجمع، قيمة المنحة المقررة للعمالة غير المنتظمة، معتبرًا أن مبلغ 1500 جنيه لا يغطي الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية، ولا يحقق أي شكل من أشكال العدالة الاجتماعية أو الاقتصادية للفئات المهمشة.
وأشار لـ"عين الأسواني" إلى غياب سياسة عادلة في توزيع الدعم، مؤكدًا أن السياسات الحالية تفتقر للتوازن بين المواطنين.
تآكل القدرة الشرائية
تشير دراسة نُشرت في مجلة "دراسات في الخدمة الاجتماعية" عام 2022، للباحثة جيهان سيد من جامعة حلوان، بعنوان: "تقدير الحاجات للعمالة غير المنتظمة"، إلى أن الاحتياجات الاقتصادية تصدرت أولويات هذه الفئة، تليها باقي الاحتياجات الضرورية، ما يعكس أن تأمين الدخل اليومي شرط أساسي لتلبية أي حاجة أخرى.
ويؤكد الدكتور عبدالله صابر، وكيل كلية الخدمة الاجتماعية لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة بجامعة أسوان، أن شهر رمضان يشكل موسمًا استثنائيًا يحتاج فيه أصحاب العمالة غير المنتظمة للدعم من الدولة، للشعور بالرضا والأمان.
ويوضح لـ"عين الأسواني": "في المقابل، يؤدي غياب الدعم المناسب إلى شعور بعدم الرضا، ما ينعكس سلبًا على الاستقرار الاجتماعي".
لكن على الرغم من زيادة قيمة منحة العمالة غير المنتظمة خلال السنوات الماضية، لم تتحقق أي مكاسب فعلية للمستفيدين نتيجة تآكل القيمة الشرائية.
قامت "الأسواني" بإنشاء قاعدة بيانات لمقارنة أسعار السلع الأساسية بين أبريل 2020، وقت انطلاق المنحة، ويناير 2026، بعد رفع قيمة المنحة إلى 1500 جنيه، حيث سجلت التكلفة الإجمالية لسلة السلع المختارة ارتفاعًا قياسيًا بنسبة تجاوزت 211%.

فبعد أن كان تكلفة شراء هذه المجموعة من السلع بموجب كيلو من كل سلعة أساسية (سكر، زيت، أرز، لحوم، وغيرها) تبلغ نحو 373.3 جنيه في رمضان 2020، قفزت لتصل إلى 1163.4 جنيه في عام 2026، بينما تضاعفت قيمة المنحة ثلاث مرات فقط.
وهذا يعني أن الزيادة لم تلحق بالارتفاع الكبير في أسعار الغذاء الأساسي، مما يقلل فعليًا من القدرة الشرائية للمنحة، وفق بيانات نشرة أسعار المستهلكين.

يؤكد ذلك رجب محمد، 39 عامًا، من مدينة أسوان، والذي يعمل على عربة بيع وجبات ويعول طفلين في المرحلة الابتدائية، ويعتمد على منحة العمالة غير المنتظمة في رمضان لشراء اللحوم والخضروات التي تكفي الأسبوع الأول فقط، بينما يعتمد بقية الشهر على دخله الشهري الذي يبلغ في المتوسط 4 آلاف جنيه.
وبمقارنة بيانات الأسعار، ارتفعت أسعار اللحوم وحدها من 134.3 جنيهًا في 2020 إلى 400.8 جنيه في 2026، أي بنسبة زيادة 199% خلال ست سنوات.
يقول رجب:"أعتمد على السلع التموينية لتغطية احتياجات الأسبوع، وأشتري أي نقص من قوت يومي، لكن مع ارتفاع الأسعار المستمر، أصبحت المنحة بالكاد تغطي نفس السلع دون أن توفر أي مبلغ إضافي، خصوصًا للحوم مثل الكبدة والممبار".
ما يفعله التضخم
في المقابل سجل معدل التضخم السنوي منذ عام 2020 نحو 5%، قبل أن يصل إلى ذروته في 2023 بحوالي 38%. ومع بداية 2024/2025، بدأ التضخم يتراجع تدريجيًا ليصل إلى 12% بنهاية 2025.
وتؤكد الدراسة نفسها أن هشاشة أوضاع العمالة غير المنتظمة لا ترتبط فقط بانخفاض الدخل، بل أيضًا بغياب الحماية الاجتماعية. معظم العمال غير المنتظمين يفتقرون إلى التأمين الصحي أو أي ضمانات في حال المرض أو توقف العمل، مما يزيد من هشاشة معيشتهم.
