بينما لا تزال أغلب الفتيات المراهقات منشغلات بالدراسة واللّعب وأحلام المستقبل، هناك أخريات في العمر نفسه يجدن أنفسهن فجأة "زوجات" يتحملن مسؤوليات أكبر من أعمارهن. مشهد يصعب تقبّله، خاصةً حين نرى فتاة بالكاد خرجت من مرحلة الطفولة واللعب، تُدفع نحو حياة لم تخترها بحرية ونضج.
ورغم تشريع القوانين التي تحدد سن الزواج في مصر بـ18 عامًا، ما زالت ظاهرة زواج القاصرات موجودة في القرى، كالقرية التي نكتب منها هذا التقرير، وهي قرية الزوايدية بمركز إدفو بأسوان، وذلك بفعل عادات متجذرة وأوضاع اجتماعية واقتصادية.
تقول رانيا*، 16 عامًا، التي تزوجت منذ سبعة أشهر، إن الزواج منحها قيمة ومكانة اجتماعية لم تكن تكتسبها وهي في بيت والدها، شعرت بأنها انتقلت من مرحلة الطفولة والمراهقة إلى مرحلة المسؤولية والنضج، وأصبح لها دور أكثر وضوحًا كزوجة، على عكس صديقاتها اللاتي ما زلن ينتظرن مصيرًا مجهولًا في بيت الأهل، على حد قولها، فهي تؤمن أن هذا الاستقرار المبكر هو مكسب وفرصة لا يمكن تجاهلها، وأنه أفضل بكثير من القلق بشأن المستقبل والبحث عن هوية في مجتمع لا يمنح الفتاة مكانة إلا من خلال الزواج.
أما قمر* التي تزوجت في السابعة عشرة، فترى أن الزواج ليس فقط وسيلة "الستر والحماية" ولكنه فرصة حقيقية لبدء الحياة وتكوين أسرة، وترى أنه المصير "الطبيعي" للفتاة، وأن تزويج البنات في هذا السن شيء معتاد في المجتمع. وتضيف: تزوجت منذ سنة ونصف تقريبًا، رغم صغر سني لم أواجه أي تحدٍ في بُعدي عن أهلي، حيث أقمت بمحافظة أخرى تبعد 12 ساعة عن المحافظة التي يقيمون بها، وحصلت على حياة مستقرة مع زوجي وطفلي الرضيع.
زواج القاصرات لتخفيف الأعباء الاقتصادية!
بالنسبة للأمهات، فبعضهن يرين أن الزواج المبكر "أمان للبنت وستر لها"، تقول أم رانيا إن تأخر الزواج يعرض سمعة الفتاة للخطر، وأن الاستقرار في بيت الزوج أهم من التعليم، تؤيدها أم قمر التي تعتبر أن العادات والتقاليد أقوى من القوانين، وأن الزواج المبكر يحمي سمعة العائلة ويخفف من الأعباء الاقتصادية.
من جهة أخرى تقول دعاء*، وهي سيدة في الثلاثين من عمرها وقد تزوجت في سن السابعة عشرة، إنها كانت تعتقد أن الزواج سيمنحها الاستقرار والحرية، لكنها اكتشفت العكس بعد فترة قصيرة، موضحةً: "كنت فاكرة إن الجواز هيخليني أبقى مسؤولة وأعيش زي الكبار، لكن الحقيقة كنت لسه طفلة، لا عارفة أتعامل مع المسؤولية ولا مع الضغوط، بعد الجواز اكتشفت إن كل حاجة أكبر مني والبيت والمسؤولية والخلافات والحمل… حسيت إني اتحرمت من شبابي".
وتضيف دعاء أن زواجها المبكر جعلها تنعزل عن صديقاتها ودراستها، وساءت حالتها النفسية: "دلوقتي أنا عندي 30 سنة، لو الزمن رجع بيّا كنت هاكمل تعليمي وما كنتش اتجوزت بدري، الجواز محتاج نُضج مش مجرد سن".
غياب قانون واضح ورادع
تؤكد مديرة برنامج المبادرات النسوية بمؤسسة جنوبية حرة في أسوان، سهام عثمان، لـ "عين الأسواني" برغم من وجود نص قانوني يمنع الزواج قبل سن 18 عامًا، فإننا ما زلنا نعاني من غياب قانون واضح ورادع، مما يفتح الباب أمام استمرار ظاهرة تزويج القاصرات في مصر، خاصةً أن الأعراف والتقاليد تحول دون الإبلاغ عن هذه الحالات، وحتى في حال تدخل الجهات الرسمية، غالبًا ما يتم تأجيل الزواج لا إلغاؤه، دون ضمانات حقيقية لحماية الفتيات.
حسب الدستور المصري المادة 80 فإنه "يُعد طفلا كل من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره". ووفقا لقانون الأحوال المدنية رقم 143 لسنة 1994، المادة (31 مكرراً) والمضافة عام 2008، فإنه " لا- يجوز توثيق عقد زواج لمن لم يبلغ من الجنسين ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة.. ويُعاقَب تأديبيًّا كل من وثّق زواجًا بالمخالفة لأحكام هذه المادة".
وافق مجلس الوزراء في أبريل 2022، على مشروع قانون بشأن حظر زواج الأطفال، ليُقدم مشروع القانون إلى مجلس النواب، ولا يزال قيد النقاش لم يُقرّ بصورة رسمية-.
أرقام وأسباب
من جهتها، تشير سهام عثمان إلى أن هناك أسبابًا متعددة لهذه الظاهرة الخطيرة ما بين اجتماعية واقتصادية وثقافية، ففي الأرياف؛ تترسخ الموروثات التي ترى أن "مصير الفتاة هو الزواج"، وأنها لا تمتلك مستقبلًا في التعليم أو العمل، ليصبح هدف الأسرة التخلص من "عبئها" ونقل مسؤوليتها إلى الزوج.
وصرحت نائبة وزير الصحة والسكان لشئون السكان، الدكتورة عبلة الألفي، أن نسبة الزواج المبكر في مصر تتجاوز 25%، وإن نسبة ال 15% المذكورة في مسح الأسرة المصرية السابق أقل من الواقع الفعلي الحالي، في تصريحات تلفزيونية العام الماضي.
ويشير تقرير اليونيسيف عن زواج الأطفال في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فبراير 2022، إلى أن زواج الأطفال ينشأ نتيجة عوامل متعددة مترابطة، تختلف من بلد لآخر ومن منطقة لأخرى داخل البلد الواحد، أبرزها الفقر وانخفاض مستويات التعليم وضغوط المجتمع والأعراف الاجتماعية والثقافية التمييزية بين الجنسين وغياب القوانين أو عدم تطبيقها.
وتعدّ الفتيات اللاتي يعشن في المناطق الريفية أو من أسر فقيرة أكثر عُرضة للزواج المبكر، كما يزداد زواج الأطفال في أثناء النزاعات المسلحة.
ووفقا لتقرير اليونيسيف، يبلغ عدد حالات زواج القاصرات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 40 مليون، بما يعادل 6% من الإجمالي العالمي، وتقع الأرقام الأعلى في السودان واليمن، وهناك 700 ألف فتاة تُجبر سنويًا على زواج الأطفال في هذه المنطقة.
أهمية التوعية المباشرة
تقول الناشطة النسوية، سهام عثمان، إن التوعية الميدانية المباشرة التي تنفذها منظمات المجتمع المدني لمواجهة هذه الظاهرة أكثر تأثيرًا من الحملات الإلكترونية، نظرًا لضعف وصول الإنترنت إلى القرى، فمثل هذه اللقاءات توفر دعمًا مباشرًا لهؤلاء القاصرات لا يجدنه إلا من خلالها، حيث يطلبن في الغالب المساعدة في تسجيل أطفالهن أو تطعيمهم، وذلك نتيجة عدم توثيق عقود الزواج، كما تلجأ بعضهن إلى طلب الدعم النفسي والقانوني، وذلك في حالات العنف الجنسي أو ما يُعرف بـ"الاغتصاب الزوجي".
آثار نفسية وجسدية
ناهد طه، أخصائية الصحة النفسية ورئيسة مجلس إدارة الجمعية النسائية لتحسين الصحة بإدفو توضح لـ "عين الأسواني" آثار الزواج المبكر على نفسية الفتيات، إذ تتأرجح الفتاة في تلك المرحلة -كما تقول- ما بين مشاعر الطفولة والمراهقة، وقد لا يكون لديها استقرار عاطفي أو ثقة بالنفس، مع عدم القدرة على تحديد ما تتمتع به من قدرات ذاتية تُميّزها عن غيرها من الفتيات. إضافة إلى الخوف والقلق من الانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة تحمل مسؤولية نفسها وغيرها، ويزداد الأمر سوءًا حين تتعرض للعنف الأسري أو الزوجي أو اللفظي أو البدني.
وتشير ناهد إلى أن الفتيات في عمر مبكر؛ لعدم اكتمال نموهن الجسدي، لا يكنّ مستعدات بعد لحمل جنين، وقد يتعرضن لمضاعفات الحمل أو الإجهاض، كما أن العلاقة الجنسية يمكن أن تكون أقل سعادة لافتقاد النضج الكافي وبعد الإنجاب، تفتقد الطفلة الأم للخبرة اللازمة والضرورية لتربية الأبناء.
تؤكد ناهد ضرورة الحرص على التقارب بين أفراد الأسرة والحوار بين الآباء والأمهات والأبناء والبنات، ومعرفة المشكلات التي يتعرضن له ومساعدتهن في حلها، كذلك عدم التفرقة بين الذكور والإناث وعدم استخدام العنف ضد الأبناء.
وتشير إلى أنه من المهم كذلك الدعم الاقتصادي للأسر بإقامة مشروعات توفر لها احتياجاتها، لمواجهة ظاهرة يُعدّ الفقر من أهم أسبابها.
الحكم الشرعي لزواج القاصرات
في حديث لشيخ الأزهر د. أحمد الطيب حول زواج القاصرات قال إن المقصد الشرعي من الزواج في الإسلام السكن بما يعني الراحة والسكينة والرحمة بين الزوجين، فإن افتقد الزواج ذلك قد يكون مُحرّمًا، فالزواج الذي يؤدي إلى أضرار نفسية أو اجتماعية أو أخلاقية لا يبيحه الإسلام. وأشار إلى أن تحديد سن معينة لزواج الفتيات مسألة تخضع لظروف العصر ومن ثم فهي متغيرة.
ووفقا لدار الإفتاء المصرية فإن زواج القاصرات يؤدي للعديد من المفاسد والأضرار، وينافي مقاصد الشريعة الإسلامية والحكمة من الزواج، ويمثل جريمة في حق هؤلاء الفتيات، وأن "الحكم الشرعي المناسب للواقع والحال والمتوافق مع الحكمة من الزواج هو حُرمة زواج القاصرات، ووجوب الالتزام بالسِّنِّ القانونية لزواج الفتيات".