طلبات إحاطة بلا جدوى.. أسوان على أعتاب الدورة البرلمانية الجديدة

كتب/ت أمنية حسن
2025-11-30 17:20:13

خرجت أسماء صالح، 26 عامًا، مع والدتها في زيارة عائلية إلى مركز إدفو، لكن الوقت لم يسعفهما للحاق بأقرب قطار في طريق العودة إلى أسوان، فاختارتا التوجه إلى موقف الأقاليم لاستقلال ميكروباص على طريق أسوان - القاهرة الزراعي، وخلال الرحلة، شعرت أسماء بالخوف في بعض المناطق المظلمة التي تفتقر إلى أعمدة الإنارة، خشية التعرض لحوادث مفاجئة نتيجة ضعف الرؤية.

هذه التجربة الفردية تعكس جانبًا من واقع الطرق في أسوان، التي ما زالت تحصد أرواح عشرات المواطنين سنويًا، وتتسبب في إصابات خطيرة. 

بحسب بيانات نشرة الحوادث الصادرة عن جهاز الإحصاء منذ 2021 وحتى 2024، سجلت المحافظة 1195 مصابًا في حوادث الطرق، فيما ارتفعت حصيلة المتوفين من 111 إلى 177 شخصًا، رغم انخفاض عدد الطرق الأكثر خطورة إلى طريقين فقط، هما القاهرة - أسوان الصحراوي الغربي "الصينية" وطريق أبو سمبل السياحي الدولي بين الكيلو 55 والكيلو 140، مدخل توشكا.

انتخابات مجلس النواب

أزمة الطرق ليست فردية في أسوان، بل تمتد لتكشف عن أزمات أعمق في قطاعات الإسكان والصحة والمياه، حيث تتسع الفجوة بين ما طُرح من طلبات إحاطة ومقترحات برلمانية خلال الدورة الماضية، وبين ما تحقق فعليًا على أرض الواقع، مما يجعل مواطني أسوان لا يعلقون آمالًا على الدورة الحالية.

يرى الدكتور مختار الغباشي، المحلل السياسي ورئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، أن للعضو البرلماني عدة أدوات رقابية متنوعة ولا تقتصر على طلبات الإحاطة فقط، بل تشمل أيضًا الأسئلة البرلمانية والاستجوابات.

ويضيف لـ"عين الأسواني": "يمكن للعضو تحويل طلب الإحاطة إلى سؤال موجه للحكومة لمعرفة أسباب عدم الاستجابة، أو أن يتقدم مجموعة من النواب بطلب استجواب، ما قد يؤدي في النهاية إلى سحب الثقة من الوزير الممتنع".

لكن رصد "عين الأسواني" من خلال مراجعة الأخبار المنشورة في الصحف المحلية أظهر أن نواب أسوان قدّموا 10 طلبات إحاطة تتعلق بمشكلات الصرف الصحي، و20 طلبًا حول قضايا الطرق والنقل، فيما رُصدت 8 طلبات مرتبطة بالقطاع الصحي، دون حلول جذرية، ويضع هذا المشهد النواب الجدد أمام تحدٍ كبير لتقديم حلول فعّالة.

طلب الإحاطة

يشارك في السباق الانتخابي الحالي 59 مرشحًا فرديًا داخل أسوان، بينما تضم القوائم عن دائرة شمال ووسط وجنوب الصعيد 202 مرشحًا ضمن قائمة "الوطنية من أجل مصر".

بينما خلال الدورة البرلمانية المنتهية 2021-2025، شغل النواب من أسوان 9 مقاعد، بينهم 5 مرشحين فردي، موزعين على لجان الإدارة المحلية.

طلبات إحاطة دون جدوى

كان أبرز طلبات الإحاطة في قطاع النقل، ما قدمه النائب جابر أبوخليل، عضو دائرتي أسوان وأبو سمبل، بشأن إنارة طريق قرية بنبان بمركز دراو، بسبب كثرة الحوادث، وتناولت باقي الطلبات أزمات الطرق بسبب غياب الإنارة أو عدم ازدواجية المسارات.

ومن بين أبرز تلك الطرق طريق أبو سمبل السياحي الدولي، الذي ناقش البرلمان بشأنه طلبَي إحاطة للنائبة ريهام عبد النبي بين عامي 2022 و2024، دون أن يتحقق أي تقدم ملموس حتى الآن، ويُعد الطريق أحد أهم المسارات السياحية في مصر، لكونه يربط بمحافظة أبو سمبل التي تحتضن معبد الملك رمسيس الثاني.