ويستطرد الدكتور عبدالله صابر، وكيل كلية الخدمة الاجتماعية لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة بجامعة أسوان، أن المنح النقدية وحدها لا تكفي لتلبية كافة الاحتياجات الأساسية في الوقت الحالي، مؤكداً ضرورة تطوير برامج الحماية الاجتماعية لتحويلها من دعم مؤقت إلى دعم مستدام.
ويضيف: "ينبغي التركيز على الجانب التمويلي والتشغيلي من خلال تدريب وتنمية قدرات أفراد الأسر المستهدفة، لتمكينهم من الاعتماد على أنفسهم وتوفير احتياجاتهم بشكل دائم. الهدف هو تحويل الأسرة من متلقية للدعم إلى فئة قادرة على العمل والإنتاج، بما يضمن حياة كريمة ومستقرة على المدى الطويل".
"لا أعتمد على المنحة في شراء السلع الغذائية، التي قد تصل تكلفتها إلى نحو 3 آلاف جنيه حتى منتصف رمضان، لذلك أحتفظ بها للاستخدام في أيام العيد"، يتحدث محمد حسن، 35 عامًا، عن مناورة يقوم بها مجبرًا كل عام قبل رمضان.
محمد هو صاحب كشك في أسوان، انضم للعمالة غير المنتظمة منذ جائحة كورونا 2020، لكنها لا تكفي لشراء احتياجات رمضان لعائلته المكونة من 4 أفراد: "الإنفاق في رمضان يرتفع، لا سيما على السكر المستخدم يوميًا في تحضير العصائر والحلويات، والذي يشهد ارتفاعًا مستمرًا في أسعاره سنويًا".
يضيف: "لا أعتمد على منحة رمضان لتغطية شراء السلع الغذائية، أحتفظ بالمنحة لاستخدامها خلال أيام العيد".
أمنيات لا تتحقق
تنص المادة 8 من الدستور المصري لعام 2019، على أن المجتمع يقوم على التضامن الاجتماعي، وتلتزم الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل لضمان حياة كريمة لجميع المواطنين.
لكن هذا الواقع لا ينطبق على محمد أحمد، سائق بمدينة كوم أمبو، يعمل دون عقد ثابت، وبالتالي لا يُطبق عليه الحد الأدنى للأجور البالغ 7 آلاف جنيه، ويصل راتبه في أقصاه إلى نحو 3 آلاف جنيه شهريًا.
يؤكد محمد أن هذا الدخل غير ثابت ويتأثر مباشرة بالغياب، حيث يُطبق نظام الخصم اليومي دون منح أي إجازات رسمية مدفوعة الأجر.
تمثل العمالة غير المنتظمة في أسوان نحو 13 ألف عامل، وفق أحدث البيانات المنشورة لدى المحافظة حتى عام 2020، ويتلقى المستفيدون منحة العمالة غير المنتظمة من خلال 155 مكتب بريد و40 فرعًا للبنوك الزراعية في المحافظة.
ويشدد النائب هلال الدندراوي، عضو مجلس النواب عن حزب التجمع على ضرورة المساواة بين العمالة المنتظمة وغير المنتظمة، خاصة فيما يتعلق بالحقوق التأمينية والمعاشات، مشيرًا إلى أن الصندوق الخاص بالعمالة غير المنتظمة، الذي أنشأته وزارة القوى العاملة سابقًا قبل نقل تبعيته إلى وزارة المالية، يمثل أحد أسباب تعقيد الأزمة واستمرارها لعدم كفايته.
بينما يصف "محمد" راتبه الشهري بأنه "حاجة هايفة" لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، مشيرًا إلى أنه لا يصمد معه لأكثر من عشرة أيام في الشهر، بينما المنحة يقول عنها: "لا تكفي سوى لتأمين احتياجات الأسرة الأساسية لمدة لا تتجاوز عشرة أيام، أتمنى زيادتها".
يتشارك محمد وأحمد ورجب نفس الأمنية وهو زيادة قيمة منحة العمالة غير المنتظمة لتواكب ارتفاع تكاليف المعيشة، وتمكينهم من تأمين احتياجات أسرهم الأساسية طوال شهر رمضان دون شعور بالضغط المادي.