في بداية العام الدراسي 2025/2026، كان حسن علي، والد طالب دمج من محافظة أسوان، يستعد كعادته لإنهاء الأوراق المطلوبة، لالحاق ابنه بالصف الأول الثانوي الفني في مدرسة العميد عبدالله شرقاوي بعد نجاحه في الإعدادية.
خبرته الطويلة مع الإجراءات جعلته يتهيأ لكل خطوة وهو يعرف جيدًا ما ينتظره، الأوراق والفحوصات أصبحت روتينًا سنويًا بالنسبة له، من الفحص الطبي الأوليّ إلى اختبار الذكاء والسمع -حصلنا على نسخة منه-، لكن هذه المرة اصطدم بعقبة غير متوقعة وهي أن اختبار مقياس السمع الذي كان يجريه في مستشفى التأمين الصحي للطلاب توقف هذا العام.
مصير معلق للطلاب
يقول حسن: "توقف ملف ابني بسبب اختبار مقياس السمع، أنهيت كل الفحوصات المطلوبة حتى ورق الإحالة من الوحدة الصحية، لكن حين ذهبت إلى مستشفى المسلة التخصصي، قالوا إن المنظومة الجديدة لم تتعاقد مع أي مركز سمعيات داخل أسوان لإجراء الاختبار الذي اعتدت إجراءه منذ التحاق ابني بالتعليم".

- المسلة التخصصي واحدة من ضمن 11 مستشفى انضمت لمنظومة التأمين الصحي الشامل في يوليو الماضي.
الدمج هو نظام تعليم في مصر يهدف إلى تمكين الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة من التعلم جنبًا إلى جنب مع أقرانهم داخل الفصول العادية، ضمن برامج تربوية متخصصة توفر لهم الدعم الأكاديمي والاجتماعي والنفسي اللازم، بما يضمن دمجهم الكامل في البيئة التعليمية.
وبحسب بيانات وزارة التربية والتعليم للعام الدراسي 2023/2024، بلغ عدد طلاب الدمج المقيدين بمختلف مراحل التعليم في محافظات الجمهورية نحو 159 ألفًا و825 طالبًا وطالبة.
لكن بعد انضمام محافظة أسوان رسميًا إلى منظومة التأمين الصحي الشامل في يوليو 2025، توقفت بعض الفحوصات الطبية الأساسية التي يُجريها طلاب الدمج لاستكمال ملفاتهم الدراسية في مستشفيات التأمين، وفي مقدمتها اختبار مقياس السمع الذي يُعد شرطًا أساسيًا للقبول، هذا التوقف المفاجئ عطّل ملفات العديد من الطلاب دون توضيح البديل من قبل وزارة التعليم.
تُظهر بيانات الموازنة العامة للدولة لعام 2025/2026 أن عدد المستفيدين من دعم التأمين الصحي على الطلاب في محافظة أسوان ارتفع إلى 456,682 طالبًا وطالبة، بنسبة زيادة بلغت 38% مقارنة بالعام السابق 2024/2025.
ورغم هذا الارتفاع الكبير في أعداد المستفيدين، فإن الدعم المعلن لم ينعكس فعليًا على أرض الواقع بالنسبة لطلاب الدمج، إذ لا يزال نحو 50 طالبًا وطالبة دمج سمعي في مدارس بأسوان، عاجزين عن استكمال أوراق التحاقهم، بعد توقف إجراء اختبار مقياس السمع داخل المحافظة، وفق تأكيد أحد موظفي مديرية التربية والتعليم.
يوضح المصدر -رفض ذكر اسمه- لـ"عين الأسواني" أن المشكلة تتجاوز قدرة المديرية على الحل، لأن الطلاب أجروا هذه الفحوصات في الأعوام السابقة، إلا أن الانتقال إلى مرحلة تعليمية جديدة يتطلب تجديد الاختبارات، وهو ما أصبح متعذرًا بعد انضمام المحافظة إلى منظومة التأمين الصحي الشامل.
ورغم وجود مراكز سمعيات خاصة في أسوان قادرة على إجراء هذا النوع من الاختبارات، فإنها غير معتمدة ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل، التي تشترط اعتماد الجهات المنفذة بختم النسر، ما جعل الإجراءات الطبية المطلوبة لتعليم الدمج تتوقف فعليًا عند عتبة البيروقراطية وفقًا للمصدر.
اختبار السمع يهدد إغلاق الباب
يؤكد حسن أن موظفي التأمين الصحي الشامل أبلغوه ضرورة تحويل أوراق ابنه إلى مستشفى سوهاج الجامعي بوصفها الجهة المعتمدة من المنظومة لإجراء الفحص، لكن حين حاول حجز موعد، اكتشف أن قائمة الانتظار ممتلئة حتى ديسمبر 2025، ما يعني استحالة إجراء الاختبار في الوقت المحدد.
ويضيف بقلق: "إدارة التربية الخاصة بالإدارة التعليمية حددت آخر موعد للتقديم في مدارس الدمج يوم 30 نوفمبر المقبل، وإذا لم يُجرَ الاختبار قبل هذا التاريخ، سيُحرم ابني من حقه في الالتحاق بنظام الدمج المخصص للطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة وإجباره على الالتحاق بالتعليم العام بمواد دراسية صعبة لا تناسب قدراته".

- تنص المادة 19 من الدستور على أن التعليم حق لكل مواطن، ويعزز هذا الحق القرار الوزاري رقم 252 لسنة 2017، الذي أتاح للأطفال ذوي الإعاقات البسيطة الالتحاق بمدارس التعليم العام ضمن نظام الدمج، ليشاركوا الدراسة جنبًا إلى جنب مع أقرانهم من الأطفال غير ذوي الإعاقة.
ويُعد عدم قبول الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة مخالفة صريحة للكتاب الدوري رقم 9 الصادر عن وزير التعليم السابق رضا حجازي في نهاية فبراير 2024، والذي ينص على تخصيص نسبة 5% من المقاعد للطلاب ذوي الإعاقة البسيطة، كنسبة إضافية تتجاوز الكثافة المقررة في المدارس الخاصة بمختلف أنواعها، بما في ذلك المدارس التي تطبق مناهج ذات طبيعة خاصة أو دولية، لضمان حقهم في التعليم والدمج.
كما تؤكد الدكتورة وفاء أبو الوفاء، أخصائية العلاج الطبيعي للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، على حق الأطفال الذين يعانون من درجة بسيطة من إعاقة في الالتحاق بالمدارس العادية جانب أقرانهم الأسوياء، موضحة أن تحقيق هذا الدمج يُواجه في الأساس سلسلة من العوائق المادية والبشرية مثل عدم توفير مقاعد خاصة لهم أو غياب التوعية الكافية للطلاب والمدرسين لضمان تقبل هؤلاء الأطفال ومنع أي تصرفات أو سلوكيات تزيد من شعورهم بالاختلاف أو النقص.
وتحذر لـ"عين الأسواني" من أن استمرار هذه العوائق يؤدي إلى تفاقم الآثار النفسية، حيث يزيد لديهم الإحساس بالعجز والنقص، وقد يدفعهم لرفض الذهاب إلى المدرسة والاختلاط، وربما يؤدي إلى تراجع رغبتهم في الحياة وقد يصل الأمر إلى تطور سلوكيات عدوانية تشكل خطراً عليهم وعلى الآخرين.
تؤيدها في الرأي منى عزت، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة النون لرعاية الأسرة واستشارية التمكين الاجتماعي والاقتصادي، بأن الأطفال المدمجين من ذوي الإعاقة يحتاجون إلى رعاية مضاعفة واهتمام خاص، وأن أي تباطؤ أو تقصير في تلبية احتياجاتهم الصحية ينعكس مباشرة على استمرارهم في التعليم، مشيرة إلى أن هذه التأخيرات المؤسسية لا تمس الطفل فقط، بل تُحدث اضطرابًا نفسيًا ومعنويًا داخل الأسرة بأكملها.
هذا الأثر بدا واضحًا في حالة الحسن صالح، والد طالب دمج بالصف الأول الابتدائي في مدرسة علي ناصر بأسوان، الذي يعيش مع أسرته حالة من القلق والارتباك بسبب توقف الاختبارات الطبية.
يقول: "ابني بدأ الدراسة متأخرًا بعمر ثماني سنوات، لأنه خضع لعملية زراعة قوقعة استغرقت وقتًا طويلاً للتأهيل، ولم تتح له فرصة الالتحاق بالحضانة مثل أقرانه".
ويضيف: "عندما طلبت المدرسة إجراء اختبارات الدمج في المسلة التخصصي، حددت إدارة التأمين الصحي الشامل موعد 30 أكتوبر الجاري، لكن أثناء تجهيز الأوراق في مديرية التربية والتعليم فوجئت بوجود العديد من أولياء الأمور الذين أتمّوا أوراقهم مسبقًا، ومع ذلك ما زالت الاختبارات السمعية لديهم متوقفة، ولا أعلم ما سيكون مصير ابني مع اقتراب الموعد المحدد".
بحسب دراسة أعدها مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة لعام 2023، فإن معظم الأنظمة التعليمية حول العالم تعتمد نهجًا تمييزيًا تجاه ذوي الاحتياجات الخاصة، ما يؤدي إلى حرمانهم من حقهم الأساسي في التعليم.
وتشير الدراسة إلى أن بعض التلاميذ يُستبعدون بالكامل بسبب إعاقتهم، في حين يُرسل آخرون إلى مدارس خاصة للتعامل مع احتياجات معينة، غالبًا ضمن أنظمة تعليمية منفصلة تفصلهم عن بقية الطلاب، ما يعيق دمجهم الاجتماعي والأكاديمي ويحد من فرصهم في التعلم جنبًا إلى جنب مع أقرانهم.
بين التوثيق والانتظار
واجه حسين رمضان تجربة مشابهة، خلال العام الدراسي الحالي، بعد انتقال ابنه إلى الصف الثاني الابتدائي، حيث طلبت مدرسة الإمام علي الابتدائية تحويله لنظام الدمج بسبب مشكلة في السمع، بدأت رحلة استيفاء الأوراق، لتظل ورقة الاختبارات السمعية عقبة رئيسية أمامه.
يوضح حسين: "عندما أحلت أوراق الطلب إلى مستشفى المسلة التخصصي بأسوان لإجراء الاختبار السمعي، أبلغوني بعدم توفر الخدمة، رغم أن أي مركز سمعي قادر على إجراء الاختبار، المشكلة أن الإدارة التعليمية لا تعترف بهذه المراكز إلا إذا كانت ضمن المنظومة الرسمية بالمحافظة وأخبروني أيضًا أن هناك طبيبة تأتي ثلاث أيام فقط في الشهر لإجراء الاختبارات، لكنها حتى الآن لم تأتِ، ولا يعرفون موعد قدومها بالتحديد، ما يزيد من صعوبة إنهاء الملفات المتراكمة".
تتضح آثار هذه التحديات في بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء 2022، التي تشير إلى أن 49.9% من ذوي الإعاقة أميون، في حين حصل 5.4% فقط منهم على شهادات جامعية، ما يعكس فجوة كبيرة في فرص التعليم والتأهيل لهذه الفئة.
وتختتم منى عزت حديثها بالتأكيد على أن الأسر الفقيرة في المناطق النائية هي الأكثر تضررًا، إذ تفتقر إلى الموارد المالية التي تمكنها من التنقل بين المحافظات أو متابعة التعقيدات الإدارية، مما يجعل حل هذه الأزمات الفردية أمرًا شبه مستحيل دون تدخل مؤسسي واضح يضمن حق هؤلاء الأطفال في التعليم والرعاية.
يتسق ذلك، مع أحدث بيانات مسح الدخل والإنفاق لعام 2021/2022 حيث انخفض متوسط الإنفاق السنوي للأسر المصرية على التعليم إلى 3305.2 جنيهًا، بما يمثل 4.38% من إجمالي متوسط دخل الأسرة، مقارنة بعام 2020/2019 حيث كانت النسبة 5.7% من متوسط دخل الأسرة.
في المقابل، حاولت "عين الأسواني" التواصل هاتفيًا مع الدكتور محمد عبد الهادي، مدير الرعاية الصحية بأسوان، أكثر من مرة للاستفسار عن أسباب توقف اختبارات الدمج والخطوات المتخذة لحل الأزمة، إلا أنه لم يرد حتى وقت كتابة هذا التقرير.
وتجسد حالة طلاب الدمج في أسوان، التحديات السنوية التي يواجهها الأطفال وأسرهم في سبيل الحصول على حقهم الأساسي في التعليم، حيث تتحول إجراءات بسيطة مثل اختبار السمع إلى عقبات بيروقراطية تمنعهم من الالتحاق بالمدارس.