ضعف التمثيل البرلماني.. هل تنصف الانتخابات المقبلة أهالي أسوان؟

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت أمنية حسن
2025-07-28 11:53:32

في قرية عنيبة التابعة لمركز نصر النوبة بمحافظة أسوان، يعيش علي حسن، مواطن، معاناة يومية بسبب الانقطاع المتكرر في مياه الشرب، تعتمد القرية بشكل أساسي على ترعة الطويسة المصدر الوحيد للمياه، إلا أن أعمال تطهير الترعة المتكررة وما يصاحبها من ظهور "العكارة"، تؤدي إلى وقف محطات الرفع وتعطيل الضخ، ما يتسبب في حرمان الأهالي من المياه لفترات قد تطول.

يوضح حسن في حديثه لـ"عين الأسواني"، أن مشكلة المياه ليست وليدة اللحظة، بل تمتد لسنوات طويلة دون حل جذري، رغم الوعود المتكررة من المسؤولين وأعضاء مجلس النواب بتوصيل القرية بشبكة محطة تشغيل المياه القريبة.

ما يعيشه سكان قرية عنيبة لا يختلف كثيرًا عما تعانيه مناطق أخرى في أسوان، من أزمات مشابهة في الصرف الصحي والتعليم والصحة ومياه الشرب.

أزمة المياه

بحسب نشرة المياه النقية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، شهدت محافظة أسوان خلال عام 2023/2024 ارتفاعًا في نسبة العينات غير المطابقة لمعايير الجودة من شبكات الإنتاج، من بين 12,784 عينة فُحصت، وُجد أن 4.82% منها غير مطابقة للمواصفات، مقارنة بـ2.65% فقط خلال عام 2022/2023 من إجمالي 11,938 عينة، هو ما يشير إلى تراجع في جودة المياه وتفاقم المشكلة.

ضعف التمثيل البرلماني في أسوان

خلف هذه الأزمات الخدمية، تظهر أزمة أعمق تتعلق بضعف التمثيل البرلماني للمحافظة، رغم أن عدد سكان أسوان تجاوز مليون و707 ألف نسمة وفقًا لآخر إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلا أن عدد المقاعد الفردية المخصصة للمحافظة في مجلس النواب لا يتجاوز 5 مقاعد موزعة على 4 دوائر انتخابية منذ انتخابات 2020

أي أن كل نائب يتحمل مسؤولية تمثيل ما يقرب من 341 ألف مواطن، في تناقض واضح مع قدرة النواب على متابعة مشكلات المواطنين والتفاعل معها ما أدى إلى تفاقم مشكلات محلية.

ويمثل هذا تراجعًا واضحًا مقارنة بانتخابات عام 2015، التي شهدت تخصيص 8 مقاعد فردية لأسوان، بواقع نائب لكل 181 ألف نسمة تقريبًا، حين كان عدد السكان يقدّر بنحو مليون و448 ألف نسمة، مع الزيادة السكانية وتفاقم المشكلات الخدمية، بات التمثيل البرلماني في أسوان غير كافٍ لاستيعاب احتياجات المواطنين أو نقل أصواتهم بفعالية تحت قبة البرلمان.

التمثيل البرلماني في محافظة أسوان

يسلط هذا التقرير الضوء على أزمة ضعف التمثيل البرلماني للمحافظة، كيف يمكن أن يؤدي إلى تراجع في الاستجابة لمطالب المواطنين في مشكلات محلية، ويعزز شعورهم بالتهميش وغياب الحلول الفعلية، لا سيما أن مصر على أعتاب عقد انتخابات مجلس النواب 2025، في منتصف نوفمبر المقبل، التي تجُرى خلال الستين يومًا السابقة على انتهاء المدة لانتخابات 2020.

يتعارض ضعف التمثيل البرلماني الحالي مع ما نصت عليه المادة 102 من الدستور المصري المُعدّل عام 2019، التي تنص على ضرورة تحقيق التمثيل العادل للسكان والمحافظات، تمنح المشرّع صلاحية اعتماد النظام الفردي أو نظام القائمة أو الجمع بينهما بأي نسبة، بما يضمن العدالة والتوازن بين مختلف المناطق الجغرافية.

وتأتي هذه الانتخابات تفعيلًا لنص المادة 106 من الدستور المصري، التي تنص على أن مدة عضوية مجلس النواب خمس سنوات ميلادية، تبدأ من تاريخ أول اجتماع له، على أن تُجرى الانتخابات خلال الستين يومًا السابقة لانتهاء المدة.

 معضلة الدوائر الانتخابية

ويشير محمود إبراهيم، الباحث بالمركز المصري للدراسات الاستراتيجية، إلى أن تراجع التمثيل الفردي في مجلس النواب جاء نتيجة للتعديلات التي طرأت على قانون تقسيم الدوائر رقم "47" لسنة 2020، موضحًا أن هذا التعديل أدى إلى خفض عدد المقاعد الفردية على مستوى الجمهورية من 448 مقعدًا إلى 284 فقط، في مقابل زيادة عدد المقاعد المخصصة لنظام القوائم من 120 إلى 284 مقعدًا.

التمثيل البرلماني في محافظة أسوان

ويضيف إبراهيم أن هذا التغيير انعكس على متوسط عدد الناخبين الذين يمثلهم كل نائب فردي، الذي ارتفع من 168,533 ناخبًا في انتخابات 2015 إلى نحو 286,333 ناخبًا بعد التعديلات، ما ضاعف الأعباء الواقعة على النواب، خاصة في ظل غياب المجالس المحلية، التي كانت تمثل في السابق حلقة وصل مهمة بين المواطنين والسلطة التنفيذية، التي تلعب دورًا محوريًا في حل المشكلات الخدمية اليومية.

التمثيل البرلماني في محافظة أسوان

يعلّق الدكتور محمد الذهبي، أستاذ القانون العام، بأن قانون تقسيم الدوائر الانتخابية يضع عددًا من المعايير التي يجب الالتزام بها أثناء التقسيم، من بينها عدد السكان والامتداد الجغرافي للدائرة.

ويشير لـ"عين الأسواني" إلى أن الهدف من هذه المعايير هو ضمان ألا تكون الدائرة كبيرة بشكل يصعب معه على النائب القيام بدوره التمثيلي والتواصلي، أو أن تضم عددًا من السكان يفوق قدرة النائب الواحد على الاستجابة لمطالبهم.

ويوضح الذهبي أن الفجوة ستظل قائمة في بعض المناطق، حيث لا تطبق هذه المعايير بالشكل الأمثل، ما يؤثر سلبًا على جودة التمثيل النيابي، يدفع المواطنين في أسوان وغيرهم إلى التطلع نحو تغيير حقيقي في شكل الدوائر وآليات اختيار النواب، بما يواكب احتياجاتهم المتزايدة من خدمات أساسية وحقوق تنموية عادلة.

في المقابل، تحظى محافظة قنا -الواقعة أيضًا في جنوب الصعيد- بتمثيل نيابي أكبر رغم التحديات التنموية المشتركة في المنطقة، حيث يبلغ عدد السكان نحو 3 ملايين و757 ألف نسمة، وتضم المحافظة 9 دوائر فردية في مجلس النواب، مقارنةً بـ4 دوائر فقط في محافظة أسوان. 

وبينما تفوق قنا أسوان من حيث الكثافة السكانية، إلا أنها تسجل أيضًا نتائج أفضل في جودة مياه الشرب؛ إذ بلغت نسبة العينات غير المطابقة للمواصفات من محطات الإنتاج 0.27% فقط من إجمالي 222,279 عينة فحصت، بحسب النشرة الرسمية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 2024.

فجوة المقاعد

وإزاء ذلك يشدد الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي على أن النائب المنتخب لا يجب أن يُختزل في تقديم الخدمات الفردية، بل ينبغي أن يكون مدافعًا صلبًا عن حقوق محافظته عند مناقشة الميزانية العامة للدولة، بما يضمن تخصيص موارد عادلة لقطاعاتها الحيوية.

التمثيل البرلماني في محافظة أسوان 

ويضيف لـ"عين الأسواني": "إذا كان الممثل المحلي غير قادر على المطالبة بحقوق محافظته في ميزانية التعليم أو الصحة مثلًا، فإنها ستتلقى نصيبًا أقل من الموارد مقارنة بمحافظات أخرى، ما ينعكس سلبًا على جودة الخدمات التي يتلقاها المواطن".

وبالتالي، فإن أزمة التمثيل النيابي في أسوان لا تنفصل عن المشكلات التنموية المزمنة التي تعانيها المحافظة، بل تُعد أحد جذورها الرئيسية.

وعلى أرض الواقع، ما زال علي حسن، من قرية عنيبة بنصر النوبة، ينتظر حلًا لأزمة المياه التي تعانيها القرية منذ سنوات، موضحًا أن هناك محطة مياه قريبة في بلانة، أُنشئت ضمن مبادرة "حياة كريمة" قبل ثلاث سنوات، لكنها حتى الآن لم تدخل الخدمة.

ويُعرب حسن عن استيائه قائلًا: "أسوان من أكثر المناطق حرارة في مصر، إلى متى يتحمل كبار السن والمرضى انقطاع المياه المستمر؟ لا نعرف لمن نشتكي للنواب أم للمجالس المحلية".

يتجلى الأثر المباشر لضعف التمثيل البرلماني في محافظة أسوان في تفاقم الأزمات الخدمية والمعيشية التي يواجهها المواطنون، لاسيما في قطاعات حيوية مثل التعليم ومحو الأمية. 

بحسب تقديرات الهيئة العامة لتعليم الكبار حتى يونيو 2025، بلغت نسبة الأمية في أسوان نحو 13.3% من إجمالي عدد السكان، هي نسبة مرتفعة تعكس قصورًا في الوصول إلى الخدمات التعليمية الأساسية.

التمثيل البرلماني في محافظة أسوان

وتزداد المفارقة وضوحًا عند مقارنة أسوان بمحافظات حدودية أخرى في صعيد مصر، تمتلك تمثيلًا نيابيًا أكبر رغم انخفاض عدد سكانها، على سبيل المثال، تُظهر بيانات الهيئة الوطنية للانتخابات أن محافظة البحر الأحمر، التي يبلغ عدد سكانها 415 ألف نسمة فقط، تحظى بثلاثة مقاعد فردية في مجلس النواب، أي ما يعادل نائبًا لكل 138 ألف مواطن تقريبًا، في حين لا تتجاوز نسبة الأمية بالمحافظة 6.7%.

أما محافظة الوادي الجديد، التي يبلغ عدد سكانها نحو 273.975 ألف نسمة، تُمثّل بمقعدين فرديين، أي بمعدل نائب لكل 136 ألف مواطن، وتبلغ نسبة الأمية بها نحو 5.8% فقط.

تُبرز هذه الأرقام الفجوة في التمثيل بين أسوان وهذه المحافظات، في ضوء هذا الضعف، يؤكد الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن الحكم المحلي يمثل الركيزة الأساسية لأي دولة تسعى لتحقيق تنمية حقيقية.

ويرى أن اختيار ممثلي الشعب، سواء في المجالس النيابية أو المحلية، يجب أن يستند إلى برامج عمل واضحة تلتزم بتلبية احتياجات المواطنين في مجالات محورية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية والنقل.

أهمية التمثيل البرلماني

وتكشفت نشرة نتائج حوادث السيارات والقطارات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن فجوة لافتة بين محافظتي أسوان وقنا فيما يخص عدد ضحايا الحوادث خلال عام 2024، حيث سجلت محافظة أسوان 177 حالة وفاة، مقابل 61 حالة وفاة فقط في قنا ذات التمثيل البرلماني الأعلى.

هذا الواقع ينعكس بوضوح في حياة المواطنين، كما تحكي أميرة محمد، طالبة بالمرحلة الثانوية، عن معاناتها اليومية في التنقل بين المدرسة ومراكز الدروس الخصوصية، لافتة إلى أن أزمة المواصلات أصبحت عبئًا نفسيًا وماديًا، حيث لا يلتزم السائقون بالتسعيرة الرسمية التي تحددها المحافظة، ويقومون بتجزئة المسافات لزيادة الأجرة. 

وتضيف: "أحيانًا أضطر إلى ركوب أكثر من سيارة في نفس المسافة بسبب تقسيم الخط، مع غياب الرقابة، إذا اعترض أحد الركاب يتعرض للتهديد أو الشجار مع السائق، لأني فتاة لا أملك حتى خيار الاعتراض".

وتعيد هذه المشكلات اليومية، بحسب رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، النقاش حول أهمية التمثيل النيابي الفعّال في أسوان، إذ يرى أن استمرار الاختيار البرلماني بناءً على الانتماءات القبلية يغيب معايير الكفاءة والرؤية المستقبلية، مشددًا على ضرورة الانتقال نحو اختيار نواب لديهم برامج واضحة قابلة للتطبيق، تضع حل مشكلات مثل النقل والبنية التحتية والتعليم في مقدمة أولوياتهم.

ويؤكد أن النائب يجب أن يكون صوتًا قويًا داخل البرلمان للدفاع عن حقوق محافظته، لا مجرد واجهة اجتماعية، مطالبًا الناخبين في أسوان بأن يُعيدوا النظر في معايير الاختيار خلال الاستحقاقات المقبلة، لأن تحسين الخدمات اليومية يبدأ من تمثيل نيابي يعكس فعلًا هموم المواطن.

ومع اقتراب موعد انتخابات مجلس النواب المقبلة، تتجدد آمال المواطنين في محافظات مثل أسوان، في أن تفرز صناديق الاقتراع نوابًا أكثر قدرة على تمثيل قضاياهم والدفاع عن حقوقهم داخل البرلمان، مع مراعاة التقسيم الإداري للشياخات والقرى، ما قد يحقق تمثيلًا أكثر عدالة.