يشير "الغباشي" الخبير السياسي، إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في أداء بعض أعضاء البرلمان أنفسهم، موضحًا أن بعضهم قد يأتي كواجهة اجتماعية فقط، وقد لا يدرك دوره الكامل أو نصوص اللائحة، كما قد يفتقرون إلى الجرأة الكافية لاستخدام أدواتهم الرقابية، خشية مواجهة الوزير أو لأسباب مرتبطة بعلاقات.

ورغم تلك الحوادث المتكررة، فإن الطرق في أسوان ما زالت تواجه الخطر ذاته، على الرغم من زيادة ميزانيتها في الدورة البرلمانية المنتهية، إذ ارتفعت مخصصات مديرية الطرق والكباري بالمحافظة في ميزانية الإدارة المحلية من 8.38 مليون جنيه عام 2021/2022 إلى 11.06 مليون جنيه في موازنة 2025/2026,

يوضح حمدي عرفة، أستاذ الإدارة المحلية لـ"عين الأسواني"، أن الميزانية المخصصة للمحليات ضئيلة جدًا في الأساس، ويرجع ذلك إلى المركزية المالية والإدارية المطبقة: "هناك إيرادات كبيرة داخل المحافظات لا تعود إليها مباشرة، الأموال الناتجة عن شركات الكهرباء أو شركات الصرف الصحي تذهب إلى الوزارات المعنية في القاهرة، ولا تحصل المحافظات إلا على نسبة ضئيلة تتراوح بين 2% و3%. هذا الوضع يخلق فجوة في حل الأزمات".

تراجع قطاعي المياه والإسكان

لم يكن قطاعا الإسكان والمياه في أسوان أفضل حالًا من الطرق، إذ تعكس الدورة البرلمانية المنتهية محدودية التمثيل النيابي في معالجة أزماتهما، فقد ضمّت لجنة الإسكان مرشحًا واحدًا فقط عن المحافظة، في وقت شهدت فيه ميزانية مديرية الإسكان تذبذبًا ملحوظًا، بانخفاضها من 23.42 مليون جنيه عام 2021/2022 إلى 23.29 مليون جنيه عام 2025/2026

ويأتي هذا التراجع رغم اتساع الفجوة السكنية داخل المحافظة، حيث تُظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن 80% من وحدات الإسكان بأسوان أقامها القطاع الخاص، وهو ما يجعل فرص محدودي الدخل في الحصول على سكن لائق شبه مستحيلة، خصوصًا مع ارتفاع معدل البطالة إلى 11% عام 2023 مقارنة بالمعدل الوطني البالغ 7%.

في المقابل، تظل مناطق واسعة من المحافظة محرومة من الخدمات الأساسية وعلى رأسها الصرف الصحي، في قرية أبو الريش، تحكي رحاب صابر، أربعينية، عن انتظارٍ دخول مشروع الصرف الصحي الذي توقف منذ عام 2010. 

تقول: "نحن نعتمد على البيارات التي نحفرها بجانب المنازل، وتُفرغ بسيارات الترنشات مرة كل أسبوع أو أكثر حسب الاستخدام، مقابل 120 جنيهًا للنقلة الواحدة". هذا الحل المؤقت -كما تصفه- تحول إلى كارثة بيئية وصحية مع تكرار طفح المياه داخل المنازل وانتشار الروائح الكريهة والحشرات، ما تسبب في أمراض معوية وجلدية خاصة بين الأطفال.

وتنعكس أزمة البنية التحتية على نصيب الفرد من المياه النقية في أسوان، بالرغم من زيادة كمية المياه المنتجة من 144 إلى 146 مليون م³ بين عامي 2021 و2023، إلا أن نصيب الفرد تراجع من 87.6 إلى 86.8 م³ خلال الفترة نفسها، ما يعني أن الإنتاج لم يواكب الزيادة السكانية. 

ويشير تحليل "عين الأسواني" إلى أن المحافظة شهدت 10 طلبات إحاطة برلمانية تخص قطاع المياه والصرف الصحي، الموزعة بين الشركة القابضة لمياه الشرب وهيئة المجتمعات العمرانية، لكن أيًا من هذه الطلبات لم يُسفر عن تحرك ملموس على أرض الواقع.

تضيف رحاب: "بعد إصابة المئات من الأهالي بالنزلات المعوية في 2024، سمعنا وعودًا متكررة بدخول الصرف الصحي، لكننا الآن على أعتاب 2026 ولا جديد". 

شهدت قرى أبو الريش في سبتمبر 2024 أزمة صحية واسعة، حيث سُجلت 480 حالة إعياء ونزلات معوية، وأعلنت وزارة الصحة حينها أن السبب هو بكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli) الناتجة عن تلوث المياه أو الطعام.

يؤكد الدكتور عمرو هاشم ربيع، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، لـ"عين الأسواني" أن عدم قدرة النواب على التعامل مع المشاكل وتوصيل أصوات المواطنين يمكن أن يُحلّ بشكل أفضل من خلال تفعيل المجالس المحلية، حيث يتيح وجود هذه المجالس لأهالي أسوان الاطلاع مباشرة على تفاصيل الأمور والمشاكل بشكل أدق.

قطاع الصحة

وفي قطاع الصحة، لم يكن المشهد أكثر إشراقًا، رغم زيادة الميزانية، إذ ارتفعت مخصصات مديرية الشؤون الصحية بأسوان من 831.9 مليون جنيه عام 2021/2022 إلى 860.1 مليون جنيه عام 2025/2026، بزيادة بلغت 3.39%، إلا أن هذه الزيادة لم تنعكس على تحسين الخدمات الطبية أو تطوير البنية التحتية للمستشفيات داخل المحافظة.

ووفق رصد "عين الأسواني"، جرى تقديم 8 طلبات إحاطة برلمانية خلال الدورة المنتهية تتعلق بقطاع الصحة، تنوعت بين مطالب بدعم مستشفى دراو المركزي بالمستلزمات الطبية، وبين أخرى تخص نقص الأطباء والمعدات في المستشفيات الريفية.

لكن رغم هذه التحركات، ظل التنفيذ محدودًا، وتزامن ذلك مع انضمام محافظة أسوان رسميًا إلى منظومة التأمين الصحي الشامل في يوليو 2025.

يقول علي ناصر، مزارع من مدينة أسوان، إنه منذ انضمام المحافظة إلى منظومة التأمين الصحي الشامل في يوليو 2025، بدأ يواجه صعوبات شهرية في الحصول على علاج مرض السكري: "يُخصم من معاشي نحو 280 جنيهًا شهريًا مقابل التأمين، ومع ذلك لا أجد الدواء متوفرًا في صيدليات التأمين الصحي، فأضطر لشرائه على نفقتي الخاصة وأواجه صعوبة في الحجز".

وتشير تقارير سابقة لـ"عين الأسواني" إلى أن مشكلة علي ليست فردية، حيث رصدت شكاوى من مواطنين آخرين بشأن نقص أدوية مختلفة، لا سيما الأدوية المزمنة.

يتسق ذلك مع ما خلصت إليه دراسة صادرة عن المبادرة البحثية "الإصلاح العربي" بعنوان "اللامركزية وعدم المساواة الجغرافية في مصر منذ 2014"، إلى أن الوحدات المحلية لا تملك صلاحيات تنفيذية فعلية، على الرغم من أن دستور يناير 2014 أقر التحول التدريجي نحو اللامركزية الإدارية والمالية والاقتصادية.

- انخفض عدد أسِرّة المستشفيات في أسوان من 1039 سريرًا عام 2021 إلى 828 سريرًا عام 2023، ما يعادل انخفاضًا بنسبة تقارب 20% خلال عامين فقط. 

هذا التراجع، في ظل تزايد الكثافة السكانية، يعمّق أزمة نقص الخدمات الصحية في قرى ومراكز المحافظة، حيث يعاني المواطنون من طول فترات الانتظار وصعوبة الوصول إلى خدمات طبية متخصصة.

وبشكل عام، تُظهر موازنة محافظة أسوان للعام المالي 2025/2026 ملامح نمو نسبي في الإنفاق والإيرادات، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن استمرار العجز المالي الهيكلي بالمحافظة. 

ارتفعت الاستخدامات (المصروفات) بنحو 1.1 مليار جنيه، من 65.23 مليار جنيه إلى 66.33 مليار جنيه، في حين زادت الموارد (الإيرادات) بمقدار 479 مليون جنيه فقط، من 3.11 مليار إلى 3.59 مليار جنيه.

طلب إحاطة

ورغم هذا النمو المحدود في الإيرادات، فإن العجز المالي الكلي واصل الارتفاع، ليقفز من 62.12 مليار جنيه إلى 62.74 مليار جنيه، وهو ما يعكس فجوة متزايدة بين ما يُنفق وما يُحصَّل فعليًا داخل المحافظة. 

وفي ظل هذا الواقع المعقد، يترقب أهالي أسوان نتائج انتخابات مجلس النواب الجديدة التي تُفتتح دورتها لخمس سنوات قادمة، آملين أن تشهد المرحلة المقبلة تحركًا فعليًا نحو تفعيل الرقابة البرلمانية